| 

ليس من المبالغة القول إن علاقة عرب 1948 بالحركة الوطنية الفلسطينية، قبل تأسيس منظمة التحرير، تأثرت إلى حد بعيد بما مرّ بهم من تطوّرات فكرية وسياسية - اجتماعية منذ ١٩٤٨ حتى سنة 1967. وهي فترة كانوا خلالها خاضعين لحكم عسكري إسرائيلي (استمر حتى 1966)، واتسم ببذل محاولات متعددة تهدف بكيفية ما إلى التحكّم صهيونيًا بهذه التطورات. وفي تلك الفترة عانى التنظيم السياسي الذاتي لعرب 1948 ضعفًا كبيرًا تحت وطأة عوامل موضوعية وذاتية، مع ملاحظة أن الواقع لم يفتقر إلى سجالات مثيرة في هذا الصدد، لكن حصيلتها العامة أسفرت عن رجحان كفة القوى السياسية التي دأبت على رفع لواء المساواة القومية والمدنية مع ما ينطوي عليه ذلك- ربما في العمق- من تطلع إلى الاندماج في المجتمع الإسرائيلي. وكان في طليعة هذه القوى الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح) الذي تبنى، في إثر النكبة، برنامجًا يدعو إلى «التأقلم مع الأوضاع الجديدة الناشئة».
مهما تكن الأوضاع الجديدة التي كان يقصدها الحزب الشيوعي فإن ما يهمنا منها هو:
÷ أولاً، تشريد الشعب العربي الفلسطيني، وبقاء أقلية ضئيلة منه في إطار دولة إسرائيل التي أنشئت على أنقاض وطنه؛
÷ ثانيًا، إقامة دولة إسرائيل التي خدعت العالم في «وثيقة الاستقلال» الخاصة بها بأنها سوف «تدأب على تطوير البلاد لمصلحة سكانها جميعًا، وتكون مستندة إلى دعائم الحرية والعدل والسلام... وتحافظ على المساواة التامة في الحقوق اجتماعيًا وسياسيًا بين جميع رعاياها من دون التمييز من ناحية الدين والعرق والجنس... وتكون مخلصة لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة».
ويرى الدكتور إميل توما، وهو أحد قادة «راكاح» وأهم منظريه (توفي في 1985)، أن النكبة خلفت وراءها أزمة قيادة في صفوف عرب 48، لكنها كانت أزمة عابرة إذ سرعان ما ظهرت في الساحة السياسية ثلاث قوى مثلت فئات اجتماعية وطبقية عينية، وتحركت بشكل يتوافق مع بنيتها ومصالحها. وهذه القوى هي:
1- القوى الشعبية والوطنية التي تصدّت لسياسة الاضطهاد القومي والتفرقة العنصرية، ومثلت مصالح الجماهير الكادحة في القرية والمدينة، ووقف في قيادتها الحزب الشيوعي الذي وحّد الشيوعيين العرب واليهود.
2- القوى المتعاونة مع المحافل الحاكمة، وتألفت عناصرها القيادية من أبناء أسياد الأرض والوجهاء، وتمثلت في القوائم الانتخابية التي ارتبطت في الأساس مع الحزب الحاكم- «المباي»- ومع أحزاب سلطوية أخرى- مثل حزب «مبام» وأحزاب المتدينين.
3- القوى القومية التي مثلت عناصر من القيادة القومية التقليدية، وتوجهت في نشاطها إلى البرجوازية التجارية، والبرجوازية الصغيرة والمتوسطة.
ويضيف توما أن وجود هذه القوى لا يعكس حقيقة تطور حركة «الجماهير العربية في إسرائيل» (التسمية التي يطلقها حزب راكاح على عرب 48) لأن هذه الجماهير تحركت في الاتجاه الذي مثله حزب «راكاح» وفيما بعد الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (أسست سنة 1977)، ويعني به اتجاه مقاومة سياسة الاضطهاد القومي والتفرقة العنصرية، والكفاح من أجل المساواة (الاندماج)، كما أنها ربطت بين قضاياها القومية واليومية (المدنية)، وقضايا البلاد (إسرائيل) الداخلية والخارجية.
