| 

ينظر أصحاب القرار في إسرائيل إلى فلسطينيي 1948 بصفتهم أقلية سكانية يمكن تحملها في «دولة يهودية»، وبالتالي في الامكان تحسين مستوى حياتها قليلاً على صعيد الخدمات المدنية، لكن لا يمكن التعامل معها بصفتها مجتمعا أو مجموعة واحدة تتحلّى بحقوق قومية جمعية وحاجات خصوصية، أو تمكينها من رفع مطالب جوهرية بشأن تغيير النظام (الإثني) أو تغيير طبيعة الدولة من ناحية تعريفها لذاتها.
في ضوء ذلك تتضح، مثلاً، الغاية من وراء تجاهل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ودوائرها المختلفة للقيادات الفلسطينية القطرية في الداخل، على غرار «اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية»، و«لجنة المتابعة العليا». وهذه الحقيقة تلقي الضوء على مسألة النظرة الإسرائيلية العدائية لأي مطلب جمعي يرفعه حزب، أو حركة اجتماعية أو ثقافية، أو منظّمة فلسطينية ما.
وعلى المستوى المدني يجابه فلسطينيو 1948، أفرادًا وجماعة، تمييزًا عنصريًّا شاملاً في معظم المجالات الحياتية، بدءًا بالحق في الأرض والتعليم واللغة والعمل والاقتصاد والثقافة والبيئة والبنى التحتية والصـحة والتمثيل السياسي، مرورًا بإمكان الوصول إلى المعلومات، وانتهاء بالمخصصات الحكومية والميزانيات المختلفة.
وفي المحصلة، يعيش المجتمع الفلسطيني في مناطق 1948 في مستوى معيشة منخفض؛ فنسبة البطالة والفقر مرتفعة إلى درجة بالغة، وقراه وبلداته تفتقر إلى الخدمات الصحية والتربوية اللائقة، وإلى البنى التحتية الأساسية. وبإيجاز يمكن القول إنّ هذا المجتمع محتجز في إسار مواطنة من درجة متدنية تشكل عثرة أمامه لنيل حقوقه الجمعية والفردية.

دور الاحصاءات
في الوقت نفسه لا بُدّ من الإشارة إلى أن هناك تجاهلاً متأصِّلاً للمعلومات الخاصة بهذا المجتمع، في حين أن الأغلبية اليهوديّة ممثَّلة بشكل واسع، ويتم جمع معلومات عنها ونشرها وتحديثها وتعديلها باستمرار، وحتى قبل أعوام قليلة تمّ تصنيف أبنائه في الإحصائيّات الرسميّة كـ «غير يهود»، ويصنفون الآن كمجموعات أو طوائف بحسب انتماءاتهم الدينية.
هذا الوضع يساهم في تعزيز انعدام المساواة في المجتمع الإسرائيلي، وينجم عنه حرمان الفلسطينيّين من حقّهم في أن يُمثَّلوا استناداً الى معلومات دقيقة عنهم يستطيعون من خلالها طرح قضاياهم على الملأ، أكان ذلك محلّـيًّا أو دولـيًّا. لكن ملامح الاهتمام المنهجي بالمعلوماتية المتعلقة بالمجتمع الفلسطيني في الداخل، بمنأى عن أي علاقة بنيوية بالمؤسسة الإسرائيلية، بدأت مع تأسيس «ركاز- بنك المعلومات الإحصائي الأول على الشبكة حول المجتمع الفلسطيني في إسرائيل» في جمعية الجليل (الجمعية العربية القطرية للبحوث والخدمات الصحية) في أواسط العقد الفائت (2005). ومنذ إنشائه، فإنه يتولى جمع معلومات إحصائية عن الأقلية الفلسطينية في إسرائيل، وذلك من خلال تركيز المعلومات المتوفرة لدى مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي وأخرى لدى جمعيات المجتمع المدني المتعددة، ويجري مسوحا وأبحاثا ميدانية على مستويات الفرد والأسرة وعلى مستوى السلطات المحلية، كانت لها مساهمة كبرى في تحديد حاجات الأقلية الفلسطينية، ورسم الإستراتيجيات البعيدة المدى لضمان التنمية المستدامة لها.
وتعرّف المعلومات المعروضة في «ركاز» فلسطينيي 1948 كمجموعة سكّانية واحدة متكاملة خلافًا للمصادر الإحصائية المتوافرة في البلد، حيث تقوم أغلبية تقاريرها الإحصائية بتقسيمهم إلى فئات وطوائف دينيّة. كما أنّ هناك عدداً من المصادر الإحصائيّة التي لا تذكرهم مطلقًا، ولا حتى كمجموعات أو طوائف أو فئات دينيّة.

المسيحيون بالأرقام الإسرائيلية
ووفقًا لآخر الإحصائيات الصادرة عن مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي (أواخر 2010)، يبلغ عدد المسيحيين في الداخل 2ر153 ألف نسمة (هذه الإحصائيات تشمل القدس الشرقية المحتلة) يشكلون نحو 2% من عدد السكان في إسرائيل، ونحو 10% من فلسطينيي 1948، و4ر80% منهم مسيحيون عرب، والباقون هاجروا إلى إسرائيل مع أسر يهودية في إطار «قانون العودة» التهويدي، وكانوا في معظمهم من دول الاتحاد السوفياتي السابق.
تعتبر مدن الناصرة وحيفا وشفا عمرو أكبر مراكز تجمع المسيحيين في الداخل، الذين يعيش معظمهم في منطقتي الشمال (الجليل) وحيفا، بالإضافة إلى يافا واللد والرملة، وتبلغ نسبة التكاثر الطبيعي لديهم نحو 1%، في حين أن هذه النسبة لدى اليهود تبلغ 7ر1%، ولدى المسلمين 6ر2%. ويشكل الروم الكاثوليك الجزء الأكبر من المسيحيين وتبلغ نسبتهم 42%، يليهم الروم الأرثوذكس الذين تبلغ نسبتهم 32%، واللاتين 16%، والبروتستانت 9%، والموارنة 1%.

العروبة
تشدّد معظم الدراسات الإسرائيلية على أن إسرائيل لم تنتهج منذ إقامتها سياسة خاصة إزاء المسيحيين، على غرار السياسة الخاصة التي تنتهجها إزاء الدروز. وبطبيعة الحال يمكن محاججة هذا الاستنتاج بل وتفنيده، لكن ما يهمنا هنا هو أن هذا التشديد يأتي في سياق توجيه النقد الصارم إلى المؤسسة الإسرائيلية أنها بامتناعها من انتهاج سياسة كهذه عزّزت عروبة المسيحيين وشعورهم القومي. ومع ذلك، فإن دراسات أخرى ترى أن عروبة مسيحيي 1948 وشعورهم القومي نجما عن عوامل أقوى مرتبطة بسيرورات أعمق منضفرة بتاريخ المسيحيين العام في المشرق العربي.
مهما تكن هذه السيرورات فإن التركيز الذي نصادفه في معظم هذه الدراسات يتم عادة على ما يلي: المسيحيون العرب، وخصوصًا الأرثوذكس، ساهموا بقدر كبير وعلى مدار القرن العشرين الفائت في تأسيس حركة القوميين العرب وقيادتها، وتصدّروا حملة مقاومة الصهيونية وإسرائيل باعتبارهما حالة استعمارية.
وينوّه أحد أصحاب هذه الدراسات بوقائع متعددة في مجرى إثبات هذه المساهمة منها: كتاب «يقظة العرب» لجورج أنطونيوس الذي كان بمنزلة «بيان النهضة القومية العربية»؛ تأسيس ميشيل عفلق حزب البعث العربي الاشتراكي؛ تأسيس أنطوان سعادة الحزب السوري القومي الاجتماعي؛ دور كل من جورج حبش ونايف حواتمة ووديع حدّاد في تأسيس حركة القوميين العرب والفصائل اليسارية في منظمة التحرير الفلسطينية؛ موقع طارق عزيز القيادي في زعامة حزب البعث العراقي. ولدى انتقاله إلى فلسطينيي 1948 يدرج هذا الباحث حراك «القيادة المسيحية» لحزب «راكاح»، وانخراط شخصيات مسيحية في نشاط «حركة الأرض» المحظورة، وتأسيس عزمي بشارة حزب التجمع الوطني الديموقراطي باعتباره تيارًا قوميًا فلسطينيًا، في نطاق هذه المساهمة.
ترى دراسات أخرى أكثر جدة أن الوقت، على الرغم مما حدث حتى الآن، لم يفت بعد لانتهاج «سياسة إسرائيلية خاصة» إزاء المسيحيين في الداخل، وذلك من خلال تجيير «مظاهر» توتر طائفي بينهم وبين المسلمين بدأت ملامحها الأولى تلوح منذ بداية ثمانينيات القرن الفائت، وأساسًا في ظل صـــعود نجم الحركات الإسلامية، أكان ذلك داخل إسرائيل أو فــي صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية، بل وحتى على المستـوى الإقليمي كله.

سيناريو للمستقبل
رسم أحد المستشرقين الإسرائيليين سيناريو للمستقبل في هذا الشأن وضع خلاله إسرائيل في مصاف «الملاذ الأخير» للمسيحيين، بوصف ذلك أشبه بمترتب وحيد لما أسماه «تراجع دور القادة المسيحيين القومي»، والذي عزاه إلى ثلاثة أسباب رئيسية: 1) تضاؤل وزن المسيحيين الديموغرافي (2% من سكان إسرائيل، و10% من فلسطينيي الداخل)؛ 2) ازدياد هجرتهم من فلسطين التاريخية؛ 3) صعود الإسلام المتطرّف الذي يشمل منطقة الشرق الأوسط برمتها (تجدر الإشارة إلى أن المستشرق رسم هذا السيناريو قبل فترة طويلة من ثورات «الربيع العربي» التي ترى إسرائيل أنها تصب في مصلحة تعزّز هذا الصعود) ويتسبّب في قراءته بانتقال الصراع الإقليمي أكثر فأكثر من السمات القومية التي ميّزته حتى الآن إلى السمات الدينية، وكقوله ان ذلك الصراع انتقل من كونه «صراعاً عربياً ـ إسرائيلياً» إلى «صراع مسلمين ضد يهود».
وفي يوم دراسي خاص عقد في القدس في تموز 2011 قال أحد الأساتذة الجامعيين الإسرائيليين إن على إسرائيل أن تسعى لدمج المسيحيين في «الدولة اليهودية»، لأن أغلبيتهم الساحقة - بحسب ادعائه - تعتبر نفسها جزءًا من هذه الدولة، لكنها تطلب الحصول على مزيد من المساواة في الحقوق، وعلى مكانة أكثر مركزية في المجتمع. وبرأيه فإنه في حال النجاح في هذا المسعى «يمكن أن يشكل المسيحيون جسرًا بين الإسرائيليين (المقصود اليهود) وبين السكان العرب المسلمين»، على حدّ قوله.
قبل ذلك، في نيسان 2011، نشرت جامعة «بن - غوريون» في بئر السبع نتائج بحث قالت إنه الأول من نوعه بشأن «جوهر العلاقات بين المسيحيين والمسلمين في المجتمع الإسرائيلي والمجتمع الفلسطيني في مدن الضفة الغربية». وادعت إحدى النتائج أن العلاقات بين الجانبين شهدت حالات من التوتر الطائفي على مدار العقدين الفائتين. ووفقًا للبحث فإن هذا التوتر ينعكس، مثلاً، في إعراب أغلبية المسيحيين عن مشاعر حنـق إزاء «سرديات المسلمين في شأن وقائع محدّدة بينها أحداث تاريخية عينية»، وفي إعراب هذه الأغلبية عن «نزعات انغلاق» أكثر من إعرابها عن «نزعات اندماج».
وقالت رئيسة طاقم البحث، في سياق استحصالها لهذه النتائج، إن المسيحيين باعتبارهم مجموعة أقلية داخل الأقلية الفلسطينية في إسرائيل يساورهم شعور قويّ بأنهم ملاحقون، وبأن هويتهم الاجتماعية باتت عرضة للتهديد من المجتمع اليهودي ومن المجتمع الإسلامي الفلسطيني، ولذا تطوّر لديهم شعور قويّ بضرورة الحفاظ على هذه الهوية الاجتماعية في وجه العوامل التي تهدّد بتقويضها أو بإضعافها.
من المتوقع أن يشهد هذا الخطاب الإسرائيلي إزاء مسيحيي 1948 تصعيدًا في الفترة المقبلة، في موازاة التصعيد الذي يسم الخطاب نفسه إزاء الخارج، كما ينعكس في خطابات وتصريحات الزعماء الإسرائيليين، وخصوصًا في نطاق قراءتهم مترتبات ثورات «الربيع العربي»، وتلميحهم بأن تتحوّل سريعًا إلى «شتاء إيراني»، كقول رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.
في الوقت ذاته لا يجوز إغفال أنه في ضوء ما تقدّم ثمة حاجة ماسة لإعادة ترتيب أوراق الحركة الوطنية الفلسطينية في الداخل في ظل ما ينطوي عليه الأمر من محاولات متواترة تهدف إلى تأجيج التوترات الطائفية، وذلك على أساس تأكيد أن جوهر الصراع هو قومي بالأساس، وأن التعلّق بأهداب «الملاذ الإسرائيلي» سيكون أشبه بالاستجارة من رمضاء هذا التوتر بنار جهنم الصهيونية.

انطوان شلحت باحث ومدير وحدة «المشهد الإسرائيلي» في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، «مدار» ـ عكا.