| 

إن «اختفاء» المسيحيين من فلسطين المحتلة، والشرق عموماً، يلبي مصلحة إسرائيلية بامتياز (بحسب المطران عطا الله حنا)، ذلك «لأن الاحتلال الصهيوني يريد إظهار فلسطين وكأنها لون واحد لمجموعة واحدة، وهي ليست كذلك، كما يبدي انزعاجاً من البعد المسيحي المهم للقضية الفلسطينية، حيث لا يريد أي مسيحي ينادي بعروبة فلسطين». ويتقاطع موقفه مع توجهات أطراف ودوائر سياسية وثقافية ودينية غربية مستاءة من وقوف المسلمين والمسيحيين في جبهة واحدة لمواجهة حركات الاستعمار الغربي والتصدي للأطماع والسيطرة الغربية في المنطقة، وصدّ محاولات إخضاع مسيحيي الشرق فشكل الوجود المسيحي في الشرق مصدر تحدٍ لأسباب تاريخية دينية ما تزال عالقة.
وتستخدم الصهيونية الحركات الإسلامية الأصولية لتشويه صورة الإسلام وخلق هوّة عميقة بين المسلمين والمسيحيين وتدمير نموذج التعايش المشترك من أجل تمزيق النسيج الاجتماعي مقابل ترسيخ الكيان الإسرائيلي، فضلاً عن تديين الصراع وتحويله إلى صراع بين الإسلام واليهودية، إذ يحاول الكيان المحتل تصوير الصراع العربي – الإسرائيلي على أنه صراع حضاري بين الإسلام وما يسمى «الإرث اليهودي – المسيحي» الذي يواجهه، باعتبار أن المسلمين غير عقلانيين ولديهم رفض تاريخي متأصل لقيم هذا التراث ويأخذون «بالإرهاب» لتحقيق مآربهم، مستثمراً البيئة الخصبة التي أوجدتها أحداث 11 سبتمبر للترويج لمقولاته العنصرية، بما يشي بمحاولة إسرائيلية للتخفي وراء خطاب صراع الثقافات والديانات لتغطية الوجه الحقيقي للصراع باعتباره يتعلق بالاستعمار والاحتلال الصهيوني للأرض المحتلة وبانتهاك حقوق الشعب الفلسطيني في العيش على أرضه.

