| 

كلمة «بندلي» تصغير لاسم القديس اليوناني «بندلايمون» (على غرار «كوستي» بدلاً من قسطنطين)، وهي تعني «المرشد» او «الناصح». وبندلي جوزي علم مهم جداً في تاريخ الفكر العربي المعاصر، لكنه عاش غريبا في بلاد بعيدة فلم يعرف في بلاد العرب إلا في نطاق ضيق، فقد «تروسن» بالتدريج، و«تروسن» معه جميع ابنائه وبناته. ولعل ارثوذكسيته ساهمت في تلطيف اوجاع الغربة، لكنه ما كاد ينال درجة الاستاذية في بلاد الموسكوب حتى وقعت ثورة اكتوبر 1917، فعاش غربة مزدوجة في إطار النظام الشيوعي الجديد، ولا سيما انه لم يكن شيوعياً بل ليبرالي التفكير وأرثوذكسي العقيدة. ولهذا لم يتمكن من التلاؤم كثيرا مع الافكار الاشتراكية إلا في سياق فكرة العدالة الاجتماعية، وفي ميدان التخلص من اللاهوت التقليدي، وإخضاع الروايات الدينية للنقد التاريخي.
كان بندلي جوزي غساني الاصول وعروبي النزعة. وأرثوذكس فلسطين، خلافا للبعض، لم يطلبوا الحماية الروسية على الاطلاق، بل تطلعوا إلى دولة عربية قومية يتساوى فيها جميع المواطنين، ورأوا ان القضية القومية تتقدم، في الأولوية، على المسألة الدينية. وبناء على هذا التطلع، ثار الارثوذكس على كهنة الكنيسة اليونانيين، ودعوا إلى تعريب كنيستهم وهي العربية اصلا، وطالبوا المسلمين باسترداد الخلافة من الأتراك. ولمع في هذه «الثورة» خليل السكاكيني الذي كان فريداً في غضبه، وجريئا في عرض افكاره، ونادرا بين المفكرين النقديين في فلسطين.

الموسكوب في فلسطين
درس بندلي جوزي في المدارس الروسية في فلسطين، وهذه المدارس تخرج فيها أدباء كبار وشعراء مميزون امثال خليل بيدس ونعمة الصباغ وناصر عيسى وشفيق نصار وكلثوم نصر عودة التي هاجرت إلى روسيا، وميخائيل نعيمة الذي تابع دروسه في موسكو قبل ان ينتقل إلى الولايات المتحدة الاميركية. وعلى غرار ميخائيل نعيمة وبندلي جوزي هاجر كثيرون من متخرجي دار المعلمين الروسية (السمينار) إلى اميركا امثال نسيب عريضة وعبد المسيح حداد من سوريا ورشيد أيوب من لبنان. وقد أسس نسيب عريضة مجلة «الفنون»، وأنشأ عبد المسيح حداد مجلة «السائح»، وكان نصف عدد اعضاء «الرابطة القلمية» من متخرجي المعاهد الروسية. وفضلاً عن هؤلاء هاجر آخرون إلى اميركا الجنوبية وأسسوا صحفا ومجلات امثال شبلي رزق (صحيفة «كوردوبا» و«الجالية» في الارجنتين) وسعيد أبو جمرة («الأفكار»)، ولمع جاد ورور في ترجمة الروايات من الروسية إلى لغة اهل تلك البلاد.
كانت الفرنسية والانكليزية اللغتين اللتين هيمنتا على الحياة الثقافية والعلمية في المشرق العربي طوال القرن التاسع عشر فصاعداً. ففي مصر كان للثقافة الفرنسية حضور قوي في اوساط النخب المصرية منذ ايام محمد علي، ولا سيما في عهد الخديوي اسماعيل. ثم راحت الانكليزية تحل في محلها بالتدريج جراء الاحتلال البريطاني في سنة 1882. أما في سوريا (وفي ضمنها لبنان وفلسطين) فقد تبارى المبشرون الكاثوليك والبروتستانت في كسب «المؤمنين» الارثوذكس، وتنافسوا على جذبهم إلى كنائسهم. وقد ارتبط الكاثوليك، ولا سيما «الجزويت» بالثقافة الفرنسية، بينما ارتبط البروتستانت بالثقافة الانكلو ساكسونية. وفي جانب آخر كان لروسيا صلات قوية ببلاد الشام منذ زمن بعيد، وجراء التذرع بحماية الارثوذكس من التبشير الكاثوليكي والبروتستانتي بادرت روسيا إلى افتتاح مدارس لها في الناصرة وحمص وغيرهما من مدن الشام، علاوة على المستشفيات والأديرة والكنائس في الناصرة وبيت لحم والقدس، حتى ان «المسكوبية» في القدس لم تكن مجرد مجمع روسي بل صارت حياً كبيراً.
غير ان روسيا تأخرت نسبياً في الدخول إلى الحياة الثقافية العربية حتى سنة 1886 حين افتتحت دار المعلمين الروسية في الناصرة. ولم يطل الأمر كثيرا حتى تخرج الفوج الأول من هذه الدار، وكان بين أفراده خليل بيدس الذي ترجم في سنة 1898 رواية «تاراس بولبا» لغوغول، ورواية «ابنة القبطان» لبوشكين. وكانت الجمعية الامبراطورية الارثوذكسية الفلسطينية خططت لتأسيس جامعة في فلسطين على غرار الكلية الانجيلية السورية وجامعة القديس يوسف في بيروت، إلا ان اندلاع الحرب العالمية الاولى أجهز على هذه الخطة برمتها.