تجدر الإشارة إلى أن حزب «راكاح»، وفي أول مؤتمر عقده بعد إقامة إسرائيل (المؤتمر الحادي عشر) في تشرين الثاني/ نوفمبر 1949، دعا إلى «الدفاع عن استقلال البلاد (إسرائيل)، والمحافظة على السلام، وإقامة نظام ديموقراطي مستقل، وصيانة حقوق الأقلية القومية العربية، وإلى حل القضية الفلسطينية برفض الضم، والاعتراف بحقوق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير المصير».
وفي مؤتمره الـسادس عشر الذي عقد في شباط/ فبراير 1969 أعلن تمسكه بمبدأ حق تقرير المصير، وطالب بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242، مؤكدًا ضرورة الانسحاب الإسرائيلي من جميع الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب حزيران/ يونيو 1967.
ومما جاء في قرارات المؤتمر: «إن إحلال السلام ممكن بالاعتراف المتبادل بالحقوق القومية المشروعة لشعب إسرائيل وللشعب العربي الفلسطيني والناجمة عن حقه الأساسي في تقرير المصير. ولما كانت الحقوق القومية لشعب إسرائيل قد تحققت، فإن الطريق إلى السلام هي باعتراف إسرائيل بحقوق الشعب العربي الفلسطيني القومية، وقبل كل شيء بحق اللاجئين في الاختيار بين العودة إلى وطنهم أو الحصول على تعويضات طبقًا لقرارات الأمم المتحدة».
في المقابل يؤكد الباحث الدكتور سامي مرعي أن دور القادة العرب في حزب «راكاح»، على أرضية «الواقع العربي الفلسطيني في إسرائيل» كان بارزًا من حيث وقاية الهوية القومية لفلسطينيي 48، من ناحية، ومن حيث زرع الفكر التحرري والاجتماعي والسياسي، في وعي الجماهير المتفتح والمتقد، من ناحية أخرى، وذلك أساسًا من خلال صحافة الحزب العربية، الأدبية والسياسية.
ويضيف مرعي في شأن متصل: «من حيث استقطابه لجماهير عربية واسعة، وطاقات ثقافية وفكرية محلية مبدعة، يعرف لحزب راكاح دوره في التأكيد على استمرارية الثقافة الفلسطينية التي كانت مهددة بالانقطاع..».
فضلا عن ذلك، كان لظهور «حركة الأرض» العربية القومية في أوائل ستينيات القرن العشرين الفائت دور مباشر ومهم للغاية في التوكيد على الهوية العربية الفلسطينية لعرب 1948. ورغم إخراجها عن إطار «القانون الإسرائيلي» فقد بقيت هذه الحركة رمزًا وذكرى تخلق ديناميكيات وتفاعلات لا يستهان بها في تصعيد الوعي القومي والثقافي وفي الصياغة الخلاقة للهوية في أعمال الوعي الفلسطيني. وهناك باحثون فلسطينيون يعتبرون «حركة الأرض» المحظورة أول «مبادرة وطنية فلسطينية تعلن الهوية من دون تردّد»، ليس في أوساط الفلسطينيين في إسرائيل فحسب وإنما «عبر جميع قطاعات الشعب الفلسطيني أينما تواجدت».

ما بعد 1967
تعتبر سنة 1967 مفصلية في تطوّر عرب 48، إذ إن حرب حزيران/ يونيو حملت مدلولات جدلية متناقضة. فمن جهة هناك احتلال إسرائيلي أخضع قطاعات كبيرة من الشعب الفلسطيني (في الضفة الغربية وقطاع غزة) لسيطرته، ومن جهة أخرى أعيد التحام هذه القطاعات مع الفلسطينيين داخل «الدولة اليهودية». وأثرت هذه النتيجة في الهوية العامة لعرب 48 الذين بدأوا تدريجاً يعرَِّفون أنفسهم بأنهم عرب بالمعنى القومي والثقافي، وبأنهم فلسطينيون بالمعنى الوطني.
