| 

كان العام 1974 عاماً مهماً في تاريخ الشعب الفلسطيني. ففي الربع الأخير من ذلك العام، اعترفت قمة الرباط العربية بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني. وبعد القرار بأيام، خاطب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الجمعية العامة للأمم المتحدة، ليكون بذلك أول متحدث رسمي باسم الشعب الفلسطيني أمام هذه الهيئة الدولية. هذه التطورات لم تلقَ ترحيباً لدى الإدارة الأميركية. فقد بذل هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأميركي آنذاك، كل جهده عشية القمة مع عدد من الدول العربية للحؤول دون الاعتراف بالمنظمة. كما استمر بعد القمة في جهوده لمحاصرة المنظمة.
كان كيسنجر قد بدأ التعاطي المكثف مع الصراع العربي - الإسرائيلي ابان حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، حيث أشرف، من جهة، على تأمين أوسع دعم تسليحي لإسرائيل خلال الحرب وبعدها، لمنع تحقيق الجانب العربي انتصاراً عسكرياً واضحاً، كما عمل بعد الحرب لمنع التثمير السياسي لهذا الإنجاز العربي الجزئي. وهو ما فعله عبر ترتيب خطوات فك الإشتباك بين الأطراف المتحاربة، انتهت بفك اشتباك ثانٍ بين مصر وإسرائيل في 4/9/1975، شكّل تهيئة لصفقة منفردة لاحقة بين مصر وإسرائيل. كما خطّط وعمل كيسنجر، قبل الحرب وبعدها، على تحجيم دور الإتحاد السوفياتي في المنطقة وضمان الاستئثار الأميركي بمتابعة تسوية الصراع العربي - الإسرائيلي.
وفي السياق ذاته، بذل جهده لمنع عقد مؤتمر دولي، والحؤول دون مشاركة منظمة التحرير فيه. وقدم لرئيس الحكومة الإسرائيلية، إسحق رابين، في صفقة فك الاشتباك الثاني بين إسرائيل ومصر عام 1975، رسالة تعهد سرية تؤكد التزام واشنطن بعدم فتح حوار مع منظمة التحرير أو الاعتراف بها إلا بعد أن تقبل قراري مجلس الأمن الدولي رقم 242 و338 وتعترف بحق إسرائيل في الوجود. وأضاف الكونغرس الأميركي، في أواسط الثمانينيات، شرطاً ثالثاً وهو «نبذ الإرهاب». وهذه الشروط تمسكت بها جميع الإدارات الأميركية اللاحقة.
وكان واضحاً ان إلزام م.ت.ف. بهذه الشروط يشكل عملياً نزعاً لأهم الأسلحة التي بيد المنظمة. فقرار مجلس الأمن 242 لا يشير إطلاقاً الى الشعب الفلسطيني أو الى الحقوق الفلسطينية. والإشارة الوحيدة فيه التي لها صلة بالشعب الفلسطيني نوعاً ما جاءت في البند الذي يتحدث عن ضرورة «إنجاز حل عادل لمسألة اللاجئين»، من دون تحديد هوية هؤلاء اللاجئين. وهذا الغموض كان مقصوداً في حينه لإرضاء إسرائيل. وقد أفصح المتحدثون الإسرائيليون لاحقاً عن أن الصيغة تشمل أيضاً «اللاجئين اليهود» الذين جاءوا الى إسرائيل من الدول العربية بعد العام 1948. والقرار 338 الذي صدر في نهايات حرب 1973 يكتفي بالتأكيد على البدء بتنفيذ القرار 242 والشروع في التفاوض بهدف إنجاز «سلام عادل ومستدام في الشرق الأوسط»، من دون أي إشارة الى الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير.
