| 

حين يكون الحديث عن القانون الدولي، فإنه يكون من المفهوم اننا نتحدث عن القانون الذي يحكم العلاقات بين الدول ذات السيادة. اي ان الدولة هي الشخص الرئيس في القانون الدولي. ورغم ان هذا القول ما زال صحيحاً، الاّ انه تخلّى رويداً رويداً لأشخاص آخرين غير الدول وذلك اعتباراً من بدايات القرن الماضي، حيث احتلت المنظمات الدولية، مثل عصبة الامم المتحدة، اوضاعاً كأشخاص من اشخاص القانون الدولي، ثم اصبحت حركات التحرر الوطني تتقدم على المسرح الدولي وصار لها حقوق وأوضاع معترف بها في القانون الدولي، وجاءت اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكول الإضافي لعام 1977، لتمنح مقاتلي هذه الحركات اوضاعاً مميزة في الحماية حقوقاً كمقاتلين وكأسرى حرب.
إذا كان هذا صحيحاً بالنسبة إلى العديد من حركات التحرر الوطني ولا سيما الأفريقية منها، فإن منظمة التحرير الفلسطينية احتلت - ولا زالت تحتل - اكثر المواقع تقدماً وأبرزها، لدرجة انه يمكن القول إن وضع منظمة التحرير في المسرح الدولي هو أقرب ما يكون إلى وضع دولة من دون ان تنجز وضع الدولة ذات السيادة. وللقيادات التاريخية للمنظمة ان تفخر بهذا الانجاز الفريد الذي انفردت به المنظمة عن سائر اقرانها.
فعلى المستوى الدولي، احرزت منظمة التحرير انجازات في غاية الاهمية والتأثير. ففي 14/10/1974 وجهت الجمعية العامة للامم المتحدة الدعوة للمنظمة للاشتراك في المناقشات التي تجري حول القضية الفلسطينية، باعتبارها ممثلاً للشعب الفلسطيني. وبعد ذلك بخمسة اسابيع تقريباً منحتها الامم المتحدة صفة «مراقب»، ليس في جلسات الجمعية العامة فحسب، بل في جميع المؤتمرات التي تعقد تحت إشراف الامم المتحدة، والمنظمات الدولية المنبثقة عنها. وهكذا احتلت المنظمة موقع «مراقب» في حوالى سبع عشرة منظمة منبثقة عن الامم المتحدة، مثل منظمة اليونسكو والفاو ومنظمة الصحة العالمية وغيرها من المنظمات.
في 4/12/1975، حدث تطور ذو مغزى تاريخي بالنسبة إلى منظمة التحرير، اذ وجه مجلس الامن دعوة للمنظمة لحضور المناقشات الجارية في المجلس حول الغارات الاسرائيلية على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان في ذاك العام. وقد تمّ توجيه الدعوة على سندٍ من المادة (37) من اجراءات المجلس وليس على اساس المادة (39). والفرق بينهما ان الاولى مخصصة لدعوة «دوله» ليست ممثلة او عضواً في مجلس الامن، بينما تقتصر المادة (39) على دعوة أشخاص. اي ان الدعوة كانت توجه لمنظمة التحرير وكأنها «دولة». وفي 7/7/1998، صدر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بمنح المنظمة حق تقديم مشاريع قرارات تتعلق بالقضية الفلسطينية، ولكن من دون حق التصويت، وهذا تطور آخر يحمل في طياتة الاقتراب كثيراً من معاملة المنظمة وكأنها «دولة».
اما على المستوى الإقليمي، فإن إنجازات منظمة التحرير كانت اكبر من تلك الانجازات على المستوى الدولي؛ اذ انها اصبحت عضواً كامل العضوية، اعتباراً من عام 1976، في جامعة الدول العربية، ثم اصبحت عضواً على قدم المساواة مع الدول الاخرى، في مؤتمر دول عدم الانحياز ومنظمة المؤتمر الاسلامي. وإنجازات منظمة التحرير الفلسطينية لم تكن مقتصرة على المستوى السياسي والديبلوماسي، بل توسعت لتشمل مجالات اقتصادية وثقافية ومالية وعسكرية كذلك. فهي عضو كامل العضوية في الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وصندوق النقد العربي، وفي اتفاقية الترانزيت بين الدول العربية لعام 1977، وفي المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم اعتباراً من عام 1981، والاتفاقية العربية لصيد الاسماك عام 1981 وفي العديد من الاتفاقيات العربية.
