| 

في فلسطين عدد من المدن التوائم امثال رام الله ـ البيرة ـ او يافا ـ تل أبيب، او المجدل ـ عسقلان... الخ. وكل توأمين من هذه المدن نشأ لأسباب تختلف تاريخياً عن أي توأمين آخرين. فتل ابيب، على سبيل المثال، ظهرت كضاحية يهودية حديثة لمدنية يافا التاريخية، وكان تأسيسها في سنة 1910 احدى ظواهر الاستعمار الصهيوني الكولونيالي لفلسطين. وفي ما بعد، اندمجت تل ابيب، جراء الامتداد العمراني، بمدينة يافا، حتى صارت المدينة التاريخية مجرد حي قديم في مدينة كبيرة، او مجرد واجهة بحرية قديمة للمدينة الحديثة. بينما قامت المجدل في البقعة المجاورة لبقايا مدينة عسقلان التاريخية المشهورة، وصارت تدعى مجدل عسقلان لتفريقها عن بلدات عدة اخرى حملت الاسم نفسه مثل مجدل الصادق او مجدل يابا. أما رام الله والبيرة فقد اندمجتا منذ سنة 1960 جراء التوسع العمراني لتشكلا مثالاً لتداخل الريف بالمدينة الريفية. لكن، لمدينة بيت لحم حكاية مختلفة.

رام الله ـ البيرة
تقع رام الله على اكتاف التلال التابعة لجبال القدس، وهي اجمل مصايف فلسطين قاطبة، فتعلو 860 متراً عن سطح البحر، أي انها أعلى من مدينة القدس. وكلمة «رام» آرامية تعني التل او المكان المرتفع، أي «تلة الله» او «جبل الله».
حين غادر الفرنجة فلسطين وساحل بلاد الشام تركوا رام الله خربة، وذات اكمات واشجار تغطيها. وقد امتلكتها لاحقاً عشيرة «الغزاونة» التي كانت تقطن في البيرة. ثم جاءتها عشيرة الحدادية الغسانية من الكرك في شرق الاردن هرباً من استبداد ذياب بن قيصوم الذي أراد، كما تروي الحكايات الشفهية، تزويج ابنه المسلم هندا بنت راشد الحداد، وهي مسيحية. واضطرت عشيرة البنت إلى مغادرة مضاربها، ونزلت في خربة رام الله في أواخر القرن السادس عشر.
مهما تكن حال الروايات الشفهية المجروحة، فإن اقرب الموارد التاريخية تتيح لنا القول إن اول من هاجر إلى خربة رام الله واشتراها من اصحابها «الغزاونة» وعمّرها هو راشد بن صقر الحدادين واولاده الخمسة بعد منازلات دموية مع عرب القيصوم. وعشيرة الحدادية هي من الروم الارثوذكس، وما يزال ابناء عمومتهم من آل صبرة (وصبرة هو أخو راشد) يسكنون في قرية ماعين الاردنية القريبة من مادبا، وفي الكرك وفي غيرها من بلدات شرق الأردن. وفي سنة 1750 جاءت إلى هذه الخربة جماعة من قبيلة الربضية من جبل عجلون، وصار ابناؤها يدعون بـ«آل العجلوني». ثم تتابع مجيء العائلات الاخرى مثل آل الأعرج من دير أبان القريبة من القدس، وآل شهلا، وآل الزغروت، وآل دبيني وآل نزال من رفيديا، وقبلها آل حشمة من صفد وآل حصين من الكرك.
في سنة 1948 توافد على رام الله بعض العائلات المسيحية من اللد والرملة، ولا سيما الأرمن واليونان. وظلت رام الله مدينة مسيحية حتى سنة 1948 حينما لجأت إليها اعداد غير محددة من مسلمي اللد والرملة والقرى المجاورة، ونزل هؤلاء في أرض تعود ملكيتها إلى عائلة قدورة، ما عرف، في ما بعد ، بمخيم «قدورة». ومنذ ذلك الوقت صارت رام الله مدينة مختلطة دينياً.
لم تعرف رام الله او البيرة الازدهار العمراني او الاقتصادي او التجاري في ظل الحكم العثماني على الاطلاق، فهما بلدتان جبليتان داخليتان لا صلات لهما بالداخل السوري على غرار مدينة نابلس مثلاً التي طالما دعيت «دمشق الصغيرة»، ولا طريق لهما إلى البحر للافادة من المتاجرة مع الغرب على غرار مدينة يافا. لكن هاتين البلدتين اللتين تحولتا معاً إلى مدينة واحدة عرفتا بداية الازدهار بعد موجة الهجرة إلى القارة الاميركية في أواخر القرن التاسع عشر، وتدفق التحويلات المالية من هؤلاء المهاجرين إلى أهاليهم. وكان اول مهاجر من رام الله هو عيسى عبده (وفي رواية اخرى يوسف عودة) الذي هاجر في سنة 1895 إلى الولايات المتحدة الأميركية. وفي سنة 1900 أرسل إلى والده اول حوالة مالية تصل إلى رام الله في تاريخها، وكانت قيمتها مئة جنيه ذهباً. وبعدها تقاطرت أفواج المهاجرين على الغرب الأميركي، وقدر عددهم في سنة 1953 بنحو 2600 شخص من مجموع السكان البالغ 5000 شخص. ويعتقد اليوم ان 85% من سكان رام الله الأصليين موجودون في الولايات المتحدة. أما ابناء البيرة فشرعوا في المهاجرة إلى الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى، وراحت تحويلاتهم المالية تتدفق على أهاليهم، فانتعشت تجارة الأراضي وعملية بناء المساكن الجديدة.
حتى سنة 1889 لم يكن في فلسطين كلها أي مدرسة اعدادية، ولم تنشأ فيها أي مدرسة ثانوية إلا في سنة 1913، أي في أواخر العهد العثماني. ولكن كان ثمة كثير من مدارس الارساليات الاجنبية التي بلغت في مراحل التعليم إلى المرحلة الثانوية. وقد كان لحملة ابراهيم باشا ابن محمد علي على سوريا في سنة 1831 شأن كبير في تغير الأوضاع في بلاد الشام ومن ضمنها فلسطين، وتركت آثاراً عميقة على المجتمع الفلسطيني. فقد سمح للاوروبيين بالاستيطان في فلسطين، وبدأ عهد القنصليات، وكان اولى هذه القنصليات القنصلية البريطانية في القدس التي افتتحت سنة 1838. وفي الأثر بدأت مدارس الإرساليات تظهر بالتدريج. ففي رام الله أسست مدرسة «الفرير» سنة 1856، ثم أسس الاميركان مدرسة «الفرندز» سنة 1869، وفي سنة 1889 أسس «الفرندز» أيضاً مدرسة داخلية للبنات، ثم أسسوا مدرسة للبنين في سنة 1900. وأنشأ الالمان مدرستين للبنات في سنة 1903. ولعل ذلك كله جعل نسبة المتعلمين بين ابناء رام الله تصل قبل الحرب العالمية الثانية إلى 33%. ولا ننسى ان بالقرب من رام الله، وعلى مبعدة 10 كيلومترات فقط، تقع مدينة بير زيت التي قامت فيها جامعة وطنية مهمة هي جامعة «بير زيت».
لمع من بين ابناء رام الله عدد من الاعلام في حقول شتى مثل السياسة والاعلام والتربية والثقافة، وأبرز هؤلاء: بولس شحادة (مؤسس جريدة «مرآة الشرق» في القدس سنة 1919)، وخليل طوطح (احد أبرز رجال التربية في فلسطين)، ومغنم الياس مغنم (سكرتير حزب الدفاع الفلسطيني)، وحنا ميخائيل (ابو عمر) الذي استشهد في البحر في 20/7/1976 بينما كان في طريقه لدعم المقاتلين في شمال لبنان. ومن بين الشخصيات التي اشتهرت في قضاء رام الله كل من جورج صلاح وعلي الريماوي وعلي صالح البرغوثي وحنا ناصر وعبد الله نعواس وكمال ناصر وقاسم الريماوي...

