نشرت مجلة ديرشبيغل الألمانية (14/2/1983) شهادة لأحد عناصر الميليشيات التي ارتكبت مجازر صبرا وشاتيلا تحت عنوان: كل منكم منتقم. وقد أغفلت المجلة في مقدمة التحقيق اسم المسلح صاحب الشهادة لكنها أشارت إلى انه «معروف لدى مكتب التحرير».
وفي ما يأتي نص الشهادة:
التقينا في وادي شحرور الواقعة جنوب شرقي بيروت نهار الأربعاء في 15 كانون الأول. لعدة أيام خلت قائدنا بشير الجميل الذي أصبح ضحية الجريمة، كنا نحو 300 رجل من بيروت الشرقية ومن جنوب لبنان وجبال عكار في الشمال. معظمنا أعضاء في حزب الكتائب وكنا نرتدي الزي العسكري بما فينا المنتمون إلى حزب الأحرار مثلي التابع للرئيس السابق كميل شمعون (ميليشيا النمور).
تجمعنا في المكان المذكور مسؤولون في حزب الكتائب أوضحوا لنا ان وجودنا هنا من أجل «عملية خاصة»: «حضرتم بملء إرادتكم لتثأروا للجريمة البشعة بحق بشير الجميل، أنتم أداة الله، كل منكم منتقم».
عُبّئنا بشكل جيد. من جهتي كان هذا صحيحاً وجيداً. ففي سنة 1976 عندما دخل الفلسطينيون إلى الدامور قُتل اثنان من أشقائي وخلال الحديث مع رفاقي تبين لي ان معظمهم خسروا بعض أقاربهم أيضاً.
بعدها حضر نحو اثني عشر اسرائيلياً بالزي الأخضر ولكن بدون أية علامة تشير إلى رتبهم، يحملون الخرائط ويتكلمون العربية بشكل جيد عدا الحرف (ح) حيث كانوا يلفظونه (خ) كسائر اليهود ـ تحدثوا عن مخيمات الفلسطينيين وبالتحديد مخيمي صبرا وشاتيلا، وبقينا لساعات ندرس الخرائط، بالنسبة لنا كنا نعتبر ان هذا مضيعة للوقت لأننا ندرك طبيعة العمل الموكل إلينا وننتظر تحقيقه.
أبلغنا مسؤولونا بالواجب المشرّف ألا وهو تحرير لبنان من آخر أعدائه، «يجب دخول المخيمات واعتقال كل رجل يستطيع أن يقاتل» وقد كنا جداً فخورين.
وعند ظهر اليوم التالي اجتمعنا لأداء القسم بعدم البوح لأي كان بظروف وملابسات هذه العملية.
وحوالى الساعة الثانية والعشرين (العاشرة ليلاً) أقلتنا شاحنات عسكرية أميركية قدمها لنا الاسرائيليون.
انتقلنا إلى مستديرة المطار حيث كان هناك عدد كبير من الشاحنات متوقفاً بالقرب من المواقع الاسرائيلية لنقل المعتقلين. بعض الاسرائيليين بلباس الكتائب اللبنانية التحقوا بمجموعاتنا.
مسؤولونا شرحوا لنا أن «أصدقاءنا الاسرائيليين هؤلاء هم أيضاً متطوعون ولم يعلموا جيشهم بذلك، وسوف يكونون خير عون لكم في عمليتكم».
وأوضح لنا المسؤولون انه من الأفضل عدم استخدام الأسلحة «معكم فقط ثلاث ساعات ويجب ان يكون كل شيء قد انتهى، ولكن بهدوء وصمت».
أحد مسؤولي الكتائب بقي للاتصال المباشر مع الاسرائيليين على مداخل المخيمات.
أحد المقنعين قادنا من فوق حاجز ترابي بالقرب من السفارة الكويتية. «إقفز» همس من خلفي، بالقرب من الحائط الترابي هناك كوخ صغير، فتحنا الباب عنوة. كان بالداخل رجل مُسنّ وزوجته وولدان بسن الخامسة عشرة والسادسة عشرة يستمعون للراديو، أوقفناهم تحت السلاح وبدأنا التفتيش عن أسلحة، أحد الأولاد صرخ بنا كلاب اليهود، ظنّ نفسه شجاعاً هذا الملعون. واحد منا أدخل حربته في قلبه. كان عملاً سريعاً وهادئاً مثلما أُمرنا.
