| 

تشير بعض التقديرات إلى أن أعداد الفلسطينيين المسيحيين تصل إلى خمسمئة ألف نسمة، لكن أكثر من ثلثيهم يقيم خارج الوطن، بينما بقي خمسون ألف مسيحي في الأراضي المحتلة منذ العام 1967، موزعين بين الضفة الغربية التي يقطنها 47 ألفاً، وقطاع غزة الذي يقطنه 3 آلاف مسيحي، فيما تبين أحدث التقديرات أن نسبتهم لا تتجاوز 1,25% من جميع الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية. في المقابل، تشير بعض الإحصاءات إلى أن عدد المسيحيين من أبناء الشعب الفلسطيني في إسرائيل يصل إلى 117 ألف نسمة، من مجموع السكان البالغ 6,8 ملايين نسمة، ويشكلون 9% من جميع العرب في إسرائيل و7,1% من جميع السكان (تشير إحصاءات حديثة إلى أن عدد المسيحيين انخفض إلى 110 آلاف نسمة، أي ما يعادل 3,7% من إجمالي عدد العرب في إسرائيل البالغ نحو 5,1 مليون نسمة، ونحو 1,04% من إجمالي السكان). وبحسب توزيع المسيحيين الفلسطينيين في إسرائيل، يتبين أن 66070 منهم ينتمون إلى كنائس الروم الكاثوليك وإلى الكاثوليك بشكل عام، و45424 ينتمون إلى الروم الأرثوذكس، و5505 إلى البروتستانت. وتبلغ نسبة الروم الأرثوذكس 51% من المسيحيين في الضفة والقطاع، فيما تتوزع البقية على الكنائس المختلفة على النحو التالي: اللاتين (الكاثوليك) 30%، الروم الكاثوليك 6%، البروتستانت 5%، السريان والأرمن الأرثوذكس 3% لكل طائفة، الأقباط والأحباش والموارنة وغيرهم من المسيحيين 2%.
إذا أضفنا الأرقام عن توزيع المسيحيين الفلسطينيين في إسرائيل على الكنائس المختلفة إلى عدد المسيحيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يصبح التوزيع الإجمالي للمسيحيين كما يلي:
روم كاثوليك ولاتين وكاثوليك من كنائس مختلفة 84 ألفا، روم أرثوذكس وأرثوذكس من كنائس مختلفة 75 ألفا، بروتستانت وكنائس مختلفة 8 آلاف، والمجموع هو 167 ألفا. وهناك 15 كنيسة تعكس الحضور المسيحي العربي في فلسطين لكل منها خصوصيتها، ومنها من يربط جذوره بالآرامية والبيزنطية منذ البدايات الأولى. وفي الواقع فإن المسيحيين الأوائل في فلسطين كانوا مزيجاً من العرب والسريان الآراميين وغيرهم، بمن فيهم اليهود المتنصرون الذين تكلموا الآرامية واليونانية.
تقسيم الكنائس
يمكن تقسيم الكنائس في الأراضي المقدسة إلى ثلاث فئات من منطلق تاريخي: الأولى هي الكنائس القديمة مثل كنائس الروم الأرثوذكس والكنائس الأرثوذكسية الشرقية كالسريان والأرمن والكنيسة المارونية والثانية هي الكنائس التي تعود نشأتها إلى القرون الوسطى وما بعدها مثل الكنيسة اللاتينية وكنيسة الروم الكاثوليك أما الثالثة فهي الكنائس التي تعود جذورها إلى الزمن المعاصر وهي الكنائس البروتستانتية.
واعتبرت الكنائس نفسها دوماً جزءاً لا يتجزأ من محيطها العربي. وتبرز في هذا السياق مساهمة الكنائس بمدارسها وبمستشفياتها وبمؤسساتها الخدماتية الأخرى، في فلسطين كما هو الحال في البلدان العربية الأخرى. ويعود تاريخ إنشاء المدارس التابعة للكنيسة في فلسطين إلى منتصف القرن التاسع عشر، في حين ساهم العرب المسيحيون في الحركة القومية العربية، وربما تكمن أهمية هذه المساهمة في التذكير بأن العرب، مسيحيين ومسلمين، لهم تاريخ طويل من العمل المشترك من أجل المثل العليا ذاتها، والرؤية المشتركة الجامعة.

