| 

الساعة الثالثة ظهراً من يوم 13 تشرين الثاني 1948، حضر ضابط المخابرات في اللواء السابع في الجيش الإسرائيلي عمانوئيل (مانو) فريدمان إلى قرية كفر برعم، برفقة أربعة جنود وأمر السكان، بناء على أمر وزير الأقليات بيخور شالوم شطريت، بمغادرة منازلهم خلال 48 ساعة إلى مسافة «خمسة كيلومترات» شمالا باتجاه لبنان.
كانت كفر برعم القرية الوحيدة في فلسطين التي تحوي أغلبية مارونية (مع أقلية من كاثوليك)، والقرية المسيحية الوحيدة في قضاء صفد. وقد احتلت القرية قبل نحو أسبوعين من هذا التاريخ، خلال عملية «حيرام» العسكرية التي هدفت الى احتلال قرى منطقة «الجيب العربي» الواقعة في الجليل الأعلى، ومنها قرى قضاء صفد. وخلال الفترة الممتدة بين 29 تشرين الأول و2 تشرين الثاني، تمّ احتلال هذه المنطقة الممتدة من يانوح ومجد الكروم غربًا، وعيلبون وسخنين ودير حنا جنوبًا، وفراضية وقديثا وعلما والمالكية شرقا وحدود لبنان شمالا. كانت عملية «حيرام» من أكثر فصول النكبة الفلسطينية دموية، حيث ارتكبت قوات الجيش الإسرائيلي خلال أقل من ثلاثة أيام مجازر متسلسلة في الصفصاف والجش وصلحة وسعسع (قضاء صفد) وعيلبون (قضاء طبريا) ومجد الكروم (قضاء عكا)، وهو ما يفسر الى حد كبير حجم التهجير في تلك المنطقة، إذ انخفض سكانها من نحو ستين ألف نسمة الى نحو خمسة عشر ألف نسمة بعد أيام معدودة من العملية.
في ظل هذا المشهد الراعب، كان سكان كفر برعم قد اطمأنوا إلى انهم لن يلقوا مصير التهجير الذي لاقاه جيرانهم فور الاحتلال. فقد أزالت السلطات حظر التجوال الذي ترافق مع احتلال القرية، كما قام الضابط فريدمان نفسه، برفقة مدير دائرة الأقليات في مدينة صفد رفول أبو، بإحصاء سكان كفر برعم في السابع من تشرين الثاني فبلغ عددهم 1050 شخصاً. وهذا ما أعطى السكان الانطباع بعدم نية الجيش الإسرائيلي طردهم، خصوصا أن القرية لم يكن لها شأن في المعارك، كما أنها لم تسجل أي مقاومة عند احتلالها.

الخطة المبيتة
أكّدت صحيفة «هآرتس»، (8 تشرين الثاني 1972) وجود خطة أصلية رمت الى تهجير سكان كفر برعم الى لبنان، وهو ما يتلاءم مع قرار إسرائيل «تطهير» مناطقها الحدودية من القرى الفلسطينية الباقية بعمق يمتد من خمسة الى عشرة كيلومترات. وهو ما نفذه قائد الجبهة الشمالية اللواء موشيه كرمل ضمن مخطط تهجير شمل النبي روبين وتربيخا والسروح والمنصورة وإقرث وكفر برعم والجش.
بعد نحو أسبوع في الأحراج والمغر وكروم الزيتون القريبة، توجه سكان كفر برعم الى البيوت المتروكة في قرية الجش المجاورة وبلغ عددها نحو 400 بيت. ولأنها لم تتسع لجميع سكان كفر برعم، فقد اقترح الضابط فريدمان على الأهالي التوجه الى قرية رميش اللبنانية المجاورة، وهي قرية مارونية أيضا، مع ضمان الحفاظ على ممتلكاتهم في كفر برعم، وهو ما دفع بقسم من السكان الى التوجه الى رميش والقرى المارونية المجاورة الأخرى في جنوب لبنان.
