| 

عُدْتُ خلال تحضيري لهذه المقالة إلى عدد من المصادر المتاحة عن «حكومة عموم فلسطين»، وقد ورد في أحدثها، الصادر في حزيران 2011، إشارات كافية تدل على أن المؤلف استخدم في بحثه محفوظات «مركز الأبحاث الفلسطيني» التي صادرتها إسرائيل خلال اجتياحها لبنان سنة 1982، وأعادتها إلى منظمة التحرير لاحقاً بموجب اتفاق للتبادل بين الطرفين. قيل الكثير عن أن تلك المحفوظات، بما تضمنته من كتب ووثائق تاريخية بالغة الأهمية، تُرِكَت في صحراء الجزائر، دليلاً على الإهمال الرسمي المتعمد!
لذا، كان مفاجئاً، بل مُفرِحاً لي أن أجد دليلاً على عكس ذلك في مخطوطة صادرة سنة 2011، حيث أن الباحث صاحب المخطوطة، أشار بالإسم إلى وثيقة معينة بالغة الأهمية مكتوبة بخط اليد، أي لا توجد إلا نسخة واحدة منها، كنت دققتها خلال عملي في «مركز الأبحاث» عند إعدادي كتاباً بعنوان «قطاع غزة 1948 ـ 1967» صدر سنة 1979. الوثيقة محل الحديث هي عبارة عن بيان «مؤتمر غزة» (30/9 ـ 3/10/1948)، لإعلان «حكومة عموم فلسطين» وعليه التواقيع الشخصية لجميع أعضاء المؤتمر.

هل تخلو الذاكرة التاريخية الفلسطينية
الراهنة من الخرافات التاريخية؟
رأيت إيراد هذا المثَل الأحدث، الذي ليس إلا أحد أمثلة كثيرة لدي، في مدخل مقالة تحمل عنوان: «منظمة التحرير الفلسطينية؛ هل تتجنب مصير «حكومة عموم فلسطين؟»، لتأكيد فرضية أن التاريخ حافل بالروايات الكاذبة، كلياً أو جزئياً، وذلك لأغراض تتوزع على اتساع النفس البشرية وما تحفل به من حوافز متناقضة ومفهومة تدفع إلى الخطأ، الذي قد يكون في البداية بريئا أو صغيراً، لكن تكراره والبناء عليه يجعل نتائجه تتوالد وتتراكم وصولاً إلى تكريس «رواية تاريخية» مفتعلة ولا صحة لها؛ إنها مجرد «خرافة تاريخية»!
من نافلة القول أنه ما ان يصير لـ«الخرافة التاريخية» أنصارها الذين لهم مصالح فيها، حتى يصبح من المستحيل عليهم التخلي عنها، لأن المشكلة عندها لا تعود مسألة استبدال رواية زائفة بأخرى صحيحة، بل التخلي عن منظومات فكرية وبنى إاجتماعية حقيقية ما، أُقِيمَت على أساس تلك الرواية التاريخية الخرافية.
رب قائل: ولكن هل من علاقة لكل هذه المقدمة بالعنوان المحدد للمقالة، وهل القصد القول ان الرواية المتداولة بشأن منظمة التحرير الفلسطينية مشوبة، كثيراً أو قليلا، بالوقائع الكاذبة، بما يعنيه القول أيضاً من أن حياتنا الفكرية الراهنة تتأسس بنسبة قد تزيد أو تنقص على ما لا صحة له؛ على مجرد خرافة مُصَنَّعة؟
إن الجواب هو نعم، بما يعنيه القول من أن المترتبات السلبية لذلك لا تقتصر على تشويش ذاكرتنا وتشويه قراءتنا للماضي، بل على امتداداته في أدائنا الراهن، الذي ليس بمنأى عن التأثيرات الضارة للتأريخ الخطأ، وذلك ربطاً بما يجري تأسيسه على ذلك من تقديرات وممارسات راهنة لابد أن تكون بدورها خطأ. عبثاً نفهم دروس التاريخ على نحو صحيح ونستفيد منها إذا كان التاريخ نفسه الذي نتداوله ليس صحيحاً.
لعل ما تقدم يحمل دعوة لإعادة كتابة التاريخ الفلسطيني الحديث، بما في ذلك حقبة 1917 ـ 1948، بعيداً عن اعتبارات السياسة اليومية وضغوط الإيديولوجيات والمصالح الراهنة، وهو ما يقع خارج غاية هذه المقالة المكرسة لعنوان محدد هو؛ هل تتجنب منظمة التحرير الفلسطينية مصير «حكومة عموم فلسطين»، التي انقضى أمرها جراء سببين أمكن استخلاصهما من خلال مراجعة تجربتها خلال الفترة 1948 ـ 1963.