التوزيع الديموغرافي للمسيحيين
يقطن معظم المسيحيين في الضفة الغربية في مدن بيت لحم والقدس ورام الله حيث توجد الغالبية العظمى منهم، إضافة إلى بيرزيت والطيبة وعدد من البلدات والقرى الأخرى مثل الزبابدة في محافظة جنين، وعابود وعين عريك وجفنا في محافظة رام الله والبيرة، وفي رفيديا بنابلس. كما يتركز المسيحيون في منطقة الجليل في مدينتي الناصرة وحيفا وفي عدد آخر من البلدات والقرى، حيث يعيشون مع غيرهم من المسلمين، بمن فيهم الدروز. ومع ذلك، لا تزال هناك كنائس مسيحية في كل من يافا والرملة تدل على الحضور التاريخي للمسيحيين في تلك المناطق.
وشهدت ديموغرافية المسيحيين في فلسطين هبوطاً مستمراً في نسبتهم إلى السكان منذ العشر الأخير للقرن التاسع عشر. ففي العام 1894 كان هناك 42871 مسيحياً أو 13,3% من مجموع سكان فلسطين الذي وصل آنذاك إلى 322338 نسمة. ولم يكن يوجد حينذاك أكثر من 40 ألف يهودي أو 9,3%، بينما شكل المسلمون الغالبية العظمى من السكان بنسبة 77,4%.
في العام 1948 قبل الحرب العربية - الإسرائيلية الأولى وقيام إسرائيل على الأرض الفلسطينية، كان هناك 145 ألف مسيحي، أي 7,6% من مجموع السكان الذين وصل عددهم آنذاك إلى 1908724 نسمة. وبقي 34 ألف مسيحي في ما يعرف بإسرائيل، بينما تحول 60 ألفا، أي 41,3% من المسيحيين الفلسطينيين إلى لاجئين. وفي المقابل، وصل عدد المسيحيين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة قبل حرب 1948 إلى 51063 نسمة، أي أن عددهم وقتئذ كان أكثر بقليل من عدد المسيحيين في الضفة والقطاع اليوم. وكانت حرب 1948 وإقامة الدولة العبرية سببين رئيسيين لشتات ما يزيد على الثلثين من المسيحيين الفلسطينيين خارج وطنهم الأم. وفي الأراضي الفلسطينية اليوم، فإن 30% من المسيحيين هم من اللاجئين. وبحسب المؤرخ الفلسطيني سامي هداوي، فإن أكثر من نصف مسيحيي القدس هجّروا من بيوتهم في القدس الغربية. ويقدر أن 37% من المسيحيين في القدس مقارنة بـ17% من المسلمين أصبحوا لاجئين. وتعزى هذه النسبة المرتفعة بين المسيحيين إلى حقيقة أن الأحياء الغربية التي كانت تسكنها غالبية من المسيحيين احتلتها إسرائيل في الحرب بين عامي 1948 و1949. وإضافة إلى ذلك، فإن 34% من الأراضي التي احتلتها إسرائيل في القدس الغربية كانت تمتلكها الكنائس المسيحية ولم تتلق أي تعويض عنها.
وبشكل عام، فإن المسيحيين العرب في فلسطين هم أصحاب تحصيل علمي مرتفع نسبياً، وذوو توجهات طبقية تضعهم في الطبقة الوسطى من المجتمع أو أعلى، ويسعون للحصول على فرص وإمكانات اقتصادية لأبنائهم وبناتهم، ولذلك فإن التوجهات والفرص ذات الأمد الطويل هي التي توجههم في شكل عام وليس الإشباع أو الاكتفاء الفوري. ولا يقتصر هذا الأمر على المسيحيين، إذ ان السكان الآخرين ممن يتميزون بالخصائص الاجتماعية والطبقية نفسها يعكسون التوجهات والاختيارات ذاتها.

