| 

يمتزجون بالمسلمين في نسيجٍ اجتماعي واحد، يشاركونهم الآمال والأحلام والأوجاع والأفكار والأهداف الوطنية. يحملون بين جملة بياناتهم الشخصية ما يشير إلى سكناهم في البقعة الجغرافية الصغيرة: قطاع غزة.
في حياتهم كمواطنين مسيحيين، إلى جانب أقرانهم المسلمين، قصص كثيرة، مليئة بالتفصيلات، وتظهر المعلومات أنهم صاروا ألفاً وأربعمئة مواطن موزعين على ثلاثمئة وخمسين أسرة من الأسر الغنية والفقيرة والمتوسطة الحال كغالبية.
المواطن جريٍس حنا ميخائيل، (31 عاماً) يسكن في وسط مدينة خان يونس جنوب القطاع، في منزل ورثه عبر والده الذي كان يملك مطحنة للقمح بيعت بعد أن ثبت عدم جدواها في ظل وفرة الدقيق المستورد. وجريس الذي لم يرزق بالأبناء، بدأ حياته العملية عند أحد جيرانه المسلمين كعامل ميكانيكي، ثم تعلم كغيره من شبان القطاع مهنة إصلاح مولدات الكهرباء في جمعية الشبان المسيحيين, وافتتح محلاً خاصاً لصيانتها بمعاونة جاره محمد العبادلة.
يقول محمد: أعتبر جريس أخاً لي، وليس مجرد جار، نحن نعيش تفصيلات حياتنا بحبّ؛ في الفرح معاً، وفي الحزن معاً، حتى لو مر أحدنا بضائقة مالية فإنه يلجأ بلا تردد الى الآخر، مضيفاً: لقد درسنا معاً في مدراس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، ولم نكن نشعر باختلاف، بل كنا نخرج في تظاهرات الانتفاضة الأولى ضد الاحتلال معاً.

احتراماً لمشاعرهما
جريس يُشغّل الآن في محله اثنين من الفتيان من عائلتين مسلمتين، يعملان معه، ويتناولان الطعام معه في الإفطار والغداء، وحتى لحظة إقفال المحل يشاركانه إياها، بل إنه وفي حال أنجزا عملاً مجهداً يبادر إلى شراء الحلويات لهما كنوع من التشجيع والمكافأة على اجتهادهما.
ويعمل جريس يداً بيد مع عز وخليل، ويسدي لهما دوماً النصائح في الحياة، بل ويصبر على تعليمهما حرفة إصلاح المولدات الكهربائية التي باتت منتشرة في قطاع غزة بفعل انقطاع التيار الكهربائي لفتراتٍ طويلة خلال اليوم. كما يلفت جريس إلى أنه لا يشعر بالقلق من ترك عز وخليل في المحل، إذا ما أراد الذهاب الى البيت على أمل أن ينال قسطاً من الراحة في ساعات الظهيرة، فهو صاحب الاعتقاد الراسخ بأن «لا فرق بين مسلم ومسيحي، والكل إنسان».
يقول عز إن «المعلم جريس» يبادر إلى العمل في شهر رمضان أكثر منه هو وزميله، ويتعمّد الامتناع عن شرب الماء أو تناول الطعام، وإذا أراد التدخين فإنه يذهب إلى البيت المجاور ويدخن فيه احتراماً لمشاعرهما ومشاعر الزبائن.
وفي شأن ممارسة جريس - وهو أحد المسيحيين الغربيين الأقل عدداً من الشرقيين في القطاع - لشعائره الدينية، فإنه يذهب في بعض الأحيان الى قداس يوم الأحد برفقة زوجته التي تداوم على الذهاب إلى الكنيسة الوحيدة للطائفة الغربية بحي الشجاعية كلما ذهبت إلى الجامعة في مدينة غزة.

