- ما قصة صبرا وشاتيلا وما علاقتك بها؟
عرفت بقصة صبرا وشاتيلا من أمين الجميل شخصياً. أراد أمين الاطلاع على مسار التحقيق في اغتيال بشير فزرته في بكفيا في البيت. كان لديه اجتماع مع «المبعوث الأميركي» بوريس درايبر فدخلنا غرفة الطعام للتحدث. قال أمين ان الرئيس صائب سلام اتصل به وقال له ان أحداثاً تجري في بيروت وان مجازر تحصل وان مسلحين يشاركون فيها. وأضاف أمين: ستخربون بيتي وسيفوز كميل شمعون بالرئاسة. وتابع نقلاً عن سلام، ألم ننته بعد؟ خلصنا من المشاكل القديمة. انكم لا تتركون للصلح مكاناً. فقلت لأمين: لماذا تبلغني هذا الكلام؟ أنت تعرف انني لست مسؤولاً ولا صاحب سلطة إصدار الأوامر.
أنا لم أكن على علم بما يجري فقد كان هاجسي ان أكشف اغتيال بشير، خصوصاً بعدما نمي إليّ ان أمين بدأ يتساءل ويروّج أمام أوساطه عن مسؤولية جهاز الأمن والمعلومات، قائلاً: «من يعرف بتحركات بشير غيرهم ومن يستطيع الوصول إليه»؟ وبيني وبين أمين علاقة خالية من الود أصلاً.
بعدها بدا الحديث ان ايلي حبيقة كان في صبرا وشاتيلا وأدار العملية العسكرية وان هناك من التقط صوراً لي هناك. في الحرب اعتدنا على اتهامات من هذا النوع وتعاملت في حينها مع الاتهام الجديد بعدم اكتراث كما كنا نتعامل مع الاتهامات السابقة. صبرا وشاتيلا صارت بعد ذلك موضوعاً كبيراً أكبر من شائعات، موضوعاً يهتم الإنسان بتوضيح الحقائق في شأنه، خصوصاً ان الإسرائيليين اتهموني مباشرة بالعملية. وعندما راجت الأخبار كنت لا أزال مسؤول المعلومات في القوات وفكرت في ما يجب ان أفعله، هل أعلن أمام الصحف انني لم أشارك وأنا محاط بالعداء من الإسرائيليين والجو الداخلي كما وصفت بعد اغتيال بشير، فآثرت حينها عدم الكلام، لأن طريقة التصرف كانت محدودة جداً.
- هل تجزم بأن عناصر الجهاز التابع لك لم يشاركوا؟
نعم لم يشاركوا.
- من نفذ صبرا وشاتيلا؟
يجب ان ترجع بضعة أشهر إلى الوراء. بعد بدء الاجتياح طلب الإسرائيليون من بشير ان يتسبب في احداث شرارة (SPARKLE) تسمح لهم، للمرة الأولى، بالدخول إلى عاصمة عربية. قالوا له يومذاك اننا في كل الحروب التي خضناها لم يدخل جيشنا عاصمة عربية، ولدينا محاذير حيال دخول من هذا النوع لأنه يمكن ان يثير ردود فعل أميركية. طلبوا من بشير خلق الشرارة، فلم يكن راغباً ولا متحمساً ولم يكن يريد ان يدخل الإسرائيليون بيروت الغربية. وعندما ألح الإسرائيليون جمع بشير قيادة «القوات» وسأل ما هو الشيء الذي نستطيع ان نفعله بأقل قدر ممكن من التورط ويعفينا من الضغط الإسرائيلي، فطرحت أفكار عدة ونوقشت وفي النهاية قال لماذا لا نسترجع كلية العلوم في الجامعة اللبنانية في منطقة الحديث، فسأله أحد الحاضرين: وإذا لم يقبل الإسرائيليون؟ أجاب: عندها سأقول لهم لا نستطيع ان نفعل أكثر من ذلك. صدرت الأوامر وتوجهت مجموعات عسكرية من «القوات» واسترجعت كلية العلوم. أبلغ بشير الإسرائيليين فقالوا هذا غير كاف. قال: أنا أريد أن أكون رئيساً للجمهورية وإذا ذهبت أبعد فلن أجد نائباً مسلماً ينتخبني وتوقفت العملية عند هذا الحد.
بعد اغتيال بشير كانت فكرة دخول بيروت لا تزال موجودة لدى الإسرائيليين. جاء وفد إسرائيلي والتقى قيادة «القوات» ولم أحضر أنا الاجتماع لأنني كنت أحقق مع حبيب الشرتوني (منفذ عملية اغتيال بشير). لن أدخل هنا في الأسماء. ضم الوفد الإسرائيلي أريئيل شارون (وزير الدفاع) ورفائيل ايتان (رئيس الأركان) ومجموعة. قال الوفد الإسرائيلي ان الوقت حان للتسبب في «الشرارة» التي تبرر دخولنا بيروت. اجتمع الوفد مع الشيخ بيار الجميل وقال له ان ثمة مخططاً سابقاً اتفق عليه مع بشير لم يطلعوه على التفاصيل، وكان بيار الجميل ضائعاً بسبب مقتل نجله، فاكتفى بالرد عليهم ان التزامات بشير قائمة. وهكذا كان ولم يعرف بيار الجميل إلى أين ستؤدي القضية إذ انهم لم يطلعوه على التفاصيل.
أعتقد أن خدعة أساسية حصلت هنا. أخذت مجموعات من «القوات» ووضعت في المطار ولم يتحدثوا معهم عن موضوع المخيمات، بل عن دخول بيروت، وعرفنا ان الإسرائيليين استقدموا وحدات من العناصر التابعة لسعد حداد. وتبيّن لاحقاً ان الإسرائيليين أرادوا للعملية ان تأخذ طابعاً قواتياً وتصوير القوات في الظاهر على انها من المشاركين. في حين ان القوات لم تكن يومها قادرة على رد أي اتهام، فالمعارك تدور في أكثر من اتجاه والعلاقة مع الإسرائيليين قائمة ولا يمكن معرفة نتائج أي موقف تتخذه القوات أو أي قطيعة مع الإسرائيليين. فهناك جبهة خارجية وأخرى مع أمين، وفتح جبهة ثالثة هي رد الاتهام الإسرائيلي لا يمكن معرفة مدى انعكاساتها. فآثرت المحافظة على موقعها وتحصين ذاتها من دون فتح جبهات إضافية غير مضمونة النتائج.


* غسان شربل في حوار مع حبيقة، مجلة «الوسط»، 22/9/1997