الانقلاب على اللاهوت
بندلي جوزي من هذا الرعيل المجدد الذي غيبته ثلوج روسيا مثل ابنة وطنه كلثوم عودة. فقد سافر إلى روسيا في سنة 1891 ليتابع دراسته في اكاديمية اللاهوت في موسكو، لكنه بعد ثلاث سنوات، ترك الدروس الدينية وانتقل إلى جامعة قازان لينال منها الماجستير في الدراسات الإسلامية سنة 1899، وكانت اطروحته بعنوان «المعتزلة: البحث الكلامي التاريخي في الإسلام». ثم حاز الدكتوراه في سنة 1921، وراح يتدرج في المناصب الاكاديمية حتى صار رئيساً للقسم العربي في اكاديمية العلوم في اذربيجان سنة 1930. وبقي في هذا الموقع حتى سنة 1933 حين دهمه مرض القلب، وألجأه إلى تخفيف نشاطه العلمي.

معاودة الحنين
زار فلسطين، اول مرة بعد هجرته إلى روسيا، في سنة 1894، ثم كرر الزيارة في سنة 1900. وفي سنة 1909 جاء إلى فلسطين بمهمة علمية، وأمضى في ربوعها سنة كاملة. ثم زارها مجدداً في سنة 1928.
وكانت زيارته في سنة 1900 مؤلمة إذ طلبت منه السلطات العثمانية العودة إلى روسيا جراء نقده الجريء للسياسة التركية في فلسطين آنذاك. وفي زيارة سنة 1909 تعرف إلى خليل السكاكيني وجميل الخالدي وإسعاف النشاشيبي وعادل جبر وانستاس الكرملي وغيرهم من اعلام الثقافة في تلك الحقبة. أما في سنة 1928 فقد ارغمته السلطات البريطانية على العودة إلى روسيا لأنه ألقى مجموعة من المحاضرات في معهد الحقوق في القدس، وحضر المؤتمر العربي الفلسطيني السابع الذي انتخب فيه عضواً في اللجنة التنفيذية للمؤتمر، وتعرض فوق ذلك لهجوم بعض الشخصيات الإسلامية بعد صدور كتابه «من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلامية».

المنهج المادي واثنتا عشر لغة
يعتبر بندلي جوزي من الاوائل الذين درسوا التاريخ العربي بمنهجية علمية مادية، فكان رائداً في دراسة الحركات المنشقة على الإسلام كالقرامطة والزنج وإخوان الصفاء والاسماعيلية، وفتح الأبواب امام الدراسات اللاحقة التي نهجت نهجه في هذا الميدان. وقد أجاد بندلي جوزي إلى جانب العربية والروسية الالمانية واليونانية القديمة والتركية والفارسية واللاتينية والسريانية والعبرية والفرنسية والانكليزية والاسبانية والاذربيجانية، وخلّف بالروسية عددا من الكتب المرجعية مثل «المعتزلة» (1899) و«محمد في مكة ومحمد في المدينة» (1903)،و «تاريخ كنيسة القدس» (1910)، و«جبل لبنان» (1914)، و«المسلمون في روسيا» (1997)، و«أصل السكان المسيحيين في سوريا وفلسطين» (1917).

******
كان لموت ابنته ألكسندرا في سنة 1931 اثر كبير في حياته، ففقد هناءة العيش ومتعة العمل. ثم أصابته الخيبة في النظام السوفياتي نفسه بعد اندلاع الصراع المكشوف بين ستالين وتروتسكي في منتصف عشرينيات القرن العشرين. وكانت ثالثة الأثافي هي سوقه إلى السجن في سنة 1941 بتهمة التجسس للانكليز. ومع انه خرج بريئاً بعد سنة، إلا ان آلامه كانت كبيرة، ولم يلبث ان توفي في سنة 1942 ليدفن غريباً في بلاد بعيدة.