| 


الروم الأرثوذكس
مثلت طائفة الروم الأرثوذكس أغلبية نصارى القدس في القرن التاسع عشر وكانت الأكثر نفوذاً بوصفها: ممثلة لعشرة ملايين من رعايا السلطان الأرثوذكس، ولحماية روسيا لها. وتألفت هذه الطائفة، إلى حد كبير من العرب ومن الرهبان اليونانيين الذين سيطروا عليها، ومن أتباع الكنيسة الأرثوذكسية الذين جاءوا من مختلف المناطق كاستانبول، وبروسيا، وقبرص.
سيطرت الطائفة على أغلب الأماكن المقدسة في القدس وجوارها بدعم من الدولة العثمانية، وتقدمت على الطوائف الأخرى في إجراء المراسيم الدينية أوقات الحج والأعياد. كانت أعلى سلطة دينية للكنيسة الأرثوذكسية البطريرك الذي ينتخب من قبل أعضاء الطائفة، ويصادق على تعيينه السلطان، بإصدار البراءة السلطانية. ويقيم البطريرك بالأستانة ويدافع عن حقوقهم، ويحرص على إصدار الفرمانات لمصلحتهم من قبل السلطان، ويدير شؤون الكنيسة في القدس من خلال وكلاء عنه من الرهبان.
وبعد عام 1845 أصبح البطريرك يقيم في القدس، وكان سوء الأوضاع الاقتصادية سبباً رئيساً في انتقال البطريرك من القسطنطينية ليقيم في القدس، كما أدى التدخل الروسي دوراً في نقل مقر إقامة البطريرك من الأستانة إلى القدس.
وحدث صراع عنيف بين الرهبان العرب واليونانيين بسبب سيطرة اليونانيين على المناصب الدينية العليا، في حين حُرم العرب من الانضمام إلى رتبهم، وانحصرت وظائفهم من الناحية الدينية على (خوري، قس، شماس).وفي سبيل مواجهة السيطرة اليونانية شكل العرب الأرثوذكس الجمعية الأرثوذكسية الوطنية، وفي العهد الدستوري (1908 ـ 1914) اشتد النزاع بين الطرفين، ونظم النصارى العرب مظاهرات احتجاج ضد سياسة الكهنة اليونان، فأرسلت الحكومة المركزية والي سوريا ناظم باشا للتحقيق في أسباب النزاع، وطالب الوطنيون الأرثوذكسيون بالمشاركة في انتخاب البطريرك، وأن يسمح لهم في الدخول في سلك الرهبنة والترقي في الدرجات الكهنوتية كلها بحسب الأهلية، ولكن هذه المطالب لم تنفذ وبقيت الغلبة للعنصر اليوناني .

الروم الكاثوليك
انشقت عن طائفة الروم الأرثوذكس عام 1724. وفي ظل عدم الاعتراف بالروم الكاثوليك كطائفة مستقلة تدخلت الحكومتان الفرنسية والنمساوية، وأجبرتا السلطان محمود الثاني على الاعتراف بهذه الطائفة في 24 آذار/ مارس 1833، وأصبح البطريرك يعين بموجب البراءة السلطانية.

اللاتين
بعد طرد الصليبيين عام 1291، بقي عدد من أتباع الكنيسة اللاتينية في بلاد الشام، وأشرفت على إدارة شؤونهم الأخوية الفرنسيسكانية التي عهد إليها حراسة بعض الأماكن المقدسة وخدمة الحجاج الفرنج واعترف بها سلاطين المماليك عام 1342م، وكانت الطائفة اللاتينية محرومة من رئيس كنسي (بطريرك) مقيم في القدس حتى أواسط القرن التاسع عشر، إلى أن نصب البابا بيوس التاسع (1846 ـ 1878م)، يوسف فاليركا بطريركاً لكرسي أورشليم عام 1847م. وارتبطت إعادة إحياء البطريركية اللاتينية بمجموعة من الظروف التاريخية منها: احتلال محمد علي باشا بلاد الشام وفلسطين عام 1831. وإطلاقه الحريات الدينية، وأطلق الوجود البروتستانتي في فلسطين من خلال إنشاء الأسقفية الإنكليكانية عام 1841م. مطالبة اللاتين بإيجاد توازن مع النشاط البروتستانتي الغربي واليوناني الأرثوذكسي في القدس. ففي 14 كانون الثاني/يناير 1842 تم اتخاذ قرار بتعيين أسقف لاتيني.
لم تكن البطريركية اللاتينية مرحباً بإعادة تأسيسها من قبل طوائف النصارى في القدس. وجاءت معارضة الكنيسة الأرثوذكسية بفضل النجاح الذي حققته في جذب عدد من أتباع الكنيسة اللاتينية نحوها، ولتفوقها في المرافق التعليمية والصحية كافة، بفضل دعم الدول العظمى لها.
وعند ظهور البطريركية اللاتينية كان عدد طائفة اللاتين نحو أربعة آلاف نسمة، ولهم ثماني كنائس في القدس، وبيت لحم، والناصرة، ويافا، وعكا، وحيفا، والرملة وعين كارم، عاش الرهبان اللاتينيون بدير تراسانطة، وأغلبهم من أصول أوروبية كإسبانيا، وإيطاليا وعربية كحلب ولبنان، والإسكندرية، والموصل. وكان أغلب الرهبان من الفلاحين الملتزمين دينياً.

