| 

لا تشي الجغرافيا بما يغري البصر أو متعة التأمل؛ مجرد باب وادٍ يجمع جبلين (عيبال وجرزيم)، مكان بائس لا يستوقف الزائر كما يفعل التاريخ، ثراء الماضي يغرق المكان. الحكاية نجدها في بئر؛ بئر يعقوب! من هذه البئر، قبل نحو ألفي سنة، سقت سامرية سيدنا المسيح في رحلة عودته من نهر الأردن، البئر تجاور إحدى أقدم مدن الكنعانيين (شكيم) وأعرقها. هنا يقيم السامريون منذ 3650 عاما على الجبل الذي تقدسه التوراة بحسب قولهم (جبل جرزيم)، وهنا أيضا مقام يوسف الذي أصبح أحد عناوين صراع الحاضر على الماضي والمستقبل. وربما يفسر تأمل بعض صفحات الماضي والحاضر شيئا من تعقيدات وغرائبية المشهد، قدسية المكان وانتهاكه، فكرة الدين، الإيمان والرحمة ونقيضهما، كأن المكان منذور للدم والصراع.
اسم «بئر يعقوب» ارتبط برحلة السيد المسيح ومروره بهذا المكان ولقائه المرأة السامرية التي طلب منها الماء ليشرب ولم يكن معه دلو، حيث رفضت بداية لأنها اعتقدت أنه يهودي قبل أن تستنتج نبوته وتسقيه الماء.
يضم الموقع بقايا كنيسة بيزنطية تعود الى القرن الرابع الميلادي، كانت الملكة هيلانة، والدة الإمبراطور قسطنطين قامت ببنائها، السامريون دمروا تلك الكنيسة في أثناء ثورتهم ضد الإمبراطورية البيزنطية عام 529 وقتلوا مطرانها والرهبان فأعاد الإمبراطور جستنيان بناءها مجددا.
حين احتل الصليبيون فلسطين عام 1099 كانت الكنيسة مهدمة فأعادوا بناءها في بداية القرن الثاني عشر ميلادي، لكنها دمرت بعد هزيمتهم في معركة حطين عام 1187، فأعاد اليونان الأرثوذكس بناءها عام 1860، لكنها دمرت بسبب الزلزال الذي ضرب فلسطين عام 1927، وأُعيد مرة أخرى بناؤها وترميمها لتبقى أحد شواهد إرث روحي وتاريخي أثقلته الصراعات والأساطير التي لم تتوقف عن الفعل.
«الفدائي» يستبق الموت ببناء قبره
اليوم، عند مدخل كنيسة بئر يعقوب، في الزاوية اليمنى، بنى راعي الكنيسة، الأب «يوستينيوس» قبراً لنفسه. وجاء القبرُ على شكل تابوت حجري وُضعَ تحت لوحة فسيفساء تُظهرُ صاحب القبر بزيه الكنسي.
«منذ 51 عاماً وأنا في فلسطين، جئت من جزيرة كركرة ( قورفو) اليونانية عام 1960، وقد خدمت في كنائس وأديرة عدة، لكن معظم خدمتي كانت هنا في بئر يعقوب، منذ 31 عاما أخدم في بئر يعقوب، ما زلت وسأبقى هنا حتى أموت». هكذا قال الأب يوستينيوس البالغ 71 عاما.
ليس شائعا بين الخوارنة والرهبان أن يستبقوا موتهم بقبور يبنونها بأنفسهم كما فعل راعي كنيسة دير بئر يعقوب الموجودة في نابلس بالضفة المحتلة. ما تعرض له الدير والأب «يوستينيوس» خلال سنوات خدمته قد يفسر ذلك.
الفلسطينيون من سكان نابلس (مسلمون ومسيحيون) يصفون الأب «يوستينيوس» (اليوناني الجنسية) بـ «الفدائي» الذي نجح في حماية الدير والكنيسة من هجمات المستوطنين اليهود واعتداءاتهم التي لم تتوقف للاستيلاء على المكان وتهويده!