مكمن الخطر... القدس
إذا كان ثلثا المسيحيين الفلسطينيين اليوم في الشتات، فإن الخطر الأكبر للهجرة الفلسطينية يكمن في مدينة القدس. فهناك 11 ألف مسيحي وفق أعلى التقديرات، أي 4,4% من مجمل السكان الفلسطينيين الذين يقدرون بـنحو 250 ألف نسمة في القدس العربية. وينتسب المسيحيون في المدينة المقدسة إلى أكثر من 10 كنائس. وتشير مصادر أكاديمية إسرائيلية إلى أن عدد المسيحيين في القدس وصل في العام 1944 إلى 29350 مسيحياً، أي أن عددهم اليوم في القدس ـ بحسب هذه المصادر ـ يعادل 37,5% مما كان عليه في العام 1944، أي قبل نحو سبعة عقود! ويعني ذلك أن أعداد مسيحيي القدس كان يجب أن تصل إلى 60 ألفا في العام 1979، وفق معادلة إحصائية بسيطة مستندة إلى نمو سكاني مسيحي بنسبة 2%، وكان ينبغي لهذا العدد أن يرتفع إلى 120 ألفا في العام 2014، وفق المعادلة الإحصائية ذاتها. ولكن الواقع القائم في القدس يشير إلى تلاشي المسيحيين المقدسيين تدريجياً، بسبب استمرار الاحتلال الإسرائيلي والسياسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للحكومة الإسرائيلية ووزاراتها المختلفة وبلدية القدس العبرية، بحق السكان العرب في القدس.

عوامل اللقاء التاريخي المشترك
يمكن القول إن المسيحيين الفلسطينيين وإن كانوا أقل مواظبة على الصلاة فإنهم بحسب المقاييس الغربية أكثر تديناً مما في الغرب، وهو ما ينطبق على مجمل المسيحيين العرب. فالتدين في الشرق الأوسط يعكس حقيقة أن الدين هو عنصر تنظيمي ومهم لحياة الجماعات والعائلات والأفراد. ويجب أخذ هذه الحقيقة في الحسبان حين نتكلم على الرؤية الشمولية للمجتمع. إن تجربة الديانتين الإسلامية والمسيحية القابلة للشمولية المجتمعية تؤكدها مجموعة من العوامل التاريخية والعلاقات الممتازة التي تميّز بها اللقاء الإسلامي ـ المسيحي في الشرق العربي. ومن هذه العوامل التاريخية:
أولاً: التاريخ المعاصر والأثر الذي تركه الصراع العربي - الإسرائيلي بجميع أبعاده على السكان ككل من دون اعتبار للخلفية الدينية أو أي خلفية أخرى.
ثانياً: مساهمات المؤسسات المسيحية، التي بدأت كمؤسسات غربية في الأصل ثم تعربت مع مرور الزمن، في مجالات التعليم والصحة والخدمات المختلفة بغض النظر عن الخلفية الدينية للذين طاولتهم هذه المساهمات.
ثالثاً: وجود الأماكن المقدسة المسيحية واعتراف الإسلام بها. ولا شك في أن العهدة العمرية التي أعطاها الخليفة عمر بن الخطاب للبطريرك صفرونيوس عند فتح القدس في عام 638 ميلادية لحقوق المسيحيين وأماكن عبادتهم هي أوضح مثال لاعتراف الإسلام بالأماكن المسيحية المقدسة.
رابعاً: وجود المسيحيين في أماكن سكن مشتركة في المدن مع غيرهم من المواطنين يشاركونهم العيش الواحد بآلامه وبآماله. وفي تلك المناطق الريفية والحضرية حيث يعيش المسيحي جنباً إلى جنب مع المسلم، فإن التجارب المشتركة والتحالفات القبلية والعشائرية قد قوّت من تجربة الحياة المشتركة.
خامساً: يعتز المسيحيون بجذورهم القومية والدينية في آن. فالمسيحي الطيب هو أيضاً مواطن طيب يعتز بعروبته وبانتمائه إلى الوطن. لذا كان من الطبيعي أن يلعب المسيحيون العرب دوراً مميزاً في الحركة القومية العربية، وأن يتماثلوا والتراث الإسلامي الحضاري المشترك مع غيرهم من المواطنين.
سادساً: نظام الملة العثماني، الذي اعترف باستقلالية الكنائس المسيحية في إدارة شؤونها الذاتية، خصوصاً تلك المتعلقة بالأمور الدينية والمدنية العائلية.

برنارد سابيلا عضو في المجلس التشريعي الفلسطيني عن محافظة القدس، وأستاذ علم الاجتماع في جامعة بيت لحم.