| 

يمكن تعريف الهجرة بأنها حركة سكانية يتم فيها انتقال الفرد أو الجماعة من الوطن الأصلي إلى وطن جديد نتيجة لأسباب عدة. كما يمكن تصنيف الهجرة إلى نوعين: الهجرة الاختيارية، وهي تتم بالمبادرة الفردية عادة وبالرغبة في الانتقال إلى وطن جديد من أجل الأفضل، والهجرة الإجبارية (التهجير)، وتتم بواسطة قوة خارجية تفرض خلافاً لإرادة الأفراد أو الجماعات وتنشط في فترة الحروب. غير أن الهجرة يمكن أن تصنف في نمطين: الأول هو الهجرة الدائمة، وهي التي يهاجر فيها الفرد أو الجماعات إلى الوطن الجديد من دون عودة، وهي الهجرة الأكثر خطورة. والثاني هو الهجرة الموقتة، حيث يهاجر الفرد أو الجماعة إلى وطن جديد بشكل موقت بغية التحصيل العلمي، أو تحسين الوضع المعيشي، أو لأسباب سياسية، ولكن المهاجر يعود إلى وطنه الأصلي في نهاية المطاف، وهذا النمط من الهجرة لا يشكل خطراً كبيراً على المجتمع وله بعض الفوائد.
هناك أسباب للهجرة يتوزع معظمها في العادة على النحو التالي: العلم، والبحث عن عمل أفضل، والبحث عن ظروف معيشية أفضل، واكتساب الخبرات، والتعرف الى الشعوب الأخرى، والنجاة من الكوارث الطبيعية، او النجاة من الموت أو الحرب أو الاعتقال.
ومن إيجابيات الهجرة التعارف بين الشعوب، والحصول على التعليم الجيد، والحصول على خبرات لا تكتسب إلا بالهجرة، والاستفادة من خبرات الشعوب الأخرى، والعيش في حالة اقتصادية أفضل. غير أن هناك سلبيات للهجرة، منها فقدان كل أو جزء من الهوية والعادات والتقاليد، ونسيان اللغة الأم، خصوصا عند أبناء المهاجرين وأحفادهم والأجيال التي تليهم، وفقدان الدولة لعمالها وعلمائها، وترك الماضي والذكريات ونسيان الوطن إذا طالت الهجرة.

فلسطين: الخطر الداهم
في الحالة الفلسطينية، يتجاوز موضوع هجرة المسيحيين مثل هذه السلبيات أو الأسباب، إذ تشكل الهجرة اليوم خطرا داهما مهددا للكيان المسيحي في الأراضي الفلسطينية، فهي تقلص الأعداد وتغرب العربي عن بلده وأرضه. والهجرة مصدرها عدم الاستقرار السياسي في ظل الاحتلال وظلام المستقبل والتوق إلى سلام ولو في الغربة. ومن ثم، فإن صنع السلام في فلسطين وفي المنطقة بأكملها هو العامل الأول لترسيخ العرب المسيحيين في أوطانهم، فضلا عن استقرار البلاد وديموقراطيتها وترتيب العلاقات العامة والخاصة، فهذا كله له شأن في هذا الدفع نحو الخارج أو في الحيلولة دونه. وبشكل عام، هناك أسباب عدة للتراجع الديموغرافي لدى المسيحيين العرب أهمها: تحديد النسل لدى العائلات المسيحية قياساً على العائلات المسلمة، الهجرة الى خارج دول الشرق الأوسط، وهو السبب الأبرز لاستنزاف المسيحيين ديموغرافياً. أما الأسباب التي تدفع ليس المسيحيين وحدهم، بل المسلمين العرب إلى الهجرة أيضاً فهي كثيرة، أهمها، بلا شك، العامل الاقتصادي. وهناك أسباب تتعلق باللاديموقراطية في بعض الأنظمة العربية، وبالتوترات السياسية والاجتماعية، إن لم نقل الحروب الأهلية، وغير ذلك.
أما الهجرة المسيحية، فيمكن القول إن الهجرة الأساسية بدأت تتخذ طابعا سياسيا منذ منتصف القرن الماضي، وكان هدفها - أو هكذا تبدو - محاولة لتفريغ فلسطين من مكوناتها الحضارية وتنوعها وفق ما ترمي إليه السياسة الإسرائيلية التي سعت ـ ولا تزال ـ لتخريب ثقافة الشعب الفلسطيني ووعيه عن طريق اقتلاعه من موطنه الأصلي وبعثرته في العالم ليتسنى لها استعمار الوطن الفلسطيني. ويمكن تلخيص أسباب هجرة المسيحيين من الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967 بما يلي: أسباب سياسية، البحث عن العمل، طلب العلم، الالتحاق بالأسرة. غير أنه في سياق السعي لتحليل هذه الظاهرة تبرز العوامل التالية:
ـ تقليص فرص العمل المتوفرة للمسيحيين، والتي تتلاءم مع مؤهلاتهم ومهاراتهم العلمية، خاصة لدى الأكاديميين.
ـ الأوضاع السكنية الصعبة وارتفاع أسعار أراضي البناء بنسب غير معقولة، خاصة في المدن، حيث يعيش معظم السكان المسيحيين.
ـ وجود أكثرية المسيحيين في المدن حيث لا ارتباط بالأرض والعمل الزراعي، الأمر الذي يسهل الهجرة والتنقل.
ـ إهمال القيادات الروحية، ومعظمها غريبة عن البلاد، واجباتها في تقوية انتماء المسيحيين الى الكنيسة الوطنية وارتباطهم بها، وجمعهم حول مؤسساتها الاجتماعية.

