| 

لعل أكثر الوقائع إيلاماً في تاريخ المشرق العربي الحديث أن يصبح السريان، على سبيل المثال، مجرد جوال متناثرة في بقاع الأرض كلها، وهم الذين منحوا المنطقة الممتدة بين سيناء وجبال زغاروس اسمهم «سوريا». ويكاد الراصد المدقق لا يجد في الجزيرة الفراتية اليوم، وبالتحديد في الحسكة والقامشلي مثلا، التي كانت طوال تاريخها القديم والوسيط آرامية خالصة، إلا بقايا من العشائر السريانية «تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد». وهذا المصير الذي انتهى إليه صابئة العراق أيضاً، فضلا عن الكلدان، من شأنه يفاقم ظاهرة الاندثار والانحلال للأقوام الحضارية الكبرى في مصر والشام والعراق. وما يثير الأسى، حقاً، ان تندثر من سجلات التمدن في المشرق العربي مدن عظيمة مثل الرها ونصيبين وحرّان ورأس العين، أو أن يصبح السريان والصابئة وغيرهم كائنات قديمة منثورة في هذا السديم العربي الذي لا ينقشع البتة، أو مستحاثات آثارية تثير شهوة الاستكشاف لدى أصحاب الحمية العلمية. أما الأكثر إيلاماً بالفعل فهو التآكل المتسارع في وضع المسيحيين في فلسطين اليوم، والضمور المتدرج في أعدادهم البشرية.
ثمة كارثة إنسانية وحضارية وسياسية مقبلة، بلا ريب، على فلسطين. وتتمثل هذه الكارثة في أن بلد المسيح وأرض المسيحية الأولى، قبل أنطاكيا، ستصبح خلال أربعة عقود مقبلة، على وجه التقريب، بلا مسيحيين إلا من بقايا النُسّاك في قلاّياتهم والكُهان في أديرتهم والقسيسين في كنائسهم. وعلى الأرجح لن يبقى في بيت لحم، وهي مدينة ميلاد المسيح، خلال العشرين سنة المقبلة، أي مسيحي في ما لو استمرت معدلات الهجرة على حالها الآن.
ستكون، حقاً، كارثة شاملة إذا خلت الأرض المقدسة من المسيحيين تماماً. وإنه لكابوس راعب إذا أقفرت فلسطين، في يوم من الأيام، من شهود المسيح إلا من بضعة أنفار هنا وهناك في هذه البيعة أو في هذا الدير او في ذلك المحبس.

تاريخ وأرقام
الأرثوذكس والأرمن أقدم الجماعات المسيحية في فلسطين، بل أقدم سكان فلسطين قاطبة. وكنائسهم الأخاذة هي الأعرق تاريخياً والأروع جمالا والأكثر سحراً وإدهاشاً للبصر. وقد عاشت في فلسطين جماعات مسيحية متعددة كالسريان والأقباط والموارنة والكاثوليك والانغليكان واللوثريين وحتى المورمون والمسيحيون العبرانيون. وكانت أولى الكنائس الإنجيلية ظهرت في فلسطين في القدس سنة 1831 بعد احتلال ابراهيم باشا المصري فلسطين. غير أن الكنيسة الأرثوذكسية ما برحت تعاني مشكلة خاصة ومتمادية منذ زمن طويل هي انشطارها بين رعية عربية خالصة العروبة ورأس غريب عنها في الأصل واللسان معاً. فقبل سنة 1534 كانت الكنيسة الأرثوذكسية عربية تماماً من قمة الهرم الاكليركي حتى الراهب العادي. ولكن، في تلك السنة، صعد إلى السدة البطريركية كاهن يوناني شديد التعصب لليونان، مع أنه نشأ في فلسطين وعاش في ربوعها وبين أهلها المتسامحين. وتمكن هذا البطريرك الذي يدعى جرمانوس، خلال وجوده الطويل على رأس الكنيسة، من إقصاء رجال الدين العرب عن الوظائف الكنسية العليا، وحصرها في أبناء جنسه اليونانيين. ولا زال الأمر على هذا النحو حتى اليوم على الرغم من الكفاح الدؤوب لتغيير هذا الواقع وإعادته إلى ما كان عليه. وقد فشلت جميع المحاولات الرامية إلى هذه الغاية منذ ان تمرد خليل السكاكيني على الكنيسة سنة 1923 حتى الآن. والمفارقة هي ان الكنيسة اللاتينية تعربت وتولى البطريرك ميشال صبّاح أمرها بكفاءة تليق بهذا الموقع، بينما الكنيسة الأرثوذكسية ما زال رأسها يخالف جسدها.