لكن لم نستطع تحاشي صراخ العجوزين والولد الآخر، تعجبنا من صراخهم رغم أننا لم نقم بأي عمل يؤذيهم، جرهم رفاقنا إلى الخارج باتجاه الشاحنات المنتظرة، لكن لا أدري إذا كانوا قد وصلوا. بعدها التقينا بعض الرفاق الذين امتثلوا ايضاً للأوامر بعدم اطلاق النار، حيث استخدموا بدل الرصاص الحراب والسكاكين، جثث مضرجة بالدماء ملقاة في الشوارع وعلى مداخل البيوت، لكن صراخ وبكاء النساء المجانين كاد يفضح سرية عملنا، وهذا الصراخ كان بمثابة الإنذار لباقي سكان المخيم.
وفجأة أطلق نار، بعض الأولاد من الفلسطينيين المسلحين تمركزوا في شمال مخيم شاتيلا وأطلقوا علينا النار، كما انهم استخدموا البازوكا، أحد رفاقي فقد ذراعه اليسرى، اضطررنا للتراجع لأنه لا مجال لإنهاء هذه العملية خلال ثلاث ساعات، مرة أخرى التقيت المستشارين الاسرائيليين الذين سبق والتقيتهم في اجتماعنا السري، أحدهم يستعمل جهاز (الووكي توكي). أعادنا إلى مدخل المخيم. دقائق معدودة بعد ذلك بدأت المدفعية الاسرائيلية بقصف شديد ومركز على المخيم المتمرد.
بعدها تقدمنا مجدداً إلى المخيم حيث حصلنا على مساعدة الاسرائيليين الذين أناروا المنطقة بالقنابل المضيئة لتحديد الصديق من العدو، مشاهد مروعة أخذت تظهر مدى مقدرة الفلسطينيين. بعض المسلحين اختبأوا خلف بعض الحمير في طريق ضيق شمال المخيم، ولسوء الحظ اضطررنا لاطلاق النار على هذه الحيوانات المسكينة كي نستطيع قتل الفلسطينيين المختبئين خلفها. لقد تأذت مشاعري عند سماع صراخ هذه الحيوانات الجريحة (...).
في الرابعة صباحاً عادت مجموعاتنا إلى الشاحنات، يبدو حتى الآن أنه لم تستعمل سوى شاحنة واحدة، توجهنا للحدث لأخذ قسط من الراحة، وعند الفجر عدنا للمخيم.
مررنا بجثث متناثرة وأخرى مُكومة بعضها مقتول بالرصاص والبعض الآخر مطعون بالحراب. كلهم شهود. ماذا نستطيع ان نفعل عدا ذلك لقتل المزيد. ذلك هيّن بعد ان تكون قد قمت بمثل هذا العمل سابقاً.
الآن أول جرافة (بلدوزر) اسرائيلية وصلت.
«أحرقوا الأرض، لا تتركوا أي شاهد حي، اعملوا كل شيء بسرعة» هكذا كانت أوامر قادتنا، لكني تساءلت هل نستطيع ان نقوم بكل هذا العمل بسرعة.
لا يزال هناك عدد كبير من الناس يتراكض كما كان هناك اطلاق الرصاص في جميع الاتجاهات، كان الناس يدافعون عن أنفسهم بالركض وقلب كل شيء في الطرقات، «حرث الأرض لم يعد ممكناً» لقد ثأرنا لضحايانا في الحرب الأهلية.
من ليلة الجمعة حتى السبت لاحظنا أن عمليتنا لم تعط النتائج المرجوة حيث آلاف الفلسطينيين استطاعوا الهرب ـ أي أن عدداً كبيراً من أعدائنا الفلسطينيين لا يزال حياً (...).

(السفير، 25/2/1983)