الأقباط
وصلت أول جماعة من الأقباط إلى القدس في منتصف القرن الرابع الميلادي لتحضر تدشين كنيسة القيامة التي بنتها الملكة هيلانة عام 335، وكانوا تحت نظارة الأرمن وحمايتهم بالقدس، وكانت طائفة الأحباش في القدس تتبع الأقباط، فرئيس ديرهم كان يعين من لدن بطريرك الأقباط في مصر، لذلك امتازت علاقاتهم في ما بينهم بالود، فعاشوا معاً في دير السلطان، وكان يتبعهم أيضاً طائفة السريان.
عاش الأقباط في حارة النصارى بالقدس، ومثلوا طبقة فقيرة في القدس، ولكن أحوالهم تحسنت مع الحكم المصري لبلاد الشام، فازدادت أعدادهم، وبنوا عام 1839 على يد المطران الأنبا إبراهام خان القبط بمحلة النصارى، وبني فوقه دير لزائري القدس من القبط.

الأحباش
وصلت أول جماعة من الأحباش إلى القدس في منتصف القرن الرابع الميلادي لمناسبة تدشين كنيسة القيامة. وينتمي الأحباش إلى الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، وكانوا يتبعون البطريركية القبطية. وملك الأحباش العديد من الأماكن الدينية في القدس إلا أنهم فقدوها في القرن السابع عشر، بسبب الضرائب الباهظة التي فرضها العثمانيون عليهم، واعتداء الأرمن عليهم، ونتيجة فقدان أملاكهم من جهة وبحكم العلاقة التي تربطهم بالأقباط من جهة أخرى فقد عاشوا في دير السلطان، ومثلوا طبقة فقيرة وظل الأحباش يقطنون الدير مع الأقباط، عندما اقتضت عمليات ترميم الدير عام 1820 ضرورة إخلاء الغرف التي يقيم فيها الرهبان الأحباش ثم تحسنت في أواخر القرن التاسع عشر بعد أن تولى رئاسة الأحباش الخوري جريس أفندي ولد حنا ولد إبراهيم الحبشي الذي تمكن من إيصال توسلات الأحباش إلى النجاشي يوحنا ملك الحبشة الذي أرسل الأموال اللازمة لسد حاجة الأحباش فتمكنوا بذلك من المحافظة على بعض أملاكهم. واشتروا قطعة أرض خارج أسوار القدس الشريف بجهة باب العمود لبناء كنيسة للأحباش.

السريان
انقسم السريان عام 1662 إلى أرثوذكس وكاثوليك. وضعف شأن الكاثوليك، وليظهروا ثانية عام 1782 وبقيت الكنيسة الكاثوليكية السريانية تابعة للكنيسة الأرثوذكسية الأم مدنياً حتى أيار/مايو 1845، وبعدها انفصلت عنها، عندما حصلت على اعتراف بذلك من السلطان عبد المجيد الأول (1839 ـ 1861) بتعيين البطريرك أغناطيوس السابع المعروف بالراهب بطرس جروة (1828 ـ 1851) بطريركاً على أنطاكية والإسكندرية وأورشليم.
عاش أفراد هذه الطائفة بمحلة خاصة بهم تعرف بمحلة السريان بين باب الخليل وحارة الشرف، وعلى الرغم من قلة عددها إلا أنها أشرفت على جزء من كنيسة القيامة كغيرها من الطوائف الأخرى، وكان لها كنيسة قديمة وهي كنيسة القديس مرقص.
البروتستانت
ترجع بدايات ظهور الطائفة إلى عام 1820 عندما بدأوا بعمليات التبشير بالقدس. ولكن الدولة العثمانية منعت نشاطها التبشيري في القدس، فأصدرت الدولة العثمانية في 14 حزيران/يونيو 1824 فرماناً حرمت فيه شراء كتب التوراة، وأعلنت ان كل مسلم يعتنق الديانة النصرانية يقتل، وفقا للأحكام الإسلامية، وتلقى التبعية على من يفسد مذهب المسلمين، وعارضت الطوائف النصرانية الوجود البروتستانتي في القدس، واستمرت معاناة البروتستانت من مقاومة الدولة العثمانية والطوائف النصرانية لهم حتى بداية الثلاثينيات من القرن التاسع عشر. فعندما حكم محمد علي باشا بلاد الشام عام 1831 خلق المناخ المناسب لنمو الإرساليات التبشيرية في القدس. وأشهر عائلات الطائفة البروتستانتية في القدس، عائلة الجمل وعائلة قعوار، وعائلة عزام، وعودة، وحشمة، والنصراوي، إلى جانب بعض العائلات التي جاءت من بيروت كعائلة زريق.

الموارنة
لم يكن للموارنة وزن طائفي في القدس، إذ ان موطنهم الرئيس هو لبنان، ولا أماكن دينية تابعة لهم. وبعد اندلاع فتنة عام 1860م في لبنان شهدت القدس قدوم عدد من الموارنة إليها بحثاً عن الأمن والاستقرار. ونتيجة استقرار الموارنة في القدس، عين الخوري لويس الدحداح الماروني ليشرف على شؤونهم الدينية، وسعى البطريرك مار يوحنا بطرس الحاج في نهاية القرن التاسع عشر لإقامة بطريركية للموارنة في القدس، وطلب من المطران إلياس الحويك النائب البطريركي شراء قطعة أرض ليبني عليها البطريركية المارونية، فاشترى محلا واسعاً في جبل صهيون بالقرب من برج داوود، وبنى عليها مقر البطريركية المارونية، وتولى رئاسة البطريركية النائب البطريركي المطران إلياس الحويك.

أنظر: أحمد حامد القضاة، «نصارى القدس»، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007.