وفي المجال العسكري، وقعت اتفاقية القاهرة مع الحكومة اللبنانية عام 1969 حيث استطاعت إحراز تقدم لمصلحة المقاتلين الفلسطينيين، ومع الاردن عام 1970 في أثر ما يسمى بمعارك ايلول، ومع اسرائيل (بشكل غير مباشر) عام 1982، حيث ضمنت رحيل قواتها من لبنان الى تونس، كما انها استجابت لطلب الامين العام للأمم المتحدة بوقف العمليات العسكرية في اثر صدور القرار 425 تاريخ 19/3/1978 الخاص بجنوب لبنان.
كما احرزت المنظمة اعترافات دبلوماسية مع اكثر من مئة دولة في مختلف القارات، وتراوحت هذه الاعترافات بين اعترافات كاملة بما في ذلك الحصانات والامتيازات المقررة لبعثات الدول، وبين اعترافات اقل مستوى. وتجدر الاشارة هنا الى ما ذكرتة وزارة الخارجية الاميركية في «الاعلان العام رقم 2035» الصادر بتاريخ 21/6/1994، حيث اعتبرت الوزارة مكتب منظمة التحرير في واشنطن «بعثة اجنبية» لمنظمة تمثل إقليماً او هيئة سياسية ومنحت امتيازات وحصانات دبلوماسية بموجب قوانين الولايات المتحدة باعتبارها تتمتع بوضع مراقب لدى الامم المتحدة وتمارس نشاطاً في العلاقات الدولية باسم ذلك الإقليم او الهيئة السياسية.
هذه النجاحات الباهرة لمنظمة التحرير الفلسطينية تمّ إحرازها في الوقت الذي كانت المنظمة تتمسك بميثاقها الصادر عام 1964، (وتم تعديلة عام 1968) وكان ذاك الميثاق يعلن ان اهداف منظمة التحرير هو التحرير الكامل لفلسطين التاريخية وعودة الفلسطينيين الذين هجروا من اراضيهم وديارهم قسراً، وممارسة حق تقرير المصير (المواد 9 و26 من الميثاق)، وقرر الميثاق ان اعلان بلفور وصك الانتداب وقرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الامم المتحدة عام 1947 هي وثائق باطلة ولا أثر لها (المادة 19 من الميثاق). وظلّت منظمة التحرير ممثلة للشعب الفلسطيني داخل الاراضي المحتلة وخارجها. واعتبرها الفلسطينيون ممثلة لمشروعية نضالهم وتعبيراً عن هويتهم الوطنية.
الاّ انه اعتباراً من عام 1974، بدأ العدّ التنازلي لهبوط منظمة التحرير. ففي ذلك العام، اعلن المجلس الوطني الفلسطيني الثاني عشر ان المنظمة سوف تقيم سلطة وطنية على اي ارض تنسحب عنها اسرائيل – وكان هذا هو المؤشر الاول للعد التنازلي. وفي عام 1988، اعلن المجلس الوطني الفلسطيني التاسع عشر من الجزائر ما يسمى «اعلان استقلال» دولة فلسطين طبقاً لقرار التقسيم 181 الصادر عن الامم المتحدة عام 1947. وكان «اعلان الاستقلال» هو المؤشر الثاني للعد التنازلي. ثم جاء المؤشر الثالث في اتفاقيات اوسلو لعام 1993، حيث تحوّلت منظمة التحرير من منظمة ثورية تملأ سمع العالم الى مقاول من الباطن لسلطة الاحتلال، ذلك ان اتفاقيات اوسلو ألقت على منظمة التحرير بكل الواجبات والالتزامات من دون ان تمنحها أياً من الحقوق. وقد بلغت اتفاقيات اوسلو حتى الآن ثماني اتفاقيات، لم يرد في اي منها كلمة «استقلال، حق تقرير المصير، انسحاب من اراضٍ محتله» او اي تعبير يشير الى ان المنظمة تمثل شعباً يقع تحت الاحتلال، بل العكس، لا زالت اسرائيل تمارس دور المانح وصاحبة المكارم التي عبر عنها شمعون بيرس في مذكراتة فقال: «إن الاسرائيليين يمنحون الفلسطينيين ما منحنا إياه البريطانيون في اعلان بلفور قبل سبعين عاماً أي «وطن قومي في فلسطين». وفرضت اتفاقيات اوسلو على منظمة التحرير ان تعدل ميثاقها كي يتواءم مع استحقاقات تلك الاتفاقيات، وهكذا تمّ عقد مؤتمر في غزة للمجلس الوطني الفلسطيني عام 1996 حيث – قيل آنئذٍ- إن التعديلات التي طلبتها اسرائيل قد تمّ انجازها بحضور الرئيس الاميركي بيل كلينتون. وهناك مطاعن جدية على شرعية ذلك الاجتماع.