إحصاءات لافتة
ـ في الفترة بين سنة 1967 و1993 غادر الضفة الغربية وقطاع غزة نحو 13 ألف مهاجر مسيحي، منهم 8 آلاف من الضفة الغربية و5 آلاف من قطاع غزة. أما اليوم، فيغادر الضفة والقطاع نحو 600 مواطن مسيحي سنويا.
ـ عدد المغتربين من منطقة بيت لحم يصل إلى نحو 100 ألف مغترب، بينما يصل عدد المغتربين من بيت جالا في تشيلي إلى 25 ألفا، وهناك ما بين 2000 و3000 مسيحي غادروها خلال السنوات 1967- 1970.
ـ هناك إحصائية تشير إلى أن عدد المسيحيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67 يبلغ 50 ألفا فقط. وفي أراضي 48 يبلغ 130 ألفا.
ـ هناك إحصائية أخرى تشير إلى أن عدد المسيحيين كان يبلغ نحو 150 ألفا في سنة 1948 هاجر منهم 50 ألفا إلى الخارج بعد النكبة. أما الآن، فإن عدد المسيحيين المسجلين من أبناء فلسطين التاريخية يبلغ نحو 400 ألف، يحسب أقل التقديرات، لكن عدد من بقي منهم على أرض وطنه صار قرابة 167 ألفا يتوزعون على النحو التالي: 115 ألفا في أراضي 48، و52 ألفا في الأراضي المحتلة منذ العام 67، منهم 40 ألفا في الضفة الغربية، و11 ألفاً في القدس، و3 آلاف في قطاع غزة.
ـ هناك إحصائية أخيرة تفيد بأن مجمل عدد المسيحيين في مدينة القدس عام 1944 تجاوز 29350 فردا وقد انخفض الآن ـ أي بعد نحو سبعة عقود ـ إلى 10982 فردا فقط!