جاء أمر إخلاء كفر برعم مفاجئا للأهالي، خصوصاً ان علاقات لأفراد قلائل من القرية ربطتهم ببعض الصهيونيين قبل عام 1948. وقد تكون هذه العلاقة مشتقة من جملة التفاهمات التي نسجتها الحركة الصهيونية مع المرجعية المارونية في لبنان في عقد الأربعينيات، كما سجل الصحافي الإسرائيلي أهارون باخر في مقالة نشرها في 28 تموز 1972 في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، وذكر فيها انه كيف ساعد القرويون (من كفر برعم) في بداية 1945، ومن خلال تعريض أنفسهم للخطر، اليهود الذين أرشدوا المهاجرين اليهود القادمين من جنوب لبنان.
إن ظلال هذه العلاقة سيعوّل عليها أبناء الجيل الأول وقسم من أبناء الجيل الثاني في نضالهم من أجل العودة الى قريتهم، وذلك من خلال اللقاءات والرسائل والبرقيات التي أرسلوها الى رئيس الحكومة ورئيس الدولة ووزير الدفاع وبقية الوزراء، علاوة على السفراء المعتمدين. لا بد من الإشارة الى أن المذكرات والبرقيات كانت السبيل الذي سلكه المهجرون في الداخل عموما، وليس مهجرو كفر برعم وحدهم، وارتكزت مضامينها على التشديد على «حسن الجوار مع الجيران اليهود». كما جاء الرد الحكومي مشابها، حيث تراوح بين التجاهل التام وبين الإعلان عن عدم السماح للأهالي بالعودة لدوافع أمنية.
كما شملت جهود أهالي كفر برعم نداءات موجهة الى الرأي العام. ففي أعقاب عملية تدمير بيوت كفر برعم، وجه الأهالي نداء في وسائل الإعلام جاء فيه: ملاكو كفر برعم يستنكرون بشدة نسف بيوتهم ويعدونه ظلما ويفضلون نحرهم على مذبح الاضطهاد العنصري على أن تهدم بيوتهم على مرأى منهم وفي حالة السلم ومن دون مبرر، وإن نسف بيوتهم لن يجعلهم يتنازلون عن حقوقهم.

تدمير القرية بالطائرات
بعد نحو خمس سنوات على التهجير، أي في 16ـ17 أيلول 1953، قصف سلاح الجو الإسرائيلي بيوت كفر برعم ودمر جميع مبانيها باستثناء الكنيسة والمدرسة. وقد تمّت عملية القصف هذه أمام أعين السكان الذين وقفوا على تلة تبعد نحو كيلومترين وتسمى «تلة المبكى» أو «مبكى البراعمة». وقد جاء تدمير قرية كفر برعم بعد نحو سنتين على تدمير قرية إقرث في كانون الأول 1951 بناء على خطة سميت «الترانسفير الارتجاعي» (بأثر رجعي) تم تبنيها في حزيران 1948 لمنع اللاجئين من العودة الى قراهم. وكان تدمير بيوت السكان أحد المعايير الستة التي وضعت لهذا الهدف، ونال زخما بعد تمكن مهجرو إقرث من استصدار قرار من المحكمة العليا يجيز لهم العودة في 31 تموز من عام 1951 (ملف 51/64)، وهو ما دفع سكان كفر برعم الى اللجوء الى القضاء، حيث قدموا دعوى قضائية من أجل العودة الى قريتهم. وفي 8 تشرين الأول، أصدرت المحكمة الأمر التمهيدي الذي نص على ما يلي: «تصدر المحكمة بهذا، أمرا تمهيديا موجها الى المستدعى ضدهم لتفسير عدم إعادتهم لسكان كفر برعم الى قريتهم وأراضيهم، وإعادة القرية الى اصحابها، وسبب عدم امتناعهم عن معارضتهم في استعمال أملاكهم استعمال المالك».
