«كوبرا» هو الاسم الحركي لروبير حاتم الذي كان مرافقاً لإيلي حبيقة طوال سنين عدة، ومطلعاً على أسرار كثيرة. وقد أصدر روبير حاتم في سنة 1999 كتاباً بعنوان «من إسرائيل إلى دمشق» فضح فيه سلوك الميليشيات اليمينية في أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، ولا سيما تلك النزعة الهمجية التي كانت تتسربل بها هذه الميليشيات، والتي تجسّدت في ارتكابها المجازر المتنقلة من السبت الأسود إلى تل الزعتر وإهدن والصفرا وصبرا وشاتيلا وغيرها. وفي هذا الكتاب المروِّع يتحدث روبير حاتم عن هذه النزعة، وها نحن نختار منه بعض المقتطفات.

تل الزعتر وشاتيلا
«أمرنا بشير (الجميل) ألا نوفر روحاً بشرية ولا ممتلكات، وأن ندخل المخيم وننظفه من السطح إلى القعر».

صبرا وشاتيلا
صباح الأربعاء في 15 أيلول 1982 اجتمعت قيادة القوات اللبنانية في منزل بيار الجميل في بكفيا الذي كان يضجّ بهتافات تريد أن ترشح أمين «شقيق بشير» إلى الرئاسة. فيما جميع القيادات الروحية اللبنانية والسياسية والعسكرية وقادة مدنيين ووزير الدفاع شارون وقائد «الموساد» قد مروا لتقديم التعازي. هناك وضع مخطط اجتياح بيروت الغربية، ونفذ بعد 12 ساعة.
بعد ظهر الأربعاء في 15 أيلول اجتماع القادة العسكريين والأمنيين للقوات اللبنانية إلى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال رافاييل ايتان والميجر جنرال أمير دروري قائد العملية العسكرية في لبنان.
علمت لاحقاً من حبيقة بأنه يوجد ألفا فلسطيني «إرهابي» ما زالوا مختبئين في صبرا وشاتيلا. وأعلمني حبيقة أنه مسؤول عن عملية تصفيتهم، وأن القوات الإسرائيلية سيطرت على غرب بيروت ويتوقعون منا الإشراف على عملية التصفية. كان علينا جمعُ المقاتلين وتسليمهم إلى القوات الإسرائيلية في ملعب المدينة الرياضية.
كان لدى حبيقة 24 ساعة لتحضير مجموعته العسكرية المؤلفة من 200 رجل اختيروا من وحدات عدة تحت قيادة جوزيف أسمر، ميشال زوين، جورج ملكو، مارون مشعلاني.
في منتصف بدء الخميس 16 أيلول 1982 بدأ «الشباب» التقدم على طريق مطار بيروت. في الرابعة والنصف بعد الظهر اجتازت القوات اللبنانية الخطوط الإسرائيلية المحاصرة للمخيم.
كان رجال مارون مشعلاني الموصوفون بإدمانهم الهيرويين والكوكايين والذين ارتكبوا أوحش المذابح والمجازر في المخيم المجاور لمستشفى غزة، عند مدخل صبرا فقتلوا أطباء وممرضات أجنبيات ببرودة أعصاب.
في السابعة والنصف من يوم 16 أيلول 1982، وصلنا، حبيقة وأنا إلى مقر قيادة الجنرال شارون وصعدنا إلى شرفة المبنى الملاصق للسفارة الكويتية ومن هناك كنا نراقب المخيم، إلى جانب الضباط الإسرائيليين، وكان معنا أسعد شفتري، ميشال زوين، ايلي حبيقة وأنا.
الضباط الإسرائيليون كانوا يلومون حبيقة لإصداره الأوامر بذبح المدنيين الفلسطينيين. ردّ حبيقة ببرودة أنه بسبب الظلام لم يستطع أن يميّز من كانوا هناك. الجنرال شارون لبدانته لم يستطع ان يصعد إلى الطابق الخامس في المبنى. فانتظر في الطابق الثاني ليرى حبيقة وليهتمّ بأمره شخصياً. ولحظة رؤيته صاح في وجهه قائلاً: لم يكن من المفترض أن تفعل هذا. لم أطلب منك أن ترتكب مجزرة، لو أردت لفعلت ذلك في دباباتي. سوف أدفع ثمن ذلك غالياً. عدنا أنا وحبيقة إلى الشرفة. حبيقة تلقى رسالة على جهاز اللاسلكي من رجل يدعى بول يقول فيها: «يوجد نساء وأطفال ماذا سوف نفعل»، أجاب حبيقة «هاي مشكلتك ما ترجع تتلفنلي يا خـ...».
ركضنا حبيقة وزوين وشفتري وأنا إلى الطابق الثاني. رسم ضابط إسرائيلي خريطة للموقع بقطعة من الطبشور على الأرض، مشيراً إلى المكان الذي ارتكبت فيه المجزرة وهناك تأكد بأن وحدة مارون مشعلاني التي تولت مدخل مخيم صبرا هي التي ارتكبت المجزرة.
عاد حبيقة ليخبر الجنرال شارون بمجريات الأحداث. الجنرال شارون أمر رجاله بإطلاق القنابل المضيئة ليوقف التخبط، لكن الأوان قد فات والضرر قد وقع. جميع الضحايا كانوا مدنيين قتلوا بالقنابل والرشاشات والبنادق والسكاكين وبعض الجثث كانت مشوهة.
نحو السادسة صباحاً وصل قادة القوات اللبنانية لتفقد المذبحة. فادي افرام وفؤاد أبي ناضر وستيف نقور وايلي حبيقة وأنا توقعنا النتيجة، حبيقة أعلم نقور المسؤول عن الفرق اللوجستية بإرسال جرافات لتمسح المخيم كي لا يبقى أثر مما حصل.
الضباط الإسرائيليون منعوا القوات اللبنانية وضباطهم من الدخول إلى المخيم. في التاسعة صباحاً اشتباكات عشوائية دارت بين رجال مارون مشعلاني ومسلمين شيعة من عائلة المقداد. أتوا للاستعلام عن أقاربهم داخل المخيم.