غياب الوظيفة السياسية وانعدام القدرة التمثيلية يعادل الموت سياسياً
يمكن إيجاز السبب الأول بانعدام الوظيفة السياسية العليا التي رافقت نشأة حكومة عموم فلسطين وعانت منها منذ البداية، حيث ما عاد هناك عند تاريخ انعقادها من «عموم فلسطين» لتعبر عنه الحكومة المسماة بذلك، أو قدرة لها على لم الشمل الفلسطيني وممارسة السيادة أو تحرير البشر والجغرافيا. لا يعوض ذلك أو يُعْتبر وظيفة سياسية عليا يعتد بها، أمر تمثيل الحكومة لفلسطين سياسياً في جامعة الدول العربية، أو القيام ببعض المهمات الإدارية، مثل تصديق أوراق أو إصدار وثائق ثبوتية لم تكن تجد أحداً كثيراً، أو يُعتد به، يَعترِف بها.
يتمثل السبب الثاني بانعدام القدرة التمثيلية لحكومة عموم فلسطين، التي انبثقت عن مؤتمر أُعِدَّ على عجل من قوى وشخصيات سياسية واجتماعية، تُمثل الماضي، وسرعان ما تفرقت بها السبل أو تآكلت شعبيتها، خصوصاً الهيئة العربية العليا بزعامة الحاج أمين الحسيني، لمصلحة قوى جديدة صاعدة وغير تقليدية، توزعت على مختلف التيارات من دينية أو شيوعية أو قومية عربية أو قُطْرية / وطنية فلسطينية، لم يجد أي منها لنفسه دوراً أو مكانا في نطاق ما حمل إسم «حكومة عموم فلسطين» من دون أي مضمون لذلك.
يمكن الحديث عن اسباب إضافية هنا أو هناك، وتفصيلات قد تزيد أو تنقص، لكن ذلك لا يبدل من حقيقة أن انتهاء حكومة عموم فلسطين كان جراء انعدام الوظيفة السياسية العامة العليا، التي لا يغني عنها وجود أهداف سياسية عامة، ونتيجة غياب الحد الأدنى من الصفة التمثيلية، التي لم يكن من مجال لتحقيقها بسبب انعدام الوظيفة السياسية العليا بوصفها عنصر جذب القوى الإجتماعية وتمثيلها سياسياً.

منظمة التحرير الفلسطينية؛ بنت زمانها ومكانها ورجالها
يحتاج استشراف المستقبل إجراء مقارنة بين «حكومة عموم فلسطين» و«منظمة التحرير الفلسطينية» على صعيدي «الوظيفة» و«القدرة التمثيلية» لكل واحدة منهما، وهو ما يحتاج بدوره إلى تحديد ماهية الطرف محل الحديث، وذلك على خلفية أن للإسم الواحد؛ «منظمة التحرير»، أكثر من معنى. إنها بنت زمانها ومكانها ورجالها، فكان أن اختلفت في المعنى والمبنى مع اختلاف الأزمان والأماكن والرجال، وربما الأقدار.
اختلف هذا كله، بل انقلب على نفسه، من 1964 زمن الصعود القومي، إلى 1967 عام النكبة الثانية، إلى 1970 وكارثة أيلول، إلى حرب 1973 الملتبسة ومازالت، تحريراً أم تسوية، نصراً أم هزيمة، إلى 1974، وتأرجح المنظمة بين البرنامج المرحلي، بما هو قبول بمبدأ التسوية، وما يعنيه من ثمن سياسي فلسطيني باهظ مدفوع سلفاً، وبين مجد مؤتمر الرباط وأضواء منبر الأمم المتحدة، مردودا محسوبا ومؤجلاً.