جاء رد السلطات الحكومية سريعا بوجوب اللجوء الى أنظمة الطوارئ باعتبار كفر برعم (وإقرث) مناطق أمنية مغلقة منذ أيلول 1949. وبموجب هذه الأنظمة، يحق لوزير الدفاع استصدار أوامر خروج للسكان الدائمين في المناطق الأمنية، وهي ما لجأت إليه السلطات الحكومية في سنة 1951، في أعقاب الدعوى القضائية حيث استصدرت أوامر خروج لسكان كفر برعم وإقرث، أي بعد ثلاث سنوات على تهجيرهم من قراهم، وذلك لشرعنة عملية التهجير، والالتفاف على المحكمة العليا. وفي 30 تشرين الثاني 1951، وقع اللواء يوسف افيدار أوامر لأهالي كفر برعم الموجودين في إسرائيل بمغادرة منطقة الأمن التي تقع كفر برعم ضمنها. وبناء عليه، أصدرت المحكمة في 18 كانون الثاني 1952 قرارها الذي يلغي أمرها التميهيدي، فرهنت العودة الى كفر برعم بحيازة تصريح من الحاكم العسكري.

القضاء في خدمة الأمن
للحيلولة دون لجوء مهجرين آخرين الى القضاء، أعلن الحاكم العسكري في أوائل آب 1951، عن ان 11 قرية فلسطينية مهجرة في الجليل التي يقيم قسم كبير منها داخل اسرائيل هي مناطق أمنية مغلقة، والقرى هي: المنصورة، الكويكات، البروة، صفورية، المجيدل، ميعار، الدامون، الرويس، عمقا، الفراضية كفر عنان. وفي الأشهر اللاحقة، أعلن ان 30 قرية مهجرة أخرى هي مناطق أمنية مغلقة.
قاد فقدان الأمل من نجاعة الجهاز القضائي الى العودة مجددا الى الضغط السياسي. وفي هذا الصدد، شمل نضال مهجري كفر برعم ومداراة و«المخاوف» الاسرائيلية، حتى وإن كانت واهية. لم يقصد أهالي كفر برعم من وراء ذلك «كشف» وجه إسرائيل القبيح بقدر ما كانوا معنيين فعلا بالعودة إلى قريتهم، وساعدهم في ذلك، تعامل السلطات الإسرائيلية، أو قسم منها على وجه الدقة، مع قريتهم باعتبارها قضية «فريدة» و«إنسانية» تختلف عن قضية المهجرين في الداخل، وقضية اللاجئين الفلسطينيين في الخارج. ومع ذلك، شكل نضال أهالي كفر برعم مؤشرا إلى تردد السلطات الاسرائيلية في فتح ملف 1948 والاصرار على ابقائه مغلقا. فالجزء، بحسب الاعتبار الإسرائيلي، سيؤدي إلى الكل وفتح صفحة من الماضي سيؤدي إلى فتح الماضي برمته.
في 27 أيار 1955، أعلنت لجنة مهجري كفر برعم نيتها مقاطعة الانتخابات بسبب عدم تلبية مطالبهم بالعودة. لم يكن لدى مهجري كفر برعم بطبيعة الحال عدداً كبيرا من الأصوات الانتخابية بغية التأثير في نتائج الانتخابات. ولكن المهجرين أرادوا استنفاد طاقاتهم في جملة ما هو متاح سياسيا ضمن مشهد لا يزال يطغى عليه الحكم العسكري المقيت. في مقابل تحرك المهجرين، ظل التعامل الإسرائيلي الرسمي يكرر أفكارا ومقترحات تحوم في فلك مبادلة الأراضي والتوطين وهو ما رفضه السكان بالمطلق.

السياسة بدلاً من القضاء
على الصعيد الجماهيري، شكل عام 1972 حلقة مفصلية في نضال كفر برعم واقرث. ففي هذا العام، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه دايان عن إلغاء أنظمة «المناطق الأمنية» في أنحاء إسرائيل كلها، باستثناء «كفر برعم وإقرث». وهو ما دفع السكان إلى حملة احتجاج جماهيرية متزامنة مع تغطية إعلامية دائمة. وقد كانت الشخصية التي لعبت الدور الرئيسي في الحراك الاحتجاجي هي المطران يوسف ريّا، مطران الروم الكاثوليك الذي يتبع له مهجرو إقرث. وقد قدم المطران ريا (لبناني الأصل) إلى البلاد من الولايات المتحدة عام 1957، والتقى في 18 نيسان 1972 رئيسة الحكومة غولدا مئير وطالبها باعادة مهجري كفر برعم واقرث. وافقت غولدا مئير على عرض الموضوع أمام مجلس الوزراء (23 تموز 1972)، حيث حسم الأمر برفض السماح بالعودة من دون تقديم ذرائع محددة. وصرحت غولدا مئير في هذا السياق: «لا أولي اهتماما لشعور الناس في برعم واقرث. أنا أفهمهم، ولا أحسدهم. ولكني لا أقبل الجدل الذي ينص على أن قضيتهم (عودتهم) لن تشكل سابقة. لقد تلقيت رسائل وبرقيات من قرى أخرى يرغب سكانها في العودة الى أراضيهم. وفي الجليل هنالك 22 قرية على غرار هذه القرى تركها أهلها أو اقتعلوا منها».
