| 

الأربعاء 15 أيلول 1982
الساعة السابعة صباحا. كانت نشرة الأخبار الرئيسية في إذاعة صوت إسرائيل تتحدث عن دخول جيش الدفاع الإسرائيلي إلى بيروت الغربية، فاتصل بعض الوزراء بمكتب مناحيم بيغن للحصول على معلومات إضافية، وتحدثوا معه هاتفيا. والسؤال المطروح كان التالي: من الذي أصدر الأوامر إلى جيش الدفاع للدخول إلى بيروت، وبأي شكل؟
الساعة الثامنة، وصل وزير الدفاع إلى مركز قيادة متقدم، أقامه جيش الدفاع الإسرائيلي في بيروت. فأطلعه رئيس الأركان على الاتفاقات التي حصلت مع الكتائبيين. إنها تنص على تعبئة عامة، ومنع التجول ودخول الكتائب إلى مخيمات اللاجئين. فوافق شارون، ثم اتصل هاتفيا برئيس الوزراء من على سطح مركز القيادة، وأبلغه بعدم وجود مقاومة وأن كل شيء يسير كما كان متوقعاً.
الساعة الحادية عشرة. أعلن الناطق بلسان الجيش: «بعد اغتيال الرئيس بشير الجميل دخل جيش الدفاع الإسرائيلي إلى بيروت الغربية هذه الليلة من أجل إحلال النظام ومنع حصول اضطرابات خطيرة».
الساعة الحادية عشرة. التقى رئيس الوزراء مع المبعوث الأميركي موريس درايبر، الذي احتج بشدة على دخول جيش الدفاع الإسرائيلي إلى بيروت الغربية. فأبلغ بيغن درايبر أن هذه «العملية حصلت لاستباق بعض الأحداث».
ظهراً. وزير الدفاع يلتقي قادة الكتائب في بيت الكتائب المركزي في بيروت. قال شارون: «الوضع حرج، علينا اتخاذ قرارات. إننا معكم وسنقدم لكم كل مساندة ضرورية. يا لها من مأساة فقدان بشير!». زاهي بستاني، أحد زعماء الكتائب قال: «المهم أن تحتلوا كل بيروت». فأجابه الوزير: «سنفعل ذلك، لكننا سنحتاج لمساعدتكم. سنحتل بعض الجسور ومفارق الطرق، لكن على جيشكم هو أيضا أن يفعل ذلك. أبقوا على اتصال مع الجنرال دروري، وقرروا ما يجب فعله».
الساعة الرابعة عشرة. شارون يقدم تعازيه هاتفيا إلى عائلة الجميل، في بكفيا. وأجرى حديثا موجزا مع والد بشير، وشقيقه أمين. كما نقل إليهم تعازي رئيس الوزراء. وجرى التأكيد بأن كل شيء سيستمر كما كان أيام بشير.

الخميس 16 أيلول 1982
الساعة التاسعة. التقى السفير الأميركي موريس درايبر وزير الدفاع وطالب بسحب جيش الدفاع الإسرائيلي من بيروت الغربية. «إسرائيل وضعت الولايات المتحدة في وضع صعب جدا، لأن من الممكن اتهامنا بالتواطؤ معكم. يجب توفير الفرصة أمام الجيش اللبناني لتسوية القضية.
الساعة العاشرة. أصدر شارون، تحت ضغط سياسي من الولايات المتحدة، أوامره بوقف المعارك في بيروت الغربية. وبعد ذلك بقليل ألغى هذه الأوامر. واجتمع في مكتبه رئيس الأركان، ورئيس المخابرات وغيرهما. وقدم إيتان التقرير التالي: «المدينة بأكملها أصبحت بين أيدينا. الهدوء تام. والمخيمات معزولة ومحاصرة. سيدخل إليها الكتائبيون حوالى الساعة الحادية عشرة قبل الظهر».
الساعة الحادية عشرة. تقرر في بيت الكتائب المركزي في بيروت تقديم ترشيح أمين الجميل لرئاسة الجمهورية. والانتخابات ستجري قبل 23 أيلول، نهاية ولاية الرئيس سركيس. وسيحدد موعدها حوالى 21 أيلول. فبعث زعماء الكتائب برسالة إلى إسرائيل حول موضوع ترشيح أمين. ووعد اثنان منهما شخصية إسرائيلية بأن أمين سيتابع نهج شقيقه السياسي.
ظهراً: وصل القادة الكتائبيون إلى اجتماع ارتباط مع جيش الدفاع الإسرائيلي، قبل الدخول إلى مخيمي صبرا وشاتيلا. حسب الخطة فإن 150 جنديا سيدخلون إلى المخيمين.
الساعة الثامنة عشرة. دخلت قوة كتائبية إلى المخيمين.
الساعة التاسعة عشرة، التقط أحد ضباط القيادة في بيروت على جهازه محادثة بين ضابط كتائبي داخل المخيمين وبين إيلي حبيقة، قائد القوات الخاصة في الكتائب. الضابط الكتائبي يحتجز 50 امرأة وطفلا ويستفسر من حبيقة ماذا يجب أن يفعل بهم. فأجابه الآخر: «للمرة الأخيرة تطرح عليّ مثل هذا السؤال. إنك تعرف جيدا ما يجب أن تفعل». وانفجر الكتائبيون ضاحكين على شرفة مقر القيادة العامة الكتائبية. فأدرك الضابط الإسرائيلي أن هؤلاء النساء والأطفال سيقتلون فأبلغ قائد القوة مضمون الحديث.