ثمة من يتشبث بالطلب الذي تقدمت به قيادة المنظمة للانضمام الى الامم المتحدة في سبتمبر الماضي، باعتبار ان انجاز هذه الخطوة – فيما لو تمّت بنجاح - ستكون حبل النجاة للقضية الفلسطينية. والظنّ ان مثل هذا المسعى (مع الدعاء له بالنجاح في اي حال) ليس الاّ اداة ضغط على اسرائيل كي تعود إلى المفاوضات. فقد قال الرئيس محمود عباس في مؤتمر السفراء الفلسطينيين الذي عقد في اسطنبول في مطلع الصيف ان خياره الاول والأخير مع الاسرائيليين هو المفاوضات. وكرر الأقوال نفسها امام المجلس الاستشاري لحركة فتح، وأمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 23/9/2011. فإذا كان هذا هو الخيار الوحيد للقيادة الفلسطينية فإن النتيجة المنطقية تكون ان التوجه للأمم المتحدة ليس الاّ اداة ضغط على الاسرائيليين للعودة الى المفاوضات. اي ان طلب الانضمام للمنظمة الدولية ليس استراتيجية في خدمة القضية الوطنية، بل هي أقرب الى صلاة الاستسقاء، حيث يبتهل الرئيس ابو مازن الى الله ان يهدي الإسرائيليين ويعودوا إلى المفاوضات!!!
اذا كان هذا الاستنتاج صحيحاً، فإن ما تردده بعض القيادات الفلسطينية ليس إلاّ ذراً للرماد في العيون. اذ قال بعضهم إن قبول فلسطين عضواً في الامم المتحدة سوف يضع حداً لمقولة اسرائيل إن الاراضي الفلسطينية ليست اراضي محتلة بل هي اراضٍ متنازع عليها. لكن هناك العشرات من القرارات الصادرة عن مجلس الامن والجمعية العامة تكرر وتؤكد ان الاراضي الفلسطينية، بما فيها القدس الشرقية، هي اراضٍ فلسطينية محتلة. وجاء الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في قضية الجدار حاسماً في هذا الأمر، واعتبر الاراضي الفلسطينية الواقعة ما بين خط الهدنة لعام 1949 والحدود الشرقية لفلسطين الانتداب هي «اراضٍ محتله» وهذا يشمل القدس الشرقية.
ويردد البعض ان قبول فلسطين عضواً في الامم المتحدة سوف يؤكد على حلّ الدولتين بل يحمي هذا الحل من التجاوزات الاسرائيلية. وهذه مقولة أشد سذاجة من سابقتها، ذلك ان المستعمرات الاسرائيلية وجدار الفصل العنصري لم يتركا من الاراضي الفلسطينية ارضاً قابلة لقيام دولة عليها، اذ تمّ الآن تقطيع أوصال الاراضي المحتلة بحيث لا توجد هناك وسيلة لتواصل جغرافي بين جنوبي الضفة مع شمالها ولا بين الضفة الغربية وقطاع غزة. فأي «دولتين» يتحدث عنها المفاوض الفلسطيني؟
ان سلسلة الانحدارات التي اصابت منظمة التحرير الفلسطينية بدأت حين تخلّت المنظمة عن ثوابتها الوطنية كما عبّر عنها ميثاقها، وقد تمّ استدراجها الى التنازلات جراء أفكار بعض المستشرقين الفلسطينيين وسماسرة الدبلوماسية الاميركية، ولم يدرك قادة المنظمة ان اميركا ما دخلت ارضاً الاّ افسدتها وجعلت ثوابتها أوهى من بيت العنكبوت.
*عضو نقابة المحامين الأردنيين.