| 

في الثالثة والنصف من صباح الأربعاء الواقع فيه 15 أيلول 1982 اجتمع أهم مساعدي أمين الجميل العسكريين إلى الجنرال رافايل ايتان، قائد الأركان الإسرائيلي، والجنرال أمير دروري قائد المنطقة الشمالية، المسؤول الرسمي لعملية لبنان. الإسرائيليون يستعدون لاجتياح بيروت الغربية، خلافا لجميع الوعود التي قطعوها للولايات المتحدة وللبنان، ومنظمة التحرير الفلسطينية في أثناء رحيل أكثر من عشرة آلاف فدائي فلسطيني قبل أسبوعين تقريبا. خلق موت بشير احتمالات لأخطاء قد تطيح بتضحيات ومكتسبات إسرائيل لغاية الآن. لو بقي الجميل حياً لاعتمد الإسرائيليون عليه لتنظيف بيروت الغربية من الميليشيات اليسارية المسلمة ومن ألفي مقاتل تركتهم منظمة التحرير بحسب ما استنتجوا من تنصت الكتروني خاطئ. لذلك تقرر غزو بيروت الغربية التي طالما تردد الإسرائيليون أمامها.
إلا أن الإسرائيليين، ولأسباب سياسية، أبوا الدخول إلى مخيمات اللاجئين لإخراج المقاتلين الفلسطينيين منها لأن هناك طريقة أخرى كما تصور شارون. وهذا الأخير لم يخف رغبته في الدخول إلى بيروت الغربية، وقد دفع قواته حتى باتت على خطوتين من المخيمات. وبسبب النجاح الذي أحرزته منظمة التحرير أثناء حصارها في بيروت في كسب الرأي العام العالمي إلى جانبها، صمم شارون على تدمير مخيمات اللاجئين وأسطورة منظمة التحرير، وعلى استخدام المسيحيين في سبيل ذلك. في الواقع يمكن أن نتساءل، إذا كان شارون يظن حقاً أن المخيمات تؤوي ألفي مسلح فلسطيني، فلماذا لم يجهز إلا مئتين من رجاله لهذه العملية؟ لإسرائيل مجموعاتها الخاصة داخل القوات اللبنانية، وبدءا من فادي افرام، شعرت هذه القوات بارتباك تام بعد مقتل بشير الجميل، لذا كانت على استعداد للإصغاء للإسرائيليين، عندما أكد لها هؤلاء أن فلسطينيي المخيمات هم وراء العملية وعليهم بالتالي دفع الثمن. ولمزيد من الضغط على أصدقائهم القوات اللبنانية، ادعى الإسرائيليون أن رجال سعد حداد على استعداد لدخول المخيمات وحدهم، كما روى ذلك أحد القادة الكتائبيين في ما بعد. في هذا اللقاء، في ساعات الصباح الأولى من نهار الأربعاء، كما اعترف شارون بعد أسبوع أمام برلمان بلاده. وبعد لقاء جديد مع فادي افرام وإيلي حبيقة، مسؤول المخابرات وآخرين اتصل دروري بشارون قائلاً:
«إن أصدقاءنا سيدخلون المخيمات. لقد أمرتهم بالدخول مع مسؤوليهم. فأجاب شارون: تهانينا. إن عملية أصدقائنا مسموح بها.
تتقاطع في هذه العملية أهداف إسرائيل والقوات اللبنانية. وكما أشارت مجلة الجيش الإسرائيلي الشهرية سكيراه حودشيت ان القوات اللبنانية أرادت حصول «نزوح فلسطيني جماعي، أولا خارج بيروت، ثم خارج لبنان». وتضيف المجلة: طيلة ثمان وثلاثين ساعة متواصلة، من دون انقطاع، ذبحوا بكل أعصاب باردة الرجال والنساء والأطفال حتى الخيول والكلاب والقطط. وبالرغم من معرفة الجنود الإسرائيليين وقادتهم المحيطين بالمخيمات، بما يجري في الداخل، فإنهم لم يفعلوا شيئا لوضع حد له. أحد الضباط الإسرائيليين الذين شاهدوا قتل الفلسطينيين العزل، سمع من قائد كتيبته الجواب التالي: «أجل، هذا لا يعجبنا البتة، ولكن لا تتدخل». جميع الضحايا تقريبا كانوا مدنيين وبلا سلاح.
استخدم أفراد القوات اللبنانية في وحشيتهم القنابل اليدوية والسكاكين والفؤوس والمسدسات والبنادق، والمدفعية. قطعوا في بعض الأحيان أثداء النساء، وحفروا صلبانا في الأجساد، بقروا بطون الحوامل، حتى الأطفال قطعوهم إربا. وجدت أطراف طفل مقطعة وموضوعة حول رأسه. لغّموا العديد من الجثث، حتى بات من الصعوبة والخطورة مسها أو دفنها. قبل أن تتوقف اللجان المختصة عن إحصاء الجثث قدرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عدد الضحايا بنحو 313 ضحية. الدفاع المدني أضاف ثلاثا وأربعين ضحية جديدة، ثم مئة وستا وأربعين أخرى تعرفت عليها عائلاتها. هذا عدا المقابر الجماعية التي لم تنبش. بعد أشهر من المأساة، كان كثير من الفلسطينيين يؤكد أن عدد الضحايا والمفقودين حوالى ثلاثة آلاف شخص. البعض الآخر يحصي 999 من سكان المخيم لم يعثر عليهم، لأن استعمال الجرافات لإخفاء الأدلة يبين مدى بربرية الهجوم، والخوف من اكتشاف آثار الجريمة.
بعد أشهر، روى لي أحد القتلة بطريقة مثيرة، كيفية مشاركته في المجزرة، فقرأ يومياته بصوت عال: «أطلقنا عليهم النار أمام الجدران، ذبحناهم في عتمة الليل». كم من الفلسطينيين قضى نحبه في هذا الهجوم؟ أجاب مسؤوله الذي يستمع إلينا: «ستعرف ذلك يوماً ما، إذا حفروا نفقاً للمترو في بيروت». ملمحا إلى أن عدد الضحايا أكبر بكثير مما أعلنته الأرقام الرسمية.
نفت قيادة القوات اللبنانية اشتراكها في الأمر. وقد ادعت أنها قامت بتحقيق خاص، قدمت تفاصيله إلى أسعد جرمانوس المدعي العام العسكري المكلف بالتحقيق في المجزرة (سجل هذا الأخير رقما قياسيا في عدم الكفاءة لعجزه عن محاكمة أي واحد من الذين تسببوا بعشرات الآلاف من الجرائم العنيفة منذ عام 1975... وفي أي حال حتى قبل بداية التحقيق، أعلن جرمانوس أن قضية المجزرة «كذب ومبالغة، فليس هناك إلا مئتي قتيل»).

أنظر: جوناثان راندل، «حرب الألف سنة حتى آخر مسيحي»، 1984.