في عام 1982 كانت حرب، فصار خروج قوات منظمة التحرير من بيروت وقبول قرارات «مؤتمر فاس» المرفوضة تماما قبل عام واحد فقط، إلى العام 1988 الذي شهد إعلان استقلال فلسطين بالتوازي مع الإعتراف موضوعيا بـ«استقلال» إسرائيل، بما هو ترجمة حرفية ودقيقة لقبول القرار 242، إلى 1993 واتفاق أوسلو الذي كان خاتمة رسمية لبدايات توالت منذ عقدين للوراء؛ منذ حرب 1973، حيث سيبقى السؤال معلقا عما إذا كانت النتائج السياسية تطابقت أم تناقضت مع النتائج العسكرية لتلك الحرب؟
كانت الخاتمة سنة 2002 مع قمة بيروت ومشروع السلام العربي الذي تناغم والمسار الفلسطيني كما مثله اتفاق أوسلو الذي تم ترسيمه بتعريبه. حينها، شاء مكر التاريخ أن يرسل إشارة بالغة الدلالة في قسوتها هي التطابق بين وضع ياسر عرفات محاصرا في مقره برام الله وبين فلسطين محتلة؛ بين عجز عن فك أسر رئيس فلسطين، وبين العجز عن تحرير فلسطين المحتلة 1967 فكم بالحري 1948! بعد حوالى عقدين على أوسلو وقعنا في الاستعصاء وعدنا إلى المربع الأول وكأن زمن 1974- 2011 ذهب سدى.

ليس الزمان هو الزمان
اختلف الزمان، واختلف المكان والرجال؛ بل اختلف الرجال خَلْف الرجال أيضا وأيضا. اختلف الزمان والمكان على المدى؛ من القدس ـ القاهرة، 1964 ـ 1967؛ إلى عمان، 1968 ـ 1970؛ إلى بيروت، 1971 ـ 1982؛ إلى تونس، 1982 ـ 1993، إلى أوسلو ـ غزة ـ رام الله 1993ـ 2011.
ومع اختلاف الزمان والمكان اختلف الرِجال، ربما، لأنه اختلف مَن خَلْف الرجال يقوي عزيمتهم إلى التحرير أو يحبطها إلى أوسلو. من أحمد الشقيري، 28 أيار 1964 ـ 17 تموز 1968؛ إلى يحيي حمودة، 17 تموز 1968؛ إلى ياسر عرفات، 4 شباط 1969 ـ حتى 11/11/2004، تاريخ وفاته؛ ثم محمود عباس، رئيساً بالوكالة والأصالة حتى تاريخه. كما أسلفنا، تغير الرجال خَلْف الرجال من زمن لزمن، من مكان لآخر، من النقراشي ثم النحاس خلف حكومة عموم فلسطين وتثبيت وجودها في جامعة الدول العربية، الذي كان بحد ذاته إنجازاً، إلى عبد الناصر وزمن الصعود القومي العربي والوطني الفلسطيني وولادة منظمة التحرير، إلى زمن التخلي المتبادل بين العرب وفلسطين الذي جسده بانحطاط لا يُحْسَد عليه أنور السادات.
لو وضعنا الحنين إلى الماضي جانباً، وكثفنا التفصيلات والمسميات من أمكنة وأزمنة ورجالات، لأمكن الحديث عن مرحلتين مختلفتين، غطت الأولى الفترة 1964 ـ 1974، أي منذ التأسيس على أرضية تحرير فلسطين سنة 1964، حتى إقرار البرنامج المرحلي والأخذ بنهج التسوية سنة 1974. وقد تطابق المبنى والمعنى في المرحلة الأولى؛ تسع سنوات، جمعت فيها المنظمة بين الوظيفة السياسية العليا والصفة التمثيلية الجامعة.
تغطي المرحلة الثانية الفترة 1974 ـ 2011، أي أربعة أضعاف الفترة الأولى، تبدلت خلالها الوظيفة السياسية العليا وترنحت الصفة التمثيلية الجامعة للمنظمة، ليس بمعنى الشرعية التاريخية أو الرسمية أو القانونية أو الدولية، بل بمعنى التعبير الفعلي عن حقيقة توازنات المجتمع الفلسطيني، المختلف والمنقسم على نفسه منذ 1974 بالمبدأ والإستراتيجيا والهدف والسياسة العليا وليس بالتفصيلات والتكتيك والسياسة الجارية.

هل خسرت منظمة التحرير نفسها سنة 1974؟
توزعت الفترة الأولى، ومدتها تسع سنوات، مناصفة تقريباً بين رئاسات أحمد الشقيري ويحيي حمودة (1964 ـ 1969)، وياسر عرفات (1969 ـ 1974). قدمت منظمة التحرير نفسها خلال 1964 ـ 1974 بوصفها مشروعاً للتحرير، في سياق المشروع القومي، كما خلال فترة الشقيري وحمودة، أو مشروعاً فلسطينياً مستقلاً بعد تولي «حملة البنادق» زمام الأمور فيها، وصار عرفات رئيساً للجنة التنفيذية، بوصفه قائد حركة فتح التي صارت بعد 1967 كبرى الفصائل الفلسطينية. ربما تبدلت الوظيفة في الشكل بين الحقبتين، لكن الجوهر بقي واحداً، وهو تشكيل الإجماع الوطني الفلسطيني خلف هدف هو: التحرير.