تحديات البقاء
تؤثر الهجرة سلبيا في تركيبة المجموعة السكانية التي يأتي منها المهاجرون، فمن ناحية يزداد متوسط العمر لهذه المجموعة بفعل هجرة فئة الشباب، وتصبح المجموعة أكبر سنا من بقية السكان، ما يؤثر في نشاطها وفاعليتها. وتتأثر كذلك نسبة النوع في هذه المجموعة، إذ تصبح أعداد أكبر من النساء مقابل الرجال. ولكن الأثر الأسوأ يكمن في ما يسمى هجرة الأدمغة، أي هجرة تلك الطاقات والمهارات الضرورية لاستمرارية ليس الجماعة نفسها فحسب، وإنما المجتمع ككل أيضاً.
في ضوء ذلك، فإن تحديات البقاء للفلسطيني تتمثل بما يلي:
1 ـ العمل في سبيل إحقاق العدل والسلام عبر التوصل إلى حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي يضمن الحقوق الفلسطينية المشروعة، وفي مقدمتها إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
2 ـ العمل على توفير القيم المجتمعية التي توثق العلاقات في هذه الأيام الصعبة بين مختلف أبناء الوطن، ولا سيما في المجال الديني.
3 ـ مواجهة الأوضاع الاقتصادية الخانقة بدعم اقتصادي جاد، يولد الثقة في قلوب من يرون في الهجرة نجاة وخلاصا.
إن التصدي لهذه الظاهرة بالغة الخطورة، إنما يندرج في سياق ما يلي:
1) التصدي للمشروع الاستعماري الذي يرمي إلى تمزيق شعوب الوطن العربي، ويكون ذلك، من خلال بلورة «قومية ثقافية» توحِّد مكونات العالم العربي السكانية، ولا سيما في ظروف غياب الوحدة السياسية. ثم، من خلال تجاوز النموذج القومي الأوروبي الذي أقام تعارضاً مصطنعاً بين العروبة والإسلام، ويأتي بعد ذلك، استعادة الكنائس الشرقية هويتها، وكذلك ربط الجاليات العربية المهاجرة بقضايا أمتها وشعوبها.
2) في ظل المرحلة التي تعيشها أمتنا من ضعفٍ أمام الهجمة الاستعمارية، فإن المقاومة هي التي تشكل عامل إنهاض للأمة، وأداة توحيد لصفوفها، ومصدر اعتزاز بهويتها وبإرثها الحضاري، وبالتالي مصدر تحصين للجميع أمام دوافع الهجرة.
3) الحوار، إذ إن الحوار الإسلامي المسيحي في سبيل العيش الواحد في الوطن الواحد ربما يحد من الهجرة. وهو حوار من أجل العيش معا، والبناء معا، ومواجهة التحديات معا، وهو يهدف الى المعرفة المتبادلة التي تؤدي إلى قبول الآخر على اختلافه، فلا يبقى في الوطن وفي الحضارة العربية الواحدة آخر يؤمن إيمانا مختلفا، بل يصبح الآخر وإن اختلف في إيمانه المسيحي أو المسلم أخا يبني ويتقدم ويواجه التحديات ويصمد في وجهها. لقد عشنا معا قرونا وأجيالا، كمسلمين ومسيحيين، وهناك ضرورة لاتخاذ خطوات جديدة لتقوية الروابط وترسيخ قاعدة الحضارة الواحدة والدفاع عنها. وأمام التحديات التي تواجهنا كمسيحيين ومسلمين، نحن بحاجة إلى تربية جديدة تؤمن بالمساواة وتعيشها.
4) العدل؛ ففي الأراضي المقدسة ما زالت الدماء تسيل بغزارة، وتستصرخ من يوقفها. والعدل هو الذي يوقفها. والحق العربي والفلسطيني هو الذي يوقفها، وهو الذي يزيل العذر الذي يحاول أن يبرر استمرار سفك الدماء، أي الأمن الإسرائيلي، لأن مثل هذا الأمن له باب واحد وسياج واحد، لا هو في الأسلحة ولا هو في تأييد بعض قوى العالم له، بل هو في العدل إذا تحقق.
وفي هذا الإطار أيضا، فإن مهمة الكنائس المسيحية هي أن تقف إلى جانب كل مظلوم وفقير، إلى جانب كل مظلوم يطالب بأرضه وحريته، لتكون صوتا له، مهما طالت المحنة وتنوعت. ومهمتها أن تطلب الأمن والسلام للجميع، وأن تبقي الأمل حيا في نفوس الناس حتى يحق الحق.

حنا عيسى وكيل الشؤون المسيحية في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية ـ رام الله.