الجمعة 17 أيلول 1982
الساعة الخامسة والنصف. تلقى رئيس مكتب أجهزة المخابرات تقريرا هاتفيا: «المعلومات الأولى الصادرة عن القيادة المحلية للقوات الكتائبية تتحدث عن تصفية زهاء 300 شخص في مخيم شاتيلا. هؤلاء الضحايا هم من الإرهابيين والمدنيين».
الساعة السادسة وخمس عشرة دقيقة. تلقى رئيس المخابرات العسكرية، ساغي، تقريرا واضحا يتحدث عن تصفية 300 شخص في مخيم شاتيلا. وطلب التحقيق بصحة هذا النبأ.
الساعة التاسعة. فادي افرام قائد «القوات اللبنانية» يبعث برسالة إلى إسرائيل، بعد حديث مع أمين الجميل، جاء فيها إن هذا الأخير وافق على عقد اتفاق سلام مع القدس كما كان يتمنى بشير.
الساعة الحادية عشرة وخمس دقائق. وزير البريد والاتصالات مردخاي تزيبوري، يتصل هاتفيا بوزير الخارجية إسحق شامير ليقول له إنه علم أن الكتائبيين «يرتكبون مجزرة» الآن في المخيمين. وطلب من شامير التحقق من النبأ.
الساعة الخامسة عشرة والنصف. رئيس الأركان يصل إلى مطار خلدة، بالقرب من بيروت. يستقبله قائد المنطقة الشمالية، وينتقلان إلى بيت الكتائب المركزي. دروري كان قد أطلعه على ما يعرفه عن أعمال الكتائبيين.
الساعة السادسة عشرة والنصف. عقد اجتماع في بيت الكتائب المركزي، أعرب خلاله رئيس الأركان عن ارتياحه لتصرف القوات اللبنانية على أرض المعركة. وقد قال إن بإمكان هذه القوات مواصلة عملية «التنظيف» في المخيمات التي جلا عنها الإرهابيون إلى جنوب الفاكهاني حتى الساعة الخامسة من صباح اليوم التالي، حيث يجب أن يتوقفوا بسبب الضغط الأميركي. وطلب زعماء الكتائب جرافات لهدم الأبنية غير المرخصة في المخيمين الفلسطينيين. فقبل إيتان بتقديم جرافة واحدة.
الساعة الثامنة عشرة. تلقى موظفو وزارة الخارجية الإسرائيلية في بيروت رسائل من مصدر المندوبين الأميركيين، تتحدث عن وجود الكتائبيين في المخيمات والنتائج الوخيمة لمثل هذا الوضع.
الساعة الواحدة والعشرون. خلال مكالمة هاتفية أبلغ رئيس الأركان وزير الدفاع بأن الكتائبيين «تخطوا ما هو مقبول» حيث أنهم قتلوا الكثير من المدنيين أكثر مما هو متوقع. وأضاف إيتان أنه طالب بإنهاء هذه العملية موجهاً الأوامر إلى الكتائبيين بوجوب مغادرة المخيمين قبل الساعة الخامسة صباحاً.

السبت 18 أيلول 1982 (عيد رأس السنة اليهودية)
الساعة الثامنة وخمس عشرة دقيقة. رئيس الوزراء يحضر صلاة الصباح في كنيس بالقرب من منزله. مناحيم بيغن لم يكن قد اطلع بعد على ما حصل في مخيمي اللاجئين في بيروت.