كان الوجه الآخر للإجماع المشار إليه على الهدف /السياسة العليا/ الوظيفة المحددة لمنظمة التحرير، امتلاك هذه لصفة تمثيلية كاسحة، في 1964 وخلال فترة رئاسة الشقيري، أم في العام 1969 إبان رئاسة عرفات. رب قائل، ولكن «فتح» كانت خارج المنظمة سنة 1964، بل ناصبتها العداء؟ هذا صحيح، ولكن صحيح أيضاً أن فتح 1964 وحتى نكسة حزيران 1967، لم تشكل ثِقلاً يمس الجماهيرية الكاسحة للشقيري ومَن معه. لعل ما هو أهم، أن فتح لم تكن تختلف مع الشقيري في الجوهر، بل في الشكل والأسلوب، والخلاف بينهما كان على مقدار ثورية المنظمة وليس على هدف التحرير، وبالقوة المسلحة، بغض النظر عما إذا كانت الأخيرة قوة عربية خلال رئاسة الشقيري، أو قوة فلسطينية خلال زعامة عرفات.
لعل خلاف منظمة التحرير الفلسطينية خلال رئاسة أحمد الشقيري مع حركة فتح، يشبه خلاف المنظمة خلال رئاسة ياسر عرفات مع الجبهة الشعبية حتى سنة 1974، حيث كان الصراع بينهما يدور في نطاق الأيديولوجيا والأمور الجارية، وليس حول المبادئ والأهداف العامة والإستراتيجيا والسياسة العليا.
اختلف الأمر على نحو جذري خلال الفترة الثانية 1974 ـ 2011، حيث فقدت منظمة التحرير تطابق المبنى والمعنى؛ وخسرت توحد الإسم والمسمى، مع تبدل الوظيفة من تحرير إلى تسوية، واقتصار الصفة التمثيلية لها على فريق سياسي فلسطيني من دون آخر. من نافلة القول ان الفترة 1974 ـ 2011 ليست واحدة وشهدت أكثر من منعطف مشهود، لكن القاسم المشترك بينها هو استمرار غياب الوظيفة السياسية الجامعة والصفة التمثيلية الشاملة، أي السير تقريباً على المسار نفسه الذي ولجته حكومة عموم فلسطين وأودى بها في نهاية الأمر. ربما، ثمة حاجة هنا لاستدراك هو أن الحديث السابق عن الإجماع، لا يلغي وجود الإستثناء الذي يؤكد القاعدة، بما في ذلك من حضور قوى هامشية خارج الإجماع الوطني.

الخروج على المنظمة يعيد نفسه:
من فتح والشعبية إلى حماس والجهاد
سوف أبدأ مع الأسهل، أي افتقاد منظمة التحرير للإجماع الوطني الذي انقسم بحدة منذ 1974 جراء التسوية السياسية حيث قادت الجبهة الشعبية، في مواجهة تحالف فتح والصاعقة والجبهة الديموقراطية، جبهة الرفض بلغة تلك الأيام، والتي تقلبت فصولاً وصولاً إلى حركة حماس التي تصاعدت قوتها منذ نشأتها في 1987، لتحقق أغلبية شعبية وانتخابية أهَّلَتها لشرعية دستورية بعد شرعية قتالية، نازعت من خلالهما سلطة منظمة التحرير الفلسطينية ونفوذها بل ووجودها.
لم يكن تآكل الصفة التمثيلية لمنظمة التحرير إلا الوجه الآخر لتآكل وظيفتها التاريخية تدريجاً، وعلى ثلاث مراحل متكاملة، 1974 ـ 1988 حيث كان التعبير عن التحول من وظيفة «التحرير» إلى التسوية والدولة يتم مداورة وعلى نحو ملتبس حمَّال أوجه؛ ومرحلة 1988 ـ 1993، حيث ازداد الوضوح وقل الإلتباس، الذي زال مع اتفاق أوسلو؛ ومرحلة 1993 ـ 2011 حيث تم استنفاد خيار المفاوضات التي وصلت إلى طريق مسدود، ما منح خطاب الممانعة قوة إضافية، في ناحية، لكنه في أخرى، عَرَّضه لمزيد من الأسئلة البسيطة المحرجة بشأن عدم ترجمة نفسه عملياً وتوقف المقاومة، والاستثناء هنا لا يلغي القاعدة.
