| 

البروة
ينظر الشيخ إلى الشرق.. تتطاير خصلة من شعره تغطي جبهته التي تلمع في الشمس.. يجلس، ينظر إلى الغرب.. الشمال، القبل..
ـ هنا قتلوا رضوان السكس..
كانت البروة محتلة، تركوا فيها 50 شخصا كلهم من العجز، حشرهم الجيش في الكنيسة وأقام حولهم الحواجز.. «رضوان.. ألله يرحمه.. كان يتمشى في الليل.. رجل عاجز في الستينيات من عمره، قتلوه بدم بارد.. وتركوا جثته ورا الكنيسة..».
وظل الباقون في الكنيسة ينتظرون «ساعة الفرج» من «جيش الانقاذ» الذي قيل انه يسيطر على مرتفعات الليات، لكن مضى اليوم الاول.. والثاني والثالث.. وشمس حزيران تلسع سنابل القمح التي تنتظر مناجل الفلاحين قبل «ان تصل حصادات اليهود وتحصد الغلة كلها».
مضى اسبوع.. ولم يصل أحد.. هجمت آلات الحصاد من اوروبا وأميركا.. ولم تترك حتى سنبلة واحدة ليداعبها النسيم الحامل انفاس الفلاحين الذين تجمعوا تحت اشجار الزيتون، على الطريق بين مجد الكروم والبعنة.

الخوري
يطلق الشيخ المشقق الوجه زفرة من اعماقه.. يمسح العرق الذي يتصبب عن جبينه.
بعد ان قطع الطريق الوعرية عبر مرتفعات الليات.. تذكر ذلك اليوم التموزي القائظ حين وصلت خبريه بأن خوري البروة قتل في الكنيسة.. كان ذلك يعني ان كل الختيارية الذين ظلوا في الكنيسة.. قتلوا مع الخوري. حمل «الناطور» وتوجه مع ابناء الخوري إلى قمة مرتفع وأخذوا ينظرون إلى القرية حتى إذا ما ظهر شبح الخوري بين البيوت المهجورة ووسط تحركات الجنود المدججين بالسلاح، ايقن ان القرية ما زالت بخير، على الأقل بيوتها، ومن بقي فيها انتظر الفرج او حلول الساعة، ولم يطمئنهم في تلك اللحظة ان وصل القاوقجي ومعه اربعة ضباط بنجمتين او ثلاث نجمات.. وتطلع في «الناظور» وأمعن النظر وقال: تحرير البلد لا يكلفني سوى شهيدين ولا اكثر.. خلال ثلاثة ايام تصل المدافع المصفحات ونحررها ومنها نحرر المكر والجديدة وعكا..
«والله ما صدقنا هالحكي.. كنا نعرف قوة جيش الإنقاذ.. لا هم إنقاذ ولا هم جيش منظم.. هالحكي اللي بيحكوه اليوم عن سبع جيوش عربية كله دعاية بدعاية.. لا سبع جيوش ولا سبع فرق.. صوروا الحرب كأنها طوشه عمومية او بين عائلتين.. كنا نعرف هالحقيقة المرة.. اجتمعنا وقررنا أن نحرر بلدنا بأنفسنا.. وخصوصا بعدما انتظرنا 3 أيام وأربعة وخمسة وأسبوع.. وما وصلت مجنزرات ولا مصفحات.. بعدما يئسنا تجمعنا ورحنا طريق الوعر وهجمنا على القرية بقيادة شاب من شعب اسمه أبو اسعاف.. واجهنا مقاومة عنيفة.. لكن إرادتنا كانت قوية.. وتمكنا نحرر بلدنا.. سقط منا شهيد و3 جرحى..
كان يوم عرس في حياتنا.. وكان درس تعلمناه: هالأرض ما يحررها الا أصحابها.. لا ملوك ولا خواجات.. ولا الشعارات الرنانة.. يومها وقف خوري البروة وقال للناس:
ـ يا أهل بلدنا، يا حبايبنا، الوقت مش وقت أغاني وزغاريد، رايحين يهجموا مرة ثانية ويحتلوا البلد.. خذوا حذركم..

