| 

وردت في مشروع الدستور الفلسطيني الذي أُعلن في سنة 2003 مادة تنص على أن «الإسلام هو الدين الرسمي للدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع». إن هذه المادة التي ستصدر في نص دستوري للقرن الحادي والعشرين تثير خصومة فكرية وسياسية مثلما تثير الاستغراب أيضاً، لأنها ستشكل، ببساطة متناهية. انقلاباً مدوياً على التاريخ المتألق للحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة. وهذه المادة الدستورية، المنسوخة من الدستور المصري، إذا تسربت إلى الدستور الفلسطيني ستلغي، إلى حد كبير، أي نص آخر من طراز: «جميع المواطنين متساوون أمام القانون». أي أنها ستلغي الأساس الجوهري للديموقراطية والعدالة والمساواة، وستعيدنا، بلا ريب، إلى عصر متقادم تجاوزه، منذ أكثر من مئة وخمسين سنة، مفكرون كبار من عيار عبد الرحمن الكواكبي وبطرس البستاني وحتى محمد عبده، وستكون لهذه المادة آثار غير حميدة على مستقبل الشعب الفلسطيني لأنها، في الجوهر، نكوص عن الدولة المدنية إلى الدولة شبه الدينية.
لا ريب في أن النص على أن دين الدولة الفلسطينية المقبلة هو الإسلام يمثل انسحاباً من فكرة «الدولة الديموقراطية»، والعلمانية أيضاً، التي عرضتها حركة فتح في بيانها المشهور إلى الأمم المتحدة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1968، وتراجعاً انعطافياً حتى عن خطاب ياسر عرفات في الأمم المتحدة في 13/11/1974، وهو، في الوقت نفسه، تلبيس على تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة منذ قيام الجمعيات الإسلامية ـ المسيحية ثم المؤتمرات القومية فصاعداً.

الدولة لا دين لها
لم تكن فلسطين، منذ أن رُسمت حدودها في سنة 1916 بموجب اتفاقية سايكس ـ بيكو، بلداً إسلامياً خالصاً، بل وطناً لجميع أبنائه بصرف النظر عن الأكثرية والأقلية. ففي هذا البلد عاش المسلمون والمسيحيون وطيف من الجماعات الأخرى، كالسامريين واليهود والأحمديين والبهائيين والدروز، بوئام تام، إلى أن بدأ المشروع الصهيوني يتسرب بالتدريج إلى أرض فلسطين، فراحت أمور كثيرة تتبدل ولا سيما في الوسط اليهودي. وكان المسيحيون يشكلون، في بعض الفترات، 13% من مجموع الشعب الفلسطيني. لكن هذه النسبة راحت تتضاءل بسبب الهجرة إلى القارة الأميركية، ثم بسبب الاحتلال في ما بعد. ومهما يكن الأمر فإن الناس لم تكن تعير أي انتباه لمسألة العدد ومفاهيم الأكثرية والأقلية. وفي جميع الأحوال فإن بلداناً مثل فلسطين ولبنان والشام ومصر، على سبيل المثال، لا تُحكم بالأغلبية العددية البتة، بل بالتوافق أولاً، ثم بالديموقراطية أولاً وأخيراً. ولا يجوز أن يضع الواحد يده على مسدسه كلما سمع ان شريكه في الوطن يريد تطبيق شريعته الدينية على المجتمع.
الدولة لا دين لها بتاتاً. أما الأفراد والجماعات فلهم دياناتهم بالطبع. والدولة المعاصرة، كشخصية اعتبارية أو كهيئة معنوية، فوق عقائد الأفراد والمجموعات والطوائف والجماعات المكوِّنة للوطن، وتقف على مسافة واحدة من الجميع.
ودولة فلسطين العتيدة ليست وقفاً على المسلمين، مع أنهم الأكثرية فيها، وإنما هي للمسيحيين أيضاً، وبالتساوي التام مع المسلمين، مع أنهم أقلية. أليست فلسطين بلد المسيح والمسيحية معاً؟

المقبرة أرحب
إن دولة فلسطين المقبلة يجب أن تستمد شرعها من المستقبل لا من الماضي القديم، أي أنها يجب أن تكون دولة ديموقراطية من الباب إلى المحراب؛ فالديموقراطية ليست نظاماً سياسياً للحكم فقط، بل هي نظام للمجتمع التعددي أيضاً. والديموقراطية تحرير لإرادة المواطن الفلسطيني من قيود العائلة والعشيرة والحمولة والمنطقة، وتأهيل له كي يصبح، في الوقت نفسه، مواطناً حراً مستقلاً إزاء الدولة وحيال الجماعات معاً. إننا نتطلع إلى فلسطين المستقبل كانبثاق بهي في صحراء مترامية، على صورة دولة علمانية تماماً، تحترم عقائد جميع مواطنيها بلا استثناء، والذين لهم الحق في اتخاذ قوانين خاصة بأحوالهم الشخصية. وللدولة الحق في أن تحمي مواطنيها ممن لا يرغبون في التزام القوانين الدينية، فتصدر لهم قوانين مدنية لأحوالهم الشخصية.
في المقابر الطائفية لا يُدفن ميت من هذه الجماعة إلى جانب ميت من الجماعة الأخرى؛ فلكل طائفة مقابرها. لكن، في مقبرة شهداء فلسطين، عند مستديرة شاتيلا في بيروت، يرقد كمال خير بك العلوي وكمال ناصر المسيحي وغسان كنفاني المسلم، ومعهم المفتي الحاج أمين الحسيني بالطبع. هؤلاء استشهدوا في سبيل فلسطين الديموقراطية العلمانية التي يجد فيها الشعب الفلسطيني حريته فعلاً. وللأسف، فإن البعض اليوم يصر على رسم صورة لفلسطين المستقبل أدنى بكثير من صورة مقبرة شهدائها. وليس غريباً هذا الأمر، فللهزائم والانكسارات شأن في هذا التردي.
إن دولة فلسطين الديموقراطية العلمانية هي النقيض المعاكس للدولة الدينية اليهودية المجاورة. أما الدولة القائمة على الدين، ولو جزئياً، فلا تستطيع أن تكون، في نهاية المطاف، نقيضاً، بل مقبرة.