ظروف الحياة ساءت
في السياق ذاته، يبين جريس أنه بحكم المحيط الذي يعيش فيه فإنه اعتاد العمل في أيام الآحاد، والاستراحة أيام الجمعة من كل أسبوع، ليس تقليلاً من الشأن الديني ولكن مجاراةً للواقع، ومحاولة للتأقلم معه. ولا يخفي جريس، شأنه كشأن سائر الغزيين الذين يجبرون على تعود حياة الحصار في القطاع، مشاعر الغضب والحقد تجاه الاحتلال الذي يمنعه من السفر والتنقل بحرية، ويحول دون زيارته كنيسة المهد في بيت لحم بالضفة الغربية، إلا مرة واحدة طيلة حياته التقى خلالها أخاه الذي يسكن في المدينة ذاتها.
جريس الذي ينفي وصول أي مساعدات من الكنيسة له أو لغيره من فقراء مسيحيي القطاع، يحلم كأي فلسطيني بأن يتحرر وطنه، وأن تتحقق المصالحة الوطنية على أرض الواقع، ويعيش الجميع في أمن وأمان بعيداً عن القصف الذي لا يخلف وراءه إلا الموت والدمار.
ومن زاويةٍ مشرقة، يرى أن الإعلام الفلسطيني لم يفرق يوماً بين مسلم ومسيحي، وإن اهتم بالقضايا السياسية على حساب الاجتماعية، قائلاً: حين استشهد جاري المسيحي الياس عيد الذي كان يعمل في صفوف جهاز الأمن الوطني, لم تقل وسائل الإعلام الفلسطينية قتل مسيحي في أثناء خدمته العسكرية بل قالوا استشهد الضابط الفلسطيني الياس عيد.
وبشأن ما يقال عن هجرة أعداد كبيرة من مسيحيي القطاع بعد سيطرة حركة حماس على القطاع، لا يستطيع جريس أن ينفي ذلك، لكنه يميل إلى القول إن ظروف الحياة ساءت منذ تلك اللحظة، جراء أحداث الانقسام حيناً، والحصار وانتشار البطالة والحرب الأخيرة حيناً آخر، ما قد يكون سبباً وراء مثل هذه الهجرة.

أنت غبي.. أنا مسيحي!
الياس الجلدة، القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي أنهى دراسة الماجستير في علم الاجتماع من جامعة الأقصى الحكومية بغزة، والعضو في نقابة عمال فلسطين، وأمين سر جمعية «عائشة» الفلسطينية التي تهتم بمساعدة نساء فلسطين، مسلمات ومسيحيات، مهمشات ومعنفات، هو ابن مدينة المجدل في الأراضي المحتلة منذ العام 1948، والذي عاش بداية حياته مع أهله في بيت من الصفيح «الزينكو» و«الأسبست» في حي الزيتون شرقاً، وتعلم في مدارس وكالة الغوث، حيث كان والده رجلاً بسيطاً، كما اعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي في عامي 1988 و1989، يروي ما يلي: كنت من أبرز المشاركين في الانتفاضة الأولى، وفي إحدى المرات جاءت قوات الاحتلال لاعتقالي من منزلي، وحين وقفت أمام المحقق الإسرائيلي الذي بدأ يتلو عليّ آيات من القرآن تدعو الى السلام، وأمثالاً شعبية تدعو الى الاستسلام، تأكدت أنه لم يعرف أنني مسيحي، ورددت بسخرية: خلّصت؟ أنا كمان بعرف قرآن، فقال المحقق: طبعاً أنت مسلم وتعرف القرآن، فقاطعته: أنت غبي، أنا مسيحي ومع ذلك أعرف قرآن، حيث قال تعالى «وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة»، وقالت الأمثال «الموت ولا المذلة». وهنا غضب المحقق مني كثيراً، وانهال علي بالضرب المبرح. وإلياس عيد يحظى في جمعية «عائشة» بمحبة الجميع، فهو الذي أنقذ موقف الجمعية وحافظ على بقائها حين توقف الدعم المالي لها قبل ثلاث سنوات.
أما نهلة محيسن، سكرتيرة الجمعية المسلمة التي تتعامل مع الياس منذ أكثر من ثلاثة أعوام، تؤكد أنه «رجل غير كل الرجال»، وأنها ظلت لفترة طويلة لا تعرف أنه مسيحي، حتى أنه لما أنهت هي صلاة الظهر وجاءت تكمل معه توقيع بعض الشيكات الملحّة قال لها «تقبل الله منكِ صالح الأعمال»، في حين كانت تقول له «صلِّ على النبي» بين كل جملة وأخرى، وكان يردّ عليها «عليه الصلاة والسلام».