على عكس ما يُعْتَقَد، فإن الخلاف بين الفريقين المتنازعين خلال 1974 ـ 2011، وبغض النظر عن المسميات ومَن يقود فريق الرفض / الممانعة، ليس على الأسلوب، أي بين نهجي «المفاوضات» و«المقاومة»، وهو ما يقع في نطاق الشكل وطريقة الوصول إلى الهدف، بل على الهدف ذاته، وعما إذا كان هو «التحرير» أم «الدولة»؟ هذا النمط من الخلافات ليس مثل ذاك الذي، مثلاً، بين اليمين واليسار، الدولة العلمانية أو الدولة المدنية أو الدولة الدينية أو غيرهما من المسميات التي تمس شكل الوجود، بل يمس مبدأ الوجود نفسه؛ مفهوم فلسطين، وهل يعاد تعريفها وتحديدها وتشكيل الشرعيات السياسية بناء لذلك أم لا؟
إذاً، فقدت منظمة التحرير منذ 1974، وظيفتها الإجتماعية التاريخية وصفتها التمثيلية، واستطراداً دورها الذي هو على ضمور متزايد. وبالمعنى المشار إليه، تتشابه المنظمة مع حكومة عموم فلسطين في هذين الصعيدين الحاسمين والمقررين: الوظيفة والتمثيل، ما يطرح سؤالاً عن كيف للمنظمة أن تتجنب مصيراً يبدو محسوماً ما لم يتم تدارك الأمر سريعاً ومعالجة عنصري الوظيفة الوطنية الجامعة والتمثيل الشعبي الشامل.

حين لا تعود الكلمات مُعَبِّرة
يمكن لراغب في المماحكة الإدعاء أن الانقسام الذي نحن بصدده هو أمر طبيعي وهذا ما ناقشناه لناحية أنه لا يخص أمراً سياسياً جارياً بل يخص الوجود، وتحديداً لناحية استحالة تحقيق إجماع وطني على وطن / هدف هو بحد ذاته محل خلاف. يقع في نفس السياق إدعاء من نوع؛ ومَن قال أن منظمة التحرير الفلسطينية منذ 1974 من دون وظيفة / هدف عام، بذريعة أنها كانت منذ البدء تعبيراً عن الكيانية الفلسطينية ووظيفتها إعلاء شأن الهوية الوطنية الفلسطينية. ثمة مَن قَدَّم ذلك ونفخ فيه بديلاً من الوظيفة الأصلية التي التف الشعب الفلسطيني من أجلها حول منظمة التحرير الفلسطينية حين قامت، وعلى ما يبدو فإنه لم يغير رأيه هذا بعد.
لسوء الحظ أو لحسنه أن ما نحن بصدده ليس من نوع الأجسام الإجتماعية التي يمكن تبديل وظائفها وأهدافها والاحتفاظ في آن بصفتها التمثيلية السابقة نفسها. على الأقل، كيف لنا تجاوز حقيقة أن المعنى فرض المبنى، كما أن المسمى فرض الإسم فكان «منظمة التحرير»، التي لا يعود لها من اسمها نصيب بعد تحولها عن هدف التحرير ليصير إعلاء شأن الهوية الفلسطينية وإبراز كيان، معنوي أو مادي ما ليس على مقاس فلسطين كلها، و... استطراداً الفلسطينيين الذين انقسموا وما زالوا، عميقاً ومريراً ودموياً، على ذلك.
هذا ليس تقليلاً من قيمة «الهوية» أو «الكيان»، كعناوين نضالية، ولكنهما هدف لاحق يختلف تماماً وجوهرياً وأدنى مستوى عن هدف سابق وتأسيسي آخر هو التحرير. ذلك لا يعني انتقاصاً من حق الشعوب في تغيير ما يخصها، ولكن على نحو شفاف ومستقيم وبإرادتها الحرة وإجماعها الذي يحفظ وحدتها التي تعلو قيمتها فوق كل قيمة لأنها تعادل الوجود نفسه... وعليه، ما العمل؛ أملك بداية الجواب وهو أن نبدأ مع إعطاء الكلمات معانيها كيلا يكون هناك انحطاط، وبداية البداية؛ النزاهة الفكرية والأخلاقية. معها نضع الخطوة الصحيحة الأولى والأكيدة نحو رؤية جديدة للخروج من الإستعصاء الراهن والخسائر المزمنة والمتكررة.


* باحث وكاتب فلسطيني مقيم في لبنان