وفي مفاوضات كامب ديفيد المصرية - الإسرائيلية التي جرت في أيلول/سبتمبر 1978 برعاية الولايات المتحدة، أصرّ رئيس الحكومة الإسرائيلية مناحيم بيغن على استبعاد مشاركة منظمة التحرير وحتى أي فلسطيني من خارج الضفة الغربية وقطاع غزة، أو حتى من القدس، في المفاوضات اللاحقة المنصوص عليها في اتفاق الإطار المتعلق بمصير الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي أصر بيغن في أثناء المفاوضات وبعدها على اعتبارها «أراضٍ محررة»، وفق تعبيره. كما تمسّك بـ«حق» إسرائيل اللاحق، بعد المرحلة الانتقالية للحكم الذاتي، بضم هذه المناطق. أي انه كان يرى في الحكم الذاتي حلاً نهائياً. وهو الموقف الذي التزمه قادة الليكود الذين خلفوه.
وفي داخل الأراضي المحتلة، تعرض رؤساء البلديات المنتخبون في الضفة الغربية المحتلة في العام 1976 والمناصرون لمنظمة التحرير للإضطهاد والملاحقات، وتمت إقالة ثمانية منهم في العام 1982. وجرت محاولات لاصطناع بدائل من م.ت.ف.، خاصة من خلال صيغة «روابط القرى» المرتبطة بالاحتلال. وكان آريئيل شارون، وزير الزراعة بين العامين 1977 و1981، متحمساً لها. ثم بعد أن أصبح وزيراً لـ«الدفاع» في آب/أغسطس 1981، توّج سياسة محاربة منظمة التحرير بشن الحرب الشاملة على قواتها ووجودها في لبنان، وعلى لبنان ذاته، في 6 حزيران/يونيو 1982، بضوء أخضر من إدارة رونالد ريغن الأميركية ووزير خارجيته الكسندر هيغ، الذي التقاه شارون في واشنطن يوم 25/5/1982.

مشروع ريغان
بعد أن أفشل الصمود الفلسطيني واللبناني الوطني طوال ثلاثة أشهر من الحرب ومن الحصار الإسرائيلي لبيروت الغربية مشروع شارون الأساسي الهادف إلى «القضاء على منظمة التحرير» وعلى قادتها، تواصلت جهود الولايات المتحدة، بعد اتفاق خروج قوات منظمة التحرير من لبنان، للإستثمار السياسي لهذا «الإنجاز» الإسرائيلي. وقبل أن تستكمل القوات الفلسطينية مغادرة لبنان، طرح الرئيس الأميركي ريغن مشروعه الشهير في 1/9/1982 والقاضي بحل المسألة الفلسطينية من خلال صيغة تجعل الأردن الطرف الذي ترتبط به الأراضي التي يمكن أن تنسحب منها إسرائيل بعد المرحلة الانتقالية، مع إشارة غائمة الى «الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني»، غير المحددة، بعد أن نص المشروع على استبعاد قيام دولة فلسطينية مستقلة، وأغفل تماماً ذكر منظمة التحرير. وعلى رغم تقاطع هذا المشروع مع كثير من المواقف الإسرائيلية، إلا ان مناحيم بيغن قام برفضه بحدة. لكن بعض الأفكار الواردة فيه ستعود الى الواجهة في مرحلة لاحقة.
بعد تأليف الحكومة الإسرائيلية الائتلافية غداة انتخابات الكنيست في العام 1984 وتولي زعيم حزب العمل شمعون بيريس رئاسة هذه الحكومة بين العامين 1984 و1986، ثم وزارة الخارجية حتى العام 1988، تحت رئاسة إسحق شامير، زعيم الليكود الجديد، تكثفت الجهود الإسرائيلية للتعاطي مع الأردن كبديل من المنظمة. ونشط بيريس خلال هذه السنوات في محاولة عقد صفقة مع الأردن بشأن الأراضي المحتلة، وهي محاولة لم تثمر، وجمّدها اندلاع الانتفاضة الشعبية الفلسطينية في الأراضي المحتلة في أواخر العام 1987، ثم قرار الأردن بفك الارتباط الإداري مع الضفة الغربية المحتلة في أواسط العام 1989.