العنصرية الصهيونية
ارتبط نزيف الهجرة المسيحية من فلسطين المحتلة بمفاعيل المشروع الصهيوني منذ نفاذه قبل عام 1948 حتى اليوم. فقد تسببت «نكبة» 1948 في لجوء نحو 50 – 60 ألفاً من المسيحيين من بين 900 ألف لاجئ فلسطيني من مدنهم وقراهم إلى الأراضي والدول المجاورة، بينما أسفر العدوان الصهيوني عام 1967 عن تهجير وتشريد قرابة نصف مليون لاجئ فلسطيني عن أراضيهم وديارهم إلى المناطق المجاورة، منهم أكثر من 200 ألف نزحوا مجدداً كلاجئين، كان من بينهم زهاء 11 ألف مواطن مسيحي. وقد استمرّت «موجات» الهجرة المسيحية في الأعوام التي تلت احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 وتلك التي أعقبت عام 1973 في ظل سياسة الاحتلال العدوانية من مصادرة الأراضي وهدم المنازل وأعمال القمع والقتل والتنكيل والتدمير الممنهج للحياة الاقتصادية وانسداد الأفق.
اتخذت سياسة العقاب الجماعي الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني منحى أكثر تصاعداً بعد مسار أوسلو الفلسطيني – الإسرائيلي (1993) الذي قاد إلى خلق مأزق ناجم عن عدم الاتفاق على قضايا الوضع النهائي (اللاجئين والقدس والاستيطان والحدود والأمن والمياه) بعدما أجلها إلى المرحلة النهائية من المفاوضات، ليس لأن الاتفاق يحمل بذور فشله، أو لاختلال موازين القوى لمصلحة الاحتلال فحسب، وإنما، لإصرار الكيان المحتل على تحكيم هذا الخلل في عملية فرض تسوية مرفوضة لا تحقق الحدّ الأدنى من الحقوق الفلسطينية في التحرير وتقرير المصير، ما أحدث مأزقاً حرجاً وأوضاعاً متدهورة في الأراضي الفلسطينية المحتلة ومساراً تفاوضياً متعثراً حيناً وجامداً أحياناً، رغم متوالية المؤتمرات والاتفاقيات التي لم تفض الى أي شيء. حيث توالت عمليات نهب الأراضي وهدم المنازل وتوسيع الاستيطان والإغلاق المتكرر للمناطق وفرض القيود الاقتصادية وتقييد حرية الحركة والتنقل بنحو 600 حاجز عسكري، بما تسبب في ارتفاع نسبة البطالة في الأراضي المحتلة عام 1967 إلى 25% (معطيات جهاز الإحصاء الفلسطيني لعام 2010). وكانت سياسة الاحتلال تشتد عقب انتفاضتي 1987 و2000 وصولاً إلى شن عدوان على قطاع غزة 2008/2009 وإحكام الحصار حوله، بهدف ضرب المقاومة وملاحقة كوادرها والنيل من إرادة صمود الشعب الفلسطيني.
فيما أحكم الاحتلال طوق الحصار حول القدس المحتلة بجدار الفصل العنصري الذي يواصل بناءه منذ 2002 رغم قرار محكمة العدل الدولية عام 2004 «بهدمه وتعويض الفلسطينيين المتضررين منه»، ما تسبب في تضييق الخناق الاقتصادي على الأهالي المقدسيين وفرض الضرائب العالية وعزل بيت لحم عنها وإخراج 100 ألف مقدسي، من أصل 386 ألفاً، منهم 10 آلاف مسيحي، من المدينة حيث يقيمون حالياً خارج الجدار مهددين بسحب هوياتهم، فضلاً عن سياسة منع تراخيص البناء ومصادرة الأراضي وهدم المنازل، على غرار تدمير عشرات المساكن في بلدتي بيت ساحور وبيت جالا ذات الغالبية المسيحية (حوالى 22 ألفاً)، وإعاقة النمو السكاني الطبيعي وتحويل المدن والقرى إلى «كانتونات» متناثرة وسط 160 – 180 مستعمرة تضمّ زهاء نصف مليون مستعمر.
لم تنج المقدسات المسيحية من انتهاكات الاحتلال ضمن تدمير ممنهج للمؤسسات الدينية المسيحية في فلسطين منذ عام 1948، من خلال هدم عشرات الكنائس في زهاء 531 قرية ومدينة فلسطينية دمرها آنذاك، والاستيلاء على الأديرة (مثل دير الآباء البنديكت في القدس) وقصف دير الأرمن الأرثوذكس وقتل ثمانية من الرهبان وإصابة 120 شخصاً آخرين، وهدم كنيسة القديسة بيلاجيه في القدس (1992) ومصادرة العديد من الكنائس والأراضي التابعة لها وسرقة محتويات أخرى، وحرق بعضها (الكنيسة المعمدانية عام 1982 وكنيسة الجثمانية في القدس عام 1995)، باعتبارها أمثلة تسببت في انخفاض عددها إلى النصف تقريباً، فبينما كان في فلسطين عام 1922 زهاء 196 ديراً وكنيسة لم يبق منها في منتصف التسعينيات إلا 48 كنيسة و47 ديراً (حسب الرئيس الروحي للروم الأرثوذكس قسطنطين قرمش)، فيما تسعى سلطات الاحتلال منذ فترة للاستيلاء بطرق ملتوية غير قانونية على أملاك وعقارات البطريركية الأرثوذكسية التي تمتلك مساحات كبيرة من أراضي القدس وفلسطين التاريخية، بموازاة فرض القيود على وصول المسيحيين، كما المسلمين، إلى الأماكن المقدسة للصلاة فيها، وبخاصة كنيسة القيامة، والحدّ من الحرية الدينية.

«وقفة حق»
ردّ المسيحيون العرب في فلسطين المحتلة على سياسة الاحتلال الرامية الى اقتلاع وجودهم الأصيل المرتبط جغرافياً وتاريخياً بجذور الأرض الفلسطينية، واستلاب تاريخهم النضالي التحرري وانخراطهم المبكر في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية، وقبلها الحركة القومية العربية، بوثيقة «وقفة حق» أصدرتها الكنائس والشخصيات الوطنية المسيحية في فلسطين (عام 2009) لتأكيد انتماء المسيحيين إلى أمتهم، ومخاطبة العالم لنصرة الشعب الفلسطيني الواقع تحت نير الاحتلال وقمعه، في ظل «وضع راهن لا يبشر بحل قريب أو بنهاية الاحتلال بوصفه شراً وخطيئة تجب مقاومتها وإزالتها».

نادية سعد الدين كاتبة من الأردن.