36 طعنة وضربة فأس!
الأب «فيلمنوس كسابس» يوناني آخر رعى الكنيسة نفسها قبل أن يتسلمها الأب «يوستينيوس». في التاسع والعشرين من تشرين الثاني 1979 قتل مستوطنون الأب «فيلمنوس كسابس» بينما كان يؤدي الصلاة داخل كنيسة بئر يعقوب بـ 36 طعنة وضربة فأس، وأصابوا راهبة بعد أن هاجموا الدير والكنيسة بالقنابل والأدوات الحادة.
جريمة قتل الخوري اليوناني في كنيسة دير يعقوب انتهت بالتبرير الاسرائيلي المعروف: «القاتل مجنون». هذا ما يقوله الأب «يوستينيوس» الذي كان هو الآخر هدفا لنحو 15 اعتداء من المستوطنين، بينها أكثر من اعتداء بالسكاكين! ويضيف الأب «يوستينيوس»: بشأن متابعة الكنيسة سلسلة الاعتداءات التي تعرضت لها، خاصة مقتل الأب فيلمنوس، «هناك ست محاكم عسكرية إسرائيلية لكن من دون نتيجة. لقد انتهت محاكمة قاتل فيلمنوس بالقول إن القاتل مجنون»!
الأب «فيليمنوس» دفن في مدينة القدس، لكن رفاته أعيدت قبل نحو عامين إلى دير بئر يعقوب، ودفن هناك حيث كان خدم وقتل.

حكايات التاريخ صراعات الحاضر
حكاية التاريخ بما تحمله من حقائق وأساطير لا تزال تحرك الحاضر وتمنحه بعضا من ملامحه، وتكاد أحيانا تحدد مساره. إن مقتل الأب اليوناني «فيليمنوس» داخل كنيسة دير يعقوب تم على أيدي متدينين يهود في وضح النهار. القتلة هاجموا الكنيسة انطلاقا من مقام يوسف الملاصق لبئر يعقوب، وهكذا فعلوا في اعتداءاتهم المختلفة السابقة واللاحقة التي استهدفت الكنيسة.
المتدينون اليهود يقدسون المقام الذي انطلقوا منه لمهاجمة الكنيسة، ويدعون أن رفات سيدنا يوسف نقلت من مصر إلى هذا المكان في نابلس ودفن فيه.
ما يراه المتدينون اليهود مقاما للنبي يوسف يقول الفلسطينيون إنه مجرد مقام لأحد الأولياء الصالحين أقيم عند ضريحه مسجد ظل سكان المنطقة من المسلمين يصلون فيه حتى بعد احتلال الضفة الغربية عام 1967 حين بدأت الأحداث تتخذ منحى آخر انتهى بسيطرة إسرائيلية كاملة على المقام، الأمر الذي وجد ترجمته حتى في الاتفاقات الموقعة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
مدير المواقع التاريخية في وزارة السياحة والآثار الفلسطينية ضرغام فارس يشير إلى أن نابلس (حيث تقع وتتجاور كنيسة بئر يعقوب، ومقام يوسف، ومدينة شكيم) تضم ما مجموعه 266 موقعاً أثرياً رئيسا وما مجموعه 1015 مَعلماً، بعضها مرتبط تاريخيا ببعض الرسل والأنبياء، وقسم منها مدرج في القائمة التمهيدية للتراث العالمي، ومن بينها تل بلاطة أو مدينة «شكيم» الكنعانية. ويوضح فارس أن أهمية مدينة «شكيم» تأتي من كون المكان شهد أقدم استيطان في منطقة نابلس (حوالى 4000 سنة قبل الميلاد)، فضلا عن أنه يقدم نموذجا للمدينة الكنعانية المحصنة التي بلغت ذروة قوتها خلال العصر البرونزي الوسيط 1550-1900 ق. م.
مدينة «شكيم» ذكرت مرارا في الروايات التوراتية، وقد ورد في هذه الروايات أن يعقوب أقام بجوارها وحفر البئر المعروفة باسمه، كما شهدت اتحاد بعض القبائل العبرانية، وأن جثمان يوسف بن يعقوب نقل من مصر ودفن بالقرب منها، إلى جانب مرور السيد المسيح بالمكان وروايته مع السامرية عند بئر يعقوب.
وتشير الروايات إلى حكاية مهاجمة أبناء يعقوب مدينة «شكيم» وقتل رجالها ونهبها في اثر حادثة اغتصاب ابن حاكم المنطقة (حمور)، أختهم دينة، مستخدمين حيلة الطهور (الختان) لجميع رجال «شكيم» كشرط لإتمام زواج أختهم «دينة» والاندماج بأهالي «شكيم» والسماح لهم بالزواج من بناتهم، وبعد موافقة أهالي «شكيم» هاجمهم أبناء يعقوب وهم يعانون آلام الختان وقتلوهم ونهبوا المدينة وفروا من المكان خوفا من انتقام الكنعانيين.