بيت لحم
اسمها القديم «أفراته» أي الثمر وبيت لحم تعني بيت الخبز، وكانت تجري فيها عبادة إله الطعام «لخمو» وفيها ولد السيد المسيح الذي أطعم البشرية كلها وسقاها مبادئ المحبة والتسامح.
تقع مدينة بيت لحم بالقرب من القدس. وتزنرها قرية بيت جالا وبلدة بيت ساحور، وحولها مخيما الدهيشة وعايدة. وأشهر ما في هذه المدينة القديمة كنيسة المهد والمغارة التي ولد السيد المسيح فيها، والتي كان يوجد فوقها معبد للإله أدونيس. وفضلاً عن ذلك اشتهرت هذه المدينة بوجود مغارة الحليب المقدسة. وتقول الرواية الشائعة إن المسيح بينما كان يرضع من ثدي أمه، سقطت من فمه بعض حبيبات الحليب على الأرض. وفي هذا المكان بدأت القداسة إلى جانب المغارة والمذود ونجمة المجوس. وليس بعيداً عن مغارة الحليب تقع برك سليمان، وهي عبارة عن سدود صغيرة لاحتجاز المياه.
في أوائل القرن العشرين كان كل سكان بيت لحم مسيحيين. أما اليوم فأكثر من نصف سكان المدينة من المسلمين. وهجرة المسيحيين إلى اميركا اللاتنية وإلى الولايات المتحدة الأميركية متفاقمة، بحيث إذا استمرت معدلات الهجرة على ما هي عليه، فإن بيت لحم ستخلو من المسيحيين في سنة 2030. وانها، حقا، كارثة حضارية ان تصبح مدينة المسيح بلا مسيحيين.
اشتهر من ابناء هذه المدينة انطوان داود الذي ولد في كولومبيا سنة 1909 لكنه عاد إلى فلسطين ليشارك في ثورة 1936 والتحق بجيش الجهاد المقدس الذي كان يقوده عبد القادر الحسيني، وتمكن من قيادة سيارة عليها العلم الاميركي إلى داخل مقر الوكالة اليهودية في القدس وتفجيرها هناك.