وبرأي البروفسور عزيز حيدر فإنه منذ أوائل سبعينيات القرن العشرين بتنا نشهد تعزيزًا لدور الحركة الذاتية في العمليات المؤثرة في تطور أوضاع عرب 48، وفي تبلور البناء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي المتميز، الأمر الذي أسفر عن مرحلة جديدة من العمل السياسي تمثلت في تنظيم الأقلية العربية قطريًا ومحليًا، كما انعكس ذلك في تأسيس عدد من الأطر القطرية الجديدة، وفي إنشاء تنظيمات سياسية جديدة مثل الجبهة الديموقراطية (قطريًا ومحليًا)، وحركة أبناء البلد. ومع أن القاسم المشترك بين جميع هذه التنظيمات تجسد في التعبير عن الانتماء المختلف عن انتماء الأكثرية اليهودية، إلا إنها شدّدت في الوقت ذاته على المطالبة بالمساواة مع ما يعنيه ذلك من دفع عملية الاندماج في المجتمع الإسرائيلي قدمًا. وكان التيار القومي الذي مثلته حركة أبناء البلد الطرف الوحيد الذي لم يطالب بالمساواة، وكانت الفكرة الأساسية التي شكلت محور عملها السياسي هي رفض اندماج عرب 48 في إسرائيل، والمحافظة على الهوية القومية والوطنية، ورؤية مصير هؤلاء الفلسطينيين في إطار الحل القومي العام للقضية الفلسطينية.
أمّا يوم الأرض في 30 آذار/ مارس 1976 فقد شكل انعطافًا حادًا على مستوى التنظيم والعمل السياسي، وعلى مستوى التعبير عن الهوية الوطنية، وبداية المطالبة من جانب عرب 48 بالاعتراف بهم أقلية قومية. وكان ظهور «الحركة التقدمية للسلام» عاملاً أساسيًا في هذا التحوّل حيث أنها قدمت نفسها بصفتها حركة وطنية فلسطينية، وتشكل رافدًا من روافد الحركة الوطنية الفلسطينية في الخارج. وقد كان الفصيل الأهم من هذه الحركة (بقيادة المحامي محمد ميعاري) أحد المبادرين إلى تأسيس حزب التجمع الوطني الديموقراطي (قومي) مع كل من أحد فصائل حركة أبناء البلد، وحركة «ميثاق المساواة» (بقيادة الدكتور عزمي بشارة) في تسعينيات القرن الفائت، والذي يتبنى المقاربة نفسها، ويتطلع إلى إحقاق حقوق عرب 48 على أساس جمعي لا فردي.
كما ترافق هذا التحول مع تأسيس الحركة الإسلامية التي تتبنى فكر الإسلام السياسي وتشمل تيارًا براغماتيًا يدفع إلى الاشتراك في الانتخابات الإسرائيلية العامة، بما يعنيه ذلك من غاية الاندماج في المجتمع الإسرائيلي على أساس المساواة، لكنها كلها تحرص على الاشتراك في انتخابات السلطات المحلية نظرًا لما تعنيه هذه السلطات من قوة ونفوذ في مجال تعزيز قدرة المجتمع الفلسطيني في أراضي 48. ويتفق عدد كبير من الباحثين في شؤون عرب 48 على أن التيارات السياسية الرئيسة الثلاثة الناشطة في صفوف الفلسطينيين في الداخل (الشيوعية والقومية والإسلامية) يسودها إجماع على ثلاثة أمور: حل القضية الفلسطينية؛ المساواة؛ أساليب العمل السياسي الجمعي.