المسيحيون، إذن، هم سكان فلسطين الأصليين قبل الفتح العربي. غير أن عدد المسلمين راح يتزايد بالتدريج نتيجة للتدفق المتتالي للقبائل العربية على الديار المقدسة وبلاد الشام. إلى أن باتت غالبية السكان من المسلمين. واستطراداً فإن الخط البياني للمسيحيين في فلسطين كان هابطاً باستمرار، وهذا أمر طبيعي في شروط تلك الأيام، ولا سيما مع تحول الكثير من المسيحيين إلى الإسلام إما هرباً من الجزية، أو للاقتناع، أو لأسباب أخرى. لنلاحظ ان نسبة المسيحيين في فلسطين إلى مجموع السكان كانت، سنة 1890، نحو 13%. لكن، مع بداية الانتداب البريطاني سنة 1917 هبطت إلى 9,6%. وفي سنة 1931 صارت 8,8%. وفي سنة 1948 أصبحت نحو 8%. أما في سنة 2000 فقد بلغت نسبة المسيحيين في فلسطين قرابة 1,6% فقط، وهذه حال مروّعة، فعددهم اليوم لا يتجاوز 165 ألفاً، بينهم 114 ألفاً في «إسرائيل» و50 ألفاً في الضفة والقطاع. وللمقارنة فقط، فقد كان عدد المسيحيين سنة 1948 في الضفة الغربية وحدها 110 آلاف نسمة. ولو بقي هؤلاء في أرضهم لبلغوا المليون نسمة في سنة 2010، لكنهم اليوم لا يتجاوزون الخمسين ألفا فقط. وفوق ذلك، فقد كان عدد المسيحيين في القدس سنة 1947 نحو 27 ألفاً، ولو ظلوا في ديارهم لكان عددهم بلغ سنة 2010 أكثر من 150 ألفاً، بينما لا يتجاوز عددهم اليوم التسعة آلاف.
لماذا حدث هذا التآكل في «المجتمع المسيحي» في فلسطين؟ وما هي أسباب هذا الانقراض المتواصل والمتمادي في الوجود البشري للمسيحيين؟ ولماذا يستمر المسيحيون في الهجرة إلى القارة الأميركية بشمالها وجنوبها؟

الأسلحة المتجددة
فلسطين لدى المسيحيين هي الأرض المقدسة (تيراسنطا) التي لا يعدلها في القداسة أي مكان آخر، فمن الناصرة تحدر المسيح، وفي بيت لحم ولد يسوع الناصري، وعند الأردن تعمد بماء النهر، وفي الجليل كانت معجزاته، وفوق مياه طبرية صنع معجزته الأخيرة قبل الصعود.
ومع ان المسيحيين الفلسطينيين تشبثوا دائماً بأرضهم، وبرزوا في قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية بقوة، وكان لهم الحضور الكبير في النضال الوطني الفلسطيني منذ سنة 1917 حتى الآن، إلا أن التبدلات الانعطافية التي عصفت بفلسطين منذ سنة 1948 فصاعداً تركت أثاراً اهتزازية في «المجتمع المسيحي» الفلسطيني. ففي أواخر العهد العثماني هاجر الآلاف من المسيحيين إلى دول أميركا اللاتينية هرباً من العسف والتجنيد القسري في الجيش التركي، تماماً مثلما فعل الكثيرون من أبناء جلدتهم في بلاد الشام. غير أن ما يحصل الآن خطير حقاً، فالمسيحيون في بداية القرن الحادي والعشرين يغادرون فلسطين بأعداد كبيرة في هجرة تشبه، إلى حد بعيد، هجرة بداية القرن العشرين. وفي خلال انتفاضة الأقصى وحدها هاجر نحو 1200 نسمة من أهالي مدينة بيت لحم، وغادر، في الفترة نفسها، 1300 نسمة من أهالي بيت ساحور وبيت جالا أيضاً. ولعل مدينة بيت لحم ومدينة الناصرة تقدمان أفضل برهان عن طبيعة التبدل الديموغرافي الذي خضعت له هاتان المدينتان اللتان كانتا، إلى فترة قريبة، مدينتين ذات أغلبية مسيحية. لقد صارت بيت لحم، والناصرة معها، مدينتين ذات أغلبية إسلامية. أما أسباب ذلك فهي التالية:
1ـ هجرة المسلمين من المحيط القروي إلى هاتين المدينتين، ولا سيما هجرة سكان بعض القرى القريبة من الناصرة بعد نكبة 1948.