عازار
كان ذلك فجر يوم خريفي في أواخر اكتوبر.. الاضواء معتمة تماما.. وخيوط الفجر شقت طريقها إلى الزوايا المظلمة ببطء لكن رافقتها نسمة باردة لسعت الوجوه الساهرة وهي تنتظر الفرج او قدوم الساعة.. كان آخر جندي انقاذ «هالله... هالله».. قد غادر بدون سلام ولا كلام.. وترك الميدان لحميدان.. وفي موقع «الروس» كانت فرقة من الجنود الإسرائيليين تستعد لمهاجمة القرية..
«عيلبون كانت على الخط الأمامي.. انقسم البطوف قسمين.. قسم في قبضة جيش إسرائيل وقسم تمركز فيه جيش الإنقاذ».. قال الشيخ المشقق الوجه الذي نتحدث عنه، دخل الجيش وأمروا الناس يتجمعوا في الحارة.. كنا ليلتها نايمين في الكنيسة.. ما انتظروا حتى نستعد للخروج.. صار الجيش يطخ على الناس عن يمين وعن شمال.. حياة عازار، ألله يرحمه، كان إنسان فقير، قوسوه لمّا كان طالع من باب الكنيسة، وبعدما ارتمى قدام الناس يفرفر زي العصفور.. تقدم منه ضابط وحط الفرد في راسه وفرغ باغه خمس.. ست رصاصات طلقة وحده.. ارعبوا الناس.. قطعوا قلوبهم.. طلبوا منهم يرفعوا ايديهم..».
عند مدخل الكنيسة توقف ثلاثة اطفال.. نظروا إلى جثة عازار الملقية على الأرض.. «مسكين يا عازار».. قال احدهم وفرش نظراته على الجثة الهامدة:
ـ كان عازار يحب الاطفال..
يوم العيد.. قلت له: صباح الخير يا عم عازار.
قال: صباح الخير يا حلو.
قلت له: كل سنه وأنت سالم.
قال: وإنت سالم يا روحي.
وأخذني إلى دكان أبو الوليد.. واشترى كيس ملبس.. وكيسين قريش:
قال: واحد لأختك نوال وواحد لأخوك جوزيف..
مسكين يا عمي عازار.. كل سنه وأنت سالم.
ـ شالوم!!
ـ لم يرد الشيخ.. قلنا: شالوم
ـ الغريب لم يلتفت إلى الشيخ.. وإن نظر إليه باستغراب لكنه نظر إلينا وكأنه يستجدي..
ـ «إفشار لهشليم ات همنيان؟».. قالها بالعبرية وابتسم كأنه يتسجدي..
ـ سألنا الشيخ: ماذا يطلب منكم؟
ـ يريدنا كمالة عدد للصلاة..
ـ لم يفهم الشيخ.. قلنا له: لكي تتم الصلاة يجب ان يكون عدد المصلين عشرة أنفار على الأقل.. وهذه مشكلة هذا الكنيس: لا يجدون في هذا الحي عشرة مصلين.
وقف الرجل الغريب ينتظر استجابتنا، حرّك الشيخ رأسه كأنه يريد ان يقول شيئا لهذا الخواجه، فهمنا ماذا أراد، وفهم هو اننا فهمنا، فلم ينبس ببنت شفة، ثم قال لنا: قولوا له انصرف.. وظل يحدق بجدران الجامع المنتصبة بحجارتها الحمراء.. وتابع السير وتابعناه إلى جانبه..

ميشيل
حين يحدث عن تلك الايام، يرسم خارطة لمدينة تدعى يافا، من مستشفى الكرنتينا ومبنى إذاعة الشرق الادنى.. وحتى شارع السكسك.. والسوق.. سوق الدير.. وشارع «بسترس».. وسوق الصلايمي.. وسوق البلابسه.. واللحامين.. حتى شارع جمال باشا.. يسأل: أين هذا الزقاق، وأين سوق كذا.. وسوق كذا.. تقول له: اليوم يسمى «يافت».. يضحك.. وذاك يسمى «كيدم».. يضحك.. وهذا شارع «شيشيم».. يضحك.. يضحك.. تركها تغص بالناس.. بالحياة.. تنزل البضاعة في محطة المنشية.. سيتهافتون عليها.. تنزل في الميناء.. يختطفونها.. «احسينا بالخطر من سنة السته وثلاثين، أعلنا الاضراب ستة اشهر، بريطانيا انتهزت الفرصة وصارت تبني مينا تل أبيب، مينا يافا للعرب يصدروا بضاعة ويستوردوا بضاعة، ومينا تل أبيب لليهود ليستوردوا اسلحة، وناس يظبوهم من كل بلاد العالم ليستلموا هالبلاد.. لعبوا اللعبة وإحنا مش عارفين كيف المي بتجري من تحتنا.. كان في بلدنا ضابط انكليزي يعرف كل أهل البلد، قلنا له مره ولك يامستر اليهود اللي يتجيبوهم رايحين يستولوا على اراضينا، ابن الحرام كان يعرف يحكي لغتنا أحسن مني ومنك، قال لي: ليش خايفين، انتم بتسموهم اولاد الميته، شايفينهم مقطعين موصلين ولا شعب في العالم قادر يحميهم.. وكان يبتسم.. ويضحك علينا بلغتنا.. معنا يحكي حكي زي العسل وللجماعة يقدم كل خدمه.. ويمهد لهم الأرض.. ومن ثورة السته وثلاثين صاروا يصفوا بالقيادة الوطنية.. وينفخوا في بطون وعقول القيادة الرجعية ويغطوا على جرايمها.. المرحوم ميشيل متري.. كان قائد عمال ما في اثبت منه.. قتله عميل في مركز نقابة العمال العرب.. الناس كلها اشتبهت يومها بإقطاعي من المثلث.. كان يتعاون مع الانكليز.. وعلشان هيك غطوا على الجريمة.. بس يا عمي المجرم ما بيسلم.. لا من صاحب الحق ولا من صاحب الباطل.. لو تعرف أيش صار فيه.. في سنة الاحتلال استولى الجيش على أراضيه.. جابوه ليافا قال بحجة المحافظة على سلامته وحياته خوف من الانتقام.. ووعدوه بأن يرجعوه على أراضيه بعدما يهدأ الوضع.. لكن قتله جيش إسرائيل هون في يافا.. تخلصوا منه وأخذوا كل شبر من أرضه.. كل الناس يومها شمتت فيه.. ألله لا يرده.
وعلى قبر ميشيل متري، في المقبرة الارثوذكسية، كانت تشمخ صورة له نصبت منذ ان دفن. في بطن هذه الأرض المقدسة، «أيام الحرب» «الخواجات» كانوا يتخيلوها زلمه في المقبرة فصاروا يقوسوا عليها من مصنع البيرة حتى خزقوها، وهدموا القبر، يمكن يا عمي بدهمش يتركوا أي ذكر لأي وطني في هالبلاد..».

سلمان ناطور كاتب وناقد وأديب من أراضي 1948.