ما بعد أوسلـو
لعل الحصيلة الأهم لاتفاق أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية (1993)، بالنسبة إلى عرب 48، هي ترسيخ شعور الأغلبية الساحقة منهم بما اصطلح على تسميته «التهميش المزدوج»، أي التهميش على مستوى المجتمع الفلسطيني، على غرار التهميش على مستوى المجتمع الإسرائيلي. ويعتقد أكثر من باحث أن هذا الاتفاق شكل ولا يزال دعمًا قويًا للتيار الذي يدعو إلى التأقلم مع الواقع والاندماج في المجتمع الإسرائيلي، علاوة على أنه أضاف إلى هذه النزعة أمرًا جديدًا يتمثل في خفض سقف الاندماج وشروطه، إلى ناحية مماشاة شروط الأكثرية اليهودية.
وبرأي الدكتور عزمي بشارة، فقد برزت بعد هذا الاتفاق على مستوى العلاقة الداخلية الفلسطينية- الفلسطينية حقيقة أن مواطنة العرب في إسرائيل تمنحهم حقوقًا وامتيازات أعلى درجات من حقوق وامتيازات فلسطينيي المناطق المحتلة، من جهة. ومن جهة أخرى ظهرت بوادر تشي بتبلور سياسة رسمية فلسطينية تميل إلى إضفاء جانب من الشرعية على وجهة أسرلة المواطن الفلسطيني في إسرائيل، والتي (الوجهة) يُنظر إليها، على صلة بشرعنتها، باعتبارها وعاء/ أداة سياسية ضرورية لخدمة «عملية السلام»، في علاقة طردية مع التطورات الإسرائيلية الداخلية.
وهو يؤكد أن الأسرلة نجمت في البداية كمحصلة لإجراءات اغتصاب قسرية (عمليات إكراهية)، غير أنها في ظروف اجتماعية- سياسية معينة يمكن أن تغدو جزءًا لا ينفصل من الثقافة السائدة، خصوصًا عندما لا تصبح ظروف المعيشة ظروفاً ضائقة (كما في الحالة العامة للفلسطينيين في إسرائيل، مقارنة بغيرهم من قطاعات الشعب الفلسطيني، خصوصًا في الضفة والقطاع). وعندما يرتفع مستوى الدخل ومستوى الاستهلاك يصبح «الاغتصاب» أمرًا مرغوبًا في اللاوعي- إن لم يكن في الوعي التام- ويبقى التمييز العنصري موضوعًا للإحصاءات الصحيحة عن الهوة بين العرب واليهود، لا أكثر. وبالطبع هناك فارق بين تمييز يحمل في طياته خطر الموت جوعًا وبين تمييز يتيح إمكان العيش في مستوى حياة لائق مقايسة بالماضي ومقارنة كذلك بواقع الفلسطينيين في غزة وسائر المناطق المحتلة. فضلاً عن ذلك، فإن الأسرلة لا تعني أن عرب 48 أصبحوا إسرائيليين قلبًا وقالبًا أو تخلوا عن ثقافتهم القومية، بل تعني حصول تغيير في ثقافتهم بصورة تتيح شرعية الدخول في الإطار الإسرائيلي، أو بمعنى أدق تشويهها.
أمّا البروفسور عزيز حيدر فيرى أن اتفاق أوسلو أدى إلى ما يسميه «فك الارتباط بين حل القضية الفلسطينية وبين تحسن مكانة عرب 48 وأوضاعهم، والذي كان راسخًا في الفكر السياسي لدى جميع التيارات السياسية العربية في الداخل طوال خمسة عقود تقريبًا». كما أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة روجت له، وساهمت قيادات فلسطينية وعربية في ترسيخه.
وهذا الأمر حدا بعرب 48 إلى التحوّل نحو سيرورة النظر إلى أنفسهم، والبحث عن سبل المشاركة الفكرية الفاعلة في تقرير مصيرهم ومستقبلهم، وهي سيرورة مرّت بعدة مراحل، إلى أن بلغت مرحلة النضوج خلال سنتي 2006- 2007 بالتزامن مع صدور مبادرات في شأن الرؤى المستقبلية المنشودة، والتي تشكل تحولاً آخر في سياق المحاولات الرامية إلى النأي عن صيرورة تهميشهم المزدوج فلسطينيًا وإسرائيليًا.


* مدير وحدة «المشهد الاسرائيلي» في المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلية (مدار) ـ عكا.