2ـ هجرة المسيحيين من المدينتين إلى الغرب الأميركي والأوروبي.
3ـ انخفاض عدد المواليد في العائلات المسيحية.
4ـ الزيادة الطبيعية المرتفعة في المواليد لدى العائلات المسلمة.
إن أخطر ما تعرض له مسيحيو فلسطين، ولا سيما بعد الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة سنة 1967، هو التهويد ومصادرة الأراضي. وعلى سبيل المثال صادرت السلطات الاسرائيلية 11 ألف فدان من الأراضي المشجرة بالزيتون في بيت جالا لبناء مستوطنة «غيلو»، وصادرت آلاف الدونمات من الأراضي العائدة للمسيحيين لشق طريق سريع يربط المستوطنات اليهودية الواقعة جنوبي بيت لحم والقدس. لكن، لم يكد المسيحيون يستبشرون بالتخلص من كابوس التهويد، ولو موقتاً، بعد قيام السلطة الفلسطينية سنة 1994 حتى واجهتهم مخاطر جديدة تمثلت، للأسف، في استيلاء بعض النافذين الفلسطينيين على أراض يملكها مهاجرون مسيحيون، بإبراز صكوك بيع مزيفة مثلما حدث في أراضي الطبيب سمير عصفور من بيت لحم. ثم أن الأصوليات الإسلامية الصاعدة شكلت أحد عناصر التضييق على المسيحيين في فلسطين، فدفعت أعداداً منهم إلى الهجرة، فقد سعت بعض الجهات الاسلامية إلى تغيير اسم «ساحة المهد» الواقعة عند كنيسة المهد في بيت لحم إلى «ساحة عمر». ومع أن هذا المسعى خاب تماماً، إلا ان آثاره ظلت كامنة في النفوس. وزيادة في النكاية والتعصب لم يتورع بعض الجهلة عن استفزاز المسيحيين فعمدوا إلى كتابة شعارات مبتذلة على حيطان بعض المنازل في بيت لحم من عيار «اليوم السبت وغداً الأحد»، أي ان اليوم ضد اليهود وغداً ضد النصارى.
تقدم لنا حادثة مسجد شهاب الدين في الناصرة برهاناً إضافياً على ما يمكن ان تفعله الجماعات المتشددة والجاهلة في إثارة الفتن. ففي عقب المواجهات التي وقعت جراء إصرار الحركة الإسلامية على بناء مسجد شهاب الدين في مقابل كنيسة البشارة التاريخية، هدد نفر من الشبان المسيحيين في الناصرة بأنهم سيلجأون إلى التطوع في الجيش الاسرائيلي بذريعة غضبى تجاهر بالقول: «من يحمينا إذاً؟». وقد سارع آنذاك عزمي بشارة ورهط من رفاقه إلى القيام بجهد كبير ومكثف لتطويق هذه الحال، ومنع هؤلاء الشبان من تنفيذ تهديدهم أو وعيدهم.
إن مدينة الناصرة كانت دائماً عاصمة عربية للجليل، واشتهرت بمقارعتها الاحتلال وبتسامح أبنائها وصفاء علائقهم مع الجوار، وكان مواطنوها يمنحون أصواتهم في الانتخابات النيابية إلى التيارات التقدمية المناوئة لإسرائيل، فجاءت تلك الأصوات المتعصبة لتحيّر الكثيرين من أبناء المدينة المسيحيين وتدفعهم إلى التساؤل بالقول: نحن أبناء الناصرة الذين ناضلوا بشدة ضد الطرد ومصادرة الأرض وضد العنصرية وعدم المساواة، وتشبثنا بأرضنا ولم نغادرها، واستقبلنا أهالينا اللاجئين إلينا من الجوار، وهذا واجبنا في أي حال، فإذا كان ذلك كله لم يحمنا، وإذا كانت عروبتنا لم تحمنا، وإذا كانت تقدميتنا لم تحمنا، فمن الذي يحمينا؟ وممن؟ من أهلنا؟
تلك هي المفارقة، وهذه هي الوقائع. فمن يحمي، بالفعل، الفلسطينيين المسيحيين من خطر التآكل والانقراض كي لا يتحولوا، كالسريان والصابئة، وفي أرض المسيح نفسها، إلى جماعات متحفية لا يهتم بها أحد إلا دارسو التاريخ والآثار والأقوام العتيقة؟