فتاة في الثالثة عشرة من عمرها، بقي اسمها ومكان اقامتها طي الكتمان حفاظا على سلامتها، وحدها نجت من بين أفراد عائلتها من مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا، وكانت شاهدة على قتل الأبرياء.
رأت القتلة. عاشت الموت، وشهدت موت أقاربها ورفيقاتها وجيرانها، روت لمراسل وكالة (ي.ب) ما عاشته في خيمة نصبت فوق أنقاض المخيم، في حضور ضابط من الجيش اللبناني يحقق في المجزرة، قالت:
«كان هناك خمسة منا: أمي، أبي، أخي، جدتي، وأنا، أنا الوحيدة التي بقيت على قيد الحياة.
الوقت متأخر بعد ظهر يوم الخميس، كنا في البيت، اتفقت مع رفيقة لي على الخروج من المنزل.
كان هناك شبه تلة، وكان هناك أناس ينزلون منها، ركضت مع رفيقتي إلى البيت وأخبرت أهلي والجيران أننا شاهدنا الكتائب.
ركض الجميع نحو المسلحين يحملون مناديل بيضاء ويقولون: نحن السلام، بدأ المسلحون بإطلاق النار على الرجل والامرأة وبدأ الأطفال بالصراخ. سارعت إلى الاختباء في الحمام. أطلقوا النار على جميع رفيقاتي على الأطفال والنساء، كل واحد كان معي. ثم رأيت المسلحين يتجهون نحو شاتيلا، ويطلقون النار على الناس، اعتقلوا النساء والأطفال ووضعوهم في صف أمام بيتنا، بعد ان قتلوا رجالهم وأولادهم الصبيان.
حاولت أن أطل برأسي لأرى إذا ما رحلوا، رأيت أحدهم أخذ يطلق النار عليّ. وطلب آخر من امرأة ان تدخل بيتنا، دخلت وقال: أخرجي يا (...) لا تخافي.
كنت قد بقيت في الحمام لمدة خمس أو ست ساعات، وكدت أن أختنق من الرائحة. خرجت مع هؤلاء الناس، وأخذ المسلحون يسلطون الضوء عليّ ليعرفوا إذا ما كنت فتاة أم صبياً.
طلب مني المسلح الجلوس وسألني: هل أنت فلسطينية؟
قلت. نعم.
قال صارخا: هل تريدين لبنان؟
قلت: لا أريد لبنان، إفسح لنا الطريق ونحن نرحل.
كان يصرخ دائما.
ابن عمي وعمره تسعة أشهر كان يبكي فأطلقوا النار عليه. وعلق أحدهم: «لم أعد أطيق صوته»، وأطلق النار على كتفه.
بدأت بالبكاء، وقلت له: انه الوحيد الباقي من عائلتي. أخذه وقطعه من فوق رجليه إلى نصفين.
أتى عمي فيصل ولم يكن يدري ما الذي يجري. أرادوا إطلاق النار عليه، فرجوتهم أن لا يفعلوا، «قتلتم كل أفراد عائلتي ألا تتركوا لي واحدا».
كان عمي شبه مجنون، يغني ويتحدث إلى نفسه، لم يطلقوا النار عليه.
بقينا طوال الليل وسط نار أشعلوها فوقنا. في الصباح أتت شاحنات كبيرة إلى المخيم لتجميع الجثث. أمروا عمي فيصل ان يساعد في جمع الجثث ويضعها في الشاحنة، رأى أمه ميتة، فبكى.
أخذوا الجثث إلى المدينة الرياضية ووضعوها في حفر، ثم أتوا وأخذوا الأحياء وطلبوا منا ان ننتظر في باحة المدينة الرياضية، وعدم المغادرة عندما يرحلون. حاولت أنا ورفيقاتي ان نهرب رأيت طفلة جارتنا (سنتان) ما زالت حية ومدفونة تحت امها. سحبتها من تحت الجثة وغطيتها بالحرام.
رأيت المسلحين عائدين، يطلقون النار على الباقين في الباحة، ركض بعض الناس ليختبئوا معي. طلبنا الحماية من الاسرائيليين. جهزوا لنا سيارة وأخذونا إلى منطقة الصنائع، أخذت الطفلة إلى الصيدلية، واكتشفت انها أصيبت في اصبعها ونقلوها إلى مستشفى الجامعة الأميركية. ثم سلمتها للصليب الأحمر، وأتت جدتها بعد أيام عدة وتسلمتها.
نمت عند الجامعة الأميركية. ورجعت مساء يوم الأحد مع بعض الناس إلى المخيم لنتفقد عائلاتنا، رأيت الجثث تغطي المكان، رجعت إلى بيتنا، رأيت عمي فيصل الذي ساعدهم مقتولا.
الآن أنا أعيش مع عمتي، لكن ليس في مخيم شاتيلا، ماذا عليّ أن أفعل؟ لم يعد لي عائلة، لا شيء، أريد أن أتابع دراستي، لكنني لا أستطيع بعد الآن، لا أستطيع العمل، لست متعلمة، المكان الذي ستذهب إليه عمتي سأكون فيه معها. لا مستقبل لي».

(السفير، 4/10/1982)