الأحد 19 أيلول 1982
الساعة الثامنة وخمس عشرة دقيقة. رئيس الوزراء يحضر صلاة الصباح ولدى وصوله إلى منزله، وجد نفسه أمام عدد كبير من المتظاهرين كانوا يصفونه «بالمجرم»! كما طالبوا باستقالة الحكومة وتشكيل لجنة رسمية لبحث أحداث مخيمي صبرا وشاتيلا.
الساعة الحادية عشرة. في كلمة أمام فريق من الإسرائيليين، وعد أمين الجميل بالمحافظة على علاقات متينة، وخاصة علاقات العمل، مع القدس. واحتج أمين على التقرير الذي أذاعته صوت إسرائيل محملاً الكتائب مسؤولية مجازر المخيمين قائلاً: «حتى لو كانوا هم الذين فعلوا هذا، فلماذا الإعلان عن ذلك؟ ولماذا لم يراقب جيش الدفاع الإسرائيلي عمل هذه القوات؟ وتخوف من حصول تسريب للأنباء عن مقابلاته مع الإسرائيليين، كما حصل بالنسبة لشقيقه بشير عندما التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي.
ظهراً. التقى رئيس الأركان وقائد المنطقة الشمالية في بيروت، نائب قائد القوات اللبنانية وأحد زعماء الكتائب، جوزف أبو خليل. حاول إيتان إقناع المسيحيين نشر بيان يوضحون فيه ما حصل في صبرا وشاتيلا. يمكنكم القول إن قواتكم اشتركت فعلاً في هذه العملية، لكننا لم نستطيع السيطرة على ما حصل»، ناصحاً الكتائبيين بالحديث عن المجازر التي ارتكبها الفلسطينيون ضد المسيحيين في الدامور.
أبو خليل: «إنكم تنتظرون منا في الواقع أن نتحمل كامل المسؤولية عن هذه القضية. ونظرا للوضع السياسي الراهن، فإن ذلك من المستحيل. فلا توجهوا اللوم لنا، بل قولوا لوسائل إعلامكم ما يتوجب عليها أن تقوله».
إيتان: لكن الجميع يعرفون أن الأمر يتعلق بالكتائب!
أبو خليل: أسكتوا وسائل إعلامكم بضعة أيام، كي نحصل على ما يكفي من الوقت.
إيتان: وسائل إعلامنا حرة وتستطيع قول ما تريد. والجميع يعرفون أن الكتائب هم الذين قاموا بذلك. أوضحوا فقط أنها ليست سياستكم وإنما ما حصل كان مجرد فورة غضب بعد اغتيال بشير.
أبو خليل: لا نستطيع أن نفعل ذلك.
إيتان: إذن ماذا ستفعلون؟
أبو خليل: سنواصل النفي.
تمسك الزعماء الكتائبيون بمواقفهم. «أنتم الذين ذكرتم اسم إيلي حبيقة، واصفينه بأنه هو الذي قاد القوات في المخيمين. وفضلاً عن ذلك فقد قال قائد القوات اللبنانية فادي فرام إن إيتان رئيس الأركان الإسرائيلي هنأ الكتائبيين «بالعمل الجيد» الذي قاموا به... سعى الكتائبيون أيضاً لاتهام قوات الرائد حداد في جنوب لبنان.
الساعة الواحدة والعشرون. دعي الوزراء إلى منزل مناحيم بيغن. موضوع المناقشات: مجازر المخيمين. أوضح شارون أن جيش الدفاع الإسرائيلي لم يدخل إلى المخيمين حفاظا على حياة الجنود الإسرائيليين. ولم يكن أحد يفكر أن الكتائبيين سيتصرفون على هذا النحو.
بلغت هذه الأزمة ذروتها عندما جرت تظاهرة في أكبر حديقة عامة في تل أبيب. مئات الألوف من المتظاهرين طالبوا بتشكيل لجنة تحقيق.
أريئيل شارون كان في ذلك الوقت وسط العاصفة. وخلال جلسة صاخبة للكنيست عقدت لمناقشة مجازر صبرا وشاتيلا، اتهم شارون زعماء المعارضة العمالية بأنهم تورطوا هم أيضا في مجزرة تل الزعتر، التي قتلت خلالها الميليشيات المسيحية فلسطينيين أثناء الحرب الأهلية عام 1976. وتلا شارون مقتطفات من وثائق كانت أجهزة المخابرات قد كشفت النقاب عنها في منتصف آب 1976، عن أحداث تل الزعتر، ورد فيها إن صحافيين استطاعا الدخول إلى المخيم، تحدثا عن مشاهدة جثث زهاء 60 طفلاً وامرأة وشيخا مبقوري البطون. كما قال الصليب الأحمر أن 3 آلاف قد قتلوا في تل الزعتر. والتفت شارون نحو زعيم حزب العمل، شمعون بيريز، وقال: «إننا لا نقوم الآن بمجرد التفتيش عن المحفوظات، بل في علاقاتنا خلال هذه السنوات الأخيرة مع الكتائب. لقد كنتم أنتم أول من اتصل بهم، ونحن تابعنا ذلك. إننا نخضع، أنت وأنا لنفس المبادئ الأخلاقية نفسها، وهذا ما أردت أن أثبته بهذه الوثائق التي يعود تاريخها إلى عهد ولايتكم. فقد ساعدتم المسيحيين حتى بعد قيامهم بهذه المجزرة. هذه هي العلاقة التي تربط بين تل الزعتر من جهة وبين صبرا وشاتيلا من الجهة الأخرى».

راجع: شمعون شيفر، «عملية كرة الثلج»، بيروت: دار المروج، 1985.