ترافقت «عصا» القمع الإسرائيلي للإنتفاضة في الأراضي المحتلة مع تجدد التحركات الأميركية للحؤول دون ترجمة إنجازات الانتفاضة الى رصيد سياسي، حتى بعد صدور «إعلان الاستقلال» في دورة المجلس الوطني الفلسطيني التي التأمت في الجزائر في تشرين الثاني/نوفمبر 1988، واعتراف أكثر من مئة دولة بهذا الإعلان. وتواصلت محاولات الضغط على قيادة منظمة التحرير للقبول بالشروط الأميركية الثلاثة مقابل «جزرة» فتح حوار أميركي معها. وهو ما تحقق أخيراً في 14/12/1988 حين أعلن رئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة في مؤتمر صحافي في جنيف قبوله هذه الشروط، فبدأت واشنطن الحوار مع المنظمة من خلال سفيرها في تونس روبيرت بيليترو. لكن هذا الحوار لم يقد طوال أكثر من عام الى أي نتيجة ملموسة. وقرر الرئيس الأميركي الجديد جورج بوش الأب، في 20/6/1990، وقف الحوار، متذرعاً بمحاولة إنزال زورق مطاط للفدائيين على شواطئ تل أبيب في 30/5/1990، وهو ما اعتبرته واشنطن خرقاً لالتزام المنظمة وقف «الإرهاب». ومن المنطقي الافتراض أن إدارة بوش - بيكر لم تجد أطراف الصراع في أواسط العام 1990 «ناضجة» لتسوية يمكن أن تنجزها.

مؤتمر مدريد
تجمدت بعد ذلك المساعي السياسية الأميركية الى ما بعد الحرب التي قادتها واشنطن على العراق بعد أشهر على اجتياح قواته الكويت في آب 1990. وكانت هذه الأزمة قد أحدثت انقساماً واسعاً بين الأطراف الرسمية العربية، بين مؤيد ومعارض للعراق.
وشكّل هذا الانقسام العربي، ومن ثم الضربة الموجهة للقوة العسكرية العراقية، «نافذة فرص»، على حد تعبير بوش الأب في خطابه أمام الكونغرس يوم 6/3/1991، بعد أيام قليلة على نهاية الحرب، من أجل تسوية الصراع العربي - الإسرائيلي، خاصةً أن الولايات المتحدة كثّفت حضورها العسكري في منطقة الخليج الاستراتيجية، ورفعت عن إسرائيل التهديد الذي أشاعت تل أبيب أن العراق يشكله عليها. في حين وجدت منظمة التحرير نفسها، وهي التي اتخذت قيادتها موقفاً مؤيداً للعراق، في موقف ضعيف بعد ضرب العراق وبعد إجراءات الدول الخليجية، وخاصة الكويت، بوقف المساعدات المالية للمنظمة، وخروج أو إخراج مئات الآلاف من المواطنين الفلسطينيين من الكويت، ومن دول خليجية أخرى. هذا في وقت كان فيه الاتحاد السوفياتي، الحليف الدولي الكبير للفلسطينيين ولبعض الدول العربية، في حالة تحلل وغياب وزن، وعلى أبواب التفكك النهائي.
في هذا المناخ، اعتبرت الإدارة الأميركية أن الظروف «نضجت» لدفع الأطراف العربية، والطرف الفلسطيني خاصةً، للقبول بما لم تكن المنظمة تقبل به قبل ذلك. فأعدت للمؤتمر الذي عقد أولى جلساته في مدريد يوم 30/10/1991. وفُرضت فيه على منظمة التحرير صيغة تمثيل في إطار وفد أردني - فلسطيني مشترك وعبر ممثلين من الضفة الغربية وقطاع غزة، من دون القدس، وذلك استجابة من واشنطن لشروط شامير للمشاركة في المؤتمر. وكان واضحاً في كلام جيمس بيكر مع الوفود العربية قبل عقد المؤتمر ان الولايات المتحدة تعاملت مع الأطراف العربية كلها، مهما كان موقفها من الحرب على العراق، على أنها في المعسكر المهزوم، وأن المنتصر الوحيد في الحرب هو الولايات المتحدة. وتم اعتبار منظمة التحرير طرفاً مهزوماً بشكل مضاعف.