وللسامريين حكاية
مدير المتحف السامري في نابلس الكاهن حسني السامري، يشير إلى أن سيدنا يعقوب كان وصل هذه المنطقة واشترى أرضا حفر فيها البئر ووهبها لسيدنا يوسف من دون باقي إخوته الاثني عشر (الأسباط الاثني عشر)، وحين توفي سيدنا يوسف في مصر أوصى بأن يدفن في هذا المكان بنابلس، وهكذا تم نقل عظامه (رفاته) وأعيد دفنه هنا (حيث أصبح مقام يوسف).
ويوضح أن قدسية المكان للمسيحيين انطلقت من قصة سيدنا المسيح مع المرأة السامرية، حيث تحول المكان إلى مزار للمسيحيين الذين بنوا كنيسة فوق البئر، لافتا إلى أن «كل شيء يتعلق بسيدنا يعقوب، وهو مقدس لدى السامريين فاسمه يعني بني إسرائيل، والسامريون هم السلالة الحقيقية لبني إسرائيل».
وتقدس الطائفة السامرية التي تؤمن بالتوراة وتقول إنها السلالة الحقيقية لبني إسرائيل جبل جرزيم وليس مدينة القدس كما يفعل اليهود، حيث يقول الكاهن حسني: نقدس جرزيم لأنه المكان الذي اختاره رب العالمين وليس القدس المكان الذي سيختاره رب العالمين كما جاء في التوارة التي ورد فيها «وجعلت البركة على جبل جرزيم». ويضيف: السامريون هنا لم يغادروا منذ 3650 سنة وهم السلالة الحقيقية لبني إسرائيل، موضحا أن اسم المدينة الكنعانية (شكيم) يعني الكتف، وقد جاء من المكان الذي أقيمت فيه على كتف جبل جرزيم، أما جرزيم فتعني المكان الذي يجب أن تقدم عليه القرابين.
هنا لا تزال مدينة الكنعانيين قائمة على كتف جبل يقدسه السامريون، وبجوارها يحرس مطران يوناني ماء بئر شرب منها السيد المسيح من دون أن يعبأَ بهجمات المتدينين اليهود التي انطلقت من مقام نبي آخر يلاصقه.

تاريخ الحكاية
ـ ورد اسم مدينة «شكيم» في نقوش مدفن خو - سبيك أحد موظفي فراعنة الأسرة الثانية عشرة وقائد الجيش في عهد سنوسرت الثالث، كما ذكر في مراسلات تل العمارنة في القرن الرابع عشر قبل الميلاد.
ـ تقع كنيسة بئر يعقوب في نابلس بجوار الطريق التي سلكها المسيح، وقد أقيمت فوق البئر التي حفرها يعقوب قبل نحو 4 آلاف عام، وقد شرب المسيح منها في أثناء مروره بتلك المنطقة.
ـ تبعد بئر يعقوب وهي عبارة عن كنيسة داخل دير للمسيحيين الأرثوذكس اليوم نحو 350 مترا عن نبع بلاطة، وتقع بملاصقة مقام يقول اليهود إن رفات يوسف نقلت من مصر، كما تقع بجوار مدينة «شكيم» الكنعانية.
ـ يقدر قطر بئر يعقوب بنحو 7 أقدام وعمقها نحو 35 مترا، وفيها مياه عذبة على مدار السنة، وقد شيدت الملكة هيلانة، أم قسطنطين، في القرن الرابع، كنيسة فخمة فوق البئر التي حفرها سيدنا يعقوب بجوار مدينة «شكيم» قبل نحو 4 آلاف عام.
السامريون طائفة دينية صغيرة جدا، تنتسب إلى بني إسرائيل، لكنها تختلف عن اليهودية، وهم يعتبرون أن توراتهم هي الأصح وهي النسخة الأصلية. ويتوزع أفراد هذه الطائفة البالغ عددهم نحو 780 شخصا على مدينة نابلس، حيث يقع جبل جرزيم الذي يعتبر أقدس مكان لديهم وإليه يتجهون عند صلاتهم، وعلى مدينة حولون الواقعة قرب «تل أبيب»، ولا يزال أفرادها يتحدثون العبرية القديمة ويحتفظون بنسخة من التوراة يقولون إنها الأقدم، ويصفون أنفسهم بأنهم من حافظ على التوراة، وكلمة سامري تعني «المحافظ».

غازي بني عودة باحث وصحافي ـ رام الله.