أثار القرار موجة احتجاج عارمة لدى الأهالي واتسعت حركة الاحتجاج لتشمل تنظيم التظاهرات والمسيرات واستصدار البيانات المدفوعة الأجر في الصحافة. وفي أعقاب الهجوم العنيف للشرطة على المعتصمين في كفر برعم، طالب المطران يوسف ريا في 12 آب 1972 بإغلاق الكنائس يوم الأحد (اليوم التالي) احتجاجا على «موت العدالة في إسرائيل وتقديس إله الأمن». قد جاء في الرسالة التي وجهها المطران ريا إلى أبناء طائفة الروم الكاثوليك: أفظع الفظائع، هو طرح رجال البوليس الانجيل المقدس على الأرض، فأهانونا في أقدس مقدساتنا. وأشد فظاعة أنهم طرحوا قوت الناس على الأرض وداسوه بأقدامهم. نحن نحتج على هذه التصرفات ونطلب من جميع كهنتنا وأبنائها أن تقرع الأجراس في الكنائس دقات حزن حدادا على افتقار العدالة في إسرائيل، واحتجاجا على أن الحكومة قد صنعت لها عجلا مذهبا سمته «الأرض» ثم أقامته في مكان العدالة الحقيقية.
في الأشهر اللاحقة، تم تنظيم تظاهرات في القدس والجش وحيفا وكفر برعم واقرث والخضيرة. كما قام المطران ريا في 17 تموز بالإضراب عن الطعام أمام مكتب رئيس الحكومة في القدس (لمدة ثلاثة أيام). بيد أن حركة الاحتجاج هذه خفتت تدريجا في أعقاب حرب تشرين الأول 1973. ومع ذلك، يصنف علماء الاجتماع في إسرائيل حركة الاحتجاج الخاصة باقرث وكفر برعم كواحدة من أضخم حركات الاحتجاج الجماهيرية التي حدثت في إسرائيل حتى تلك الفترة. وكان دور المطران يوسف ريا مركزيا في قيادة الحملة، حتى مغادرته البلاد. ولم تكن السلطة الإسرائيلية معنية بوجود رجل دين يقود معركة وطنية كما فعل المطران ريا. لقد كان موقف المطران يشبه موقف رجال الدين المسيحيين في ثورات أميركا اللاتينية، أي ان لا معنى لكنيسة من دون شعب.
لم يقتصر نضال كفر برعم على ميدان الاحتجاج الجماهيري، بل امتد إلى الناس لتعزيز الهوية وترسيخ الصلة وكان لسلسلة الفعاليات والنشاطات كالزيارات الاعتيادية، ودفن الموتى، وإقامة الطقوس الدينية والمخيمات الصيفية ومراسم الزواج لا تهدف إلى إبداء الالتزام الجماعي بكفر برعم فحسب، وإنما إلى الالتزام الشخصي أيضا، في مواجهة الميل الإنساني إلى الاستقرار. غير أن اختلاف الأجيال ادى أحياناً إلى تغيير الخطاب والأولويات فيما يتعلق بالنضال من أجل العودة. فمع بروز أبناء الجيل الثاني والثالث ازداد الميل إلى ربط كفر برعم بالقضية الفلسطينية عموما أكثر من السابق. وتظل العودة، كما في حالات القرى الفلسطينية المهجرة الأخرى، المعيار الذي يقيس به المهجرون نجاح نضالهم أو إخفاقه.

نهاد بقاعي باحث ورسام كاريكاتير ومدير دار الأركان للإنتاج والنشر، ـ قرية شعب ـ عكا.