ونقل القيادي الفلسطيني الراحل ممدوح نوفل في كتابه «الانقلاب» عن رئيس منظمة التحرير ياسر عرفات قوله في نهاية أحد الاجتماعات القيادية قبل مؤتمر مدريد بأيام: «إنهم (ويقصد الأميركيين) يريدونني أن أكون ذكر النحل الذي يلقح مرة واحدة ثم يموت». والصيغة هنا تتعلق بمنظمة التحرير، كما أوضح عرفات في الحديث ذاته.

اتفاق أوسلو
تُرك الطرف الفلسطيني المفاوض بعد ذلك في مواجهة تعنت الطرف الإسرائيلي طوال المفاوضات الثنائية التي عُقدت في واشنطن واستمرت زهاء العامين، من دون الوصول الى أي نتيجة. وفي أواخر آب/أغسطس 1993، كُشف عن التوصل الى اتفاق بعد مفاوضات سرية جرت في العاصمة النرويجية أوسلو بين ممثلين عن قيادة م.ت.ف. ومندوبين عن الحكومة الإسرائيلية الجديدة التي شكّلها حزب العمل بعد فوزه في انتخابات الكنيست في أواسط العام 1992. وقبل التوقيع الرسمي على اتفاق أوسلو في 13 أيلول/سبتمبر 1993، جرى تبادل رسائل الاعتراف بين رئيس منظمة التحرير ياسر عرفات ورئيس الحكومة الإسرائيلية إسحق رابين. وبينما تضمنت الرسالة الفلسطينية الموجهة يوم 9/9/1993 اعترافاً باسم م.ت.ف. بـ«حق دولة إسرائيل في الوجود بسلام وأمن»، اقتصرت رسالة اسحق رابين في اليوم التالي على الإبلاغ بقرار حكومة إسرائيل «الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً للشعب الفلسطيني، وبدء المفاوضات مع م.ت.ف. ضمن إطار عملية السلام في الشرق الأوسط». وحتى يزيل أي التباس، أوضح رابين في مقابلة مع صحيفة «دافار»، نُشرت في 29/9/1993، أنه تحدث قصداً عن «الاعتراف بـ م.ت.ف. ممثلاً للشعب الفلسطيني، وليس الممثل الوحيد». ما يعني بوضوح أنه لم يسلّم بمبدأ الاستقلالية الفلسطينية. وهو ما أوضحه في المقابلة ذاتها حين قال إن «موقفنا يعارض إقامة دولة فلسطينية بيننا وبين الأردن»... وأضاف في شأن تصوره لـ«التسوية الدائمة» بأنه يراها «نوعاً من الاندماج بين دولتين، إسرائيل والأردن، وكياناً فلسطينياً، هو أقل من دولة». وهو رأي عاد وكرره في خطابه أمام الكنيست بعد التوقيع على اتفاق أوسلو -2 في أواخر أيلول/سبتمبر 1995، حين تحدث عن كيان فلسطيني هو «أكثر من حكم ذاتي وأقل من دولة». وعملياً، فإن رابين تبنى صيغة معدلة لـ«خطة ألون» المشهورة التي طُرحت أول مرة في الحكومة الإسرائيلية في تموز/يوليو 1967.
ما جرى بعد العام 1993 يُظهر كم كان «التنازل» الإسرائيلي في اتفاق أوسلو محسوباً ومضبوط النتائج، وكم كان التركيز الإسرائيلي والأميركي قبل الاتفاق وبعده على استغلال تراجع وضع منظمة التحرير ومجمل