انتهاكات ومضايقات
وعند سؤال الياس - الممنوع من زيارة كنيسة المهد، والذي لم يزرها إلا مرة واحدة بعد رفعه قضية في محكمة العدل الإسرائيلية العليا - عن كيفية تمضية الأعياد في قطاع غزة، كشف أن الأعياد المسيحية والإسلامية لا تختلف عنده كثيراً، إذ انه يمضي الأعياد في تبادل الزيارات مع أصدقائه المسلمين الذين هم أكثر من أصدقائه المسيحيين، جنباً إلى جنب مع حضوره قداديس الأعياد المسيحية. ويقول الياس الذي كان كاتباً صحافياً إبان الانتفاضة الأولى في صحيفة «الميثاق» الفلسطينية التي أغلقت بأمر من قوات الاحتلال الإسرائيلي، والذي استضيف في بعض القنوات الإخبارية ليتحدث عن هموم الفلسطينيين: إن المسيحيين في قطاع غزة لا يحبون الظهور في الإعلام بشكل عام، لأنهم لا يعتبرون أنفسهم جالية غريبة أو أقلية، بل إنهم أبناء وطن وحلمهم الوحيد تحرير الوطن ولم شمل الفلسطينيين، كما أن بعضهم يتجنب الإعلام خشية قيام الاحتلال بمضايقته في أثناء الذهاب إلى الكنيسة في بيت لحم. وعن وضع المسيحيين بعد الانقسام الداخلي، لم ينكر إلياس حدوث بعض الانتهاكات المسيئة للطائفة المسيحية في القطاع كحرق كنيسة اللاتين، وتفجير مكتبة جمعية الشبان المسيحيين. أما في الوقت الحالي، فهناك بعض المضايقات كمنع دخول النبيذ للقطاع، والاضطرار الى الذهاب إلى المنتجعات الترفيهية المغلقة للسباحة بدلاً من شاطئ البحر لمنع حدوث أي مشكلات مع الدعاة المسلمين، وإن التزمت المسيحيات ارتداء ما يستر معظم أجزاء الجسد.
«ناجي»، وهو ابن الياس الذي يدرس المرحلة الابتدائية، ويتمتع بروح قيادية جعلته ينضمّ إلى فرقة الكشافة الأرثوذكسية، لا يشعر بأي فرق بينه وبين زملائه المسلمين، كما أنه يحبهم، ويحلم مثلهم بالسفر حول العالم، وكذلك الاستمتاع بمشاهدة التلفاز من دون قطع التيار الكهربائي، أو تشويش على البث التلفزيوني جراء تحليق طائرات الاحتلال التي تخيفهم كلما قصفت.

مع بعض التحفظات!
الروسية «آنيا» ذات الأربعين عاماً، تزوجت من الفلسطيني غسان عاشور، في أثناء دراسته الصيدلة في روسيا، وهما الآن أبوان لبنتين وولد، وجميعهم يعيشون في غزة، حيث تعمل «آنيا» في مركز تجميل خاص بها، وتتمنى العودة الى روسيا، ولكن بعد أن تتزوّج ابنتاها من فلسطينيين. وفي شأن ابنها، ترى «آنيا» أن من الملائم أن يسافر معها هي وزوجها، خاصة أن فرصته في الحصول على حياة أفضل ستزداد خارج القطاع المحاصر، وحتى زوجها غسان أوصاها إن توفي ببيع أملاكهما والسفر مع الأولاد الى الخارج الذي هو «أكثر أمناً» من القطاع. وتعتقد «آنيا» - التي تسمع بعض الانتقادات من الوسط الاجتماعي المحيط بها لعدم التزامها الحجاب الإسلامي حيناً، وعدم إسلامها - أن التعايش الإسلامي المسيحي في القطاع «مقبول مع بعض التحفظات». وتلفت إلى أن المسيحيين الفلسطينيين في القطاع أكثر تصالحاً مع العادات والتقاليد والفكر والتعامل من المسيحيين غير الفلسطينيين، «فالمشكلة لا تكمن في اختلاف الديانة بقدر ما تكمن في اختلاف الثقافة». وبينما كنا نسأل «آنيا» التي لا تتحدث العربية بطلاقة، عن مقدرتها على توعية أبنائها بالقضية الفلسطينية، وتدريسهم لغة القرآن، اتصل غسان بها، فطلبت منه أن يجيب عن السؤال، وحينها ضحك وقال: صحيح أن زوجتي لم تسلم، ولكنها تعرف ما تريد وما أريد، بل تقدر ما يريده المجتمع فتتصالح معه، ولا تصطدم به لأي سبب كان.

مدارس وجمعيات
الحياة المسيحية في غزة تقتضي بلا شك وجود المعالم الخاصة، ومنها المدارس، وهي خمس: العائلة المقدسة، والبطريركية اللاتينية، وراهبات الوردية، وراهبات المحبة وتتبع الكنيسة الكاثوليكية، ومدرسة الروم الأرثوذكس وتتبع الكنيسة الأرثوذكسية. وهناك جمعيات تقدم خدمات متنوعة، كجمعية الشبان المسيحية التي تقدم مجموعة من الخدمات التربوية والترفيهية والثقافية، وجمعية كاريتاس، واتحاد الكنائس المسيحية، والبعثة البابوية التي تعمل على بناء المؤسسات، والإغاثة الكاثوليكية، وغيرها.
ويمثل مسيحيو غزة في المجلس التشريعي النائب حسام الطويل الذي فاز بـ 51 ألف صوت عن مدينة غزة بدعم من حركة حماس.
ومهما كان حال الغزيين، ومهما كانت آمالهم، ومشكلاتهم، وأديانهم، ورؤاهم، فإن هذا لن يسلب حي «رأس الطالع» امتزاج صوت آذان مسجد «كاتب ولاية»، بترانيم قرع أجراس كنيسة «برفيريوس» المجاورة.
مشيرة توفيق ومعاذ العمور صحافيان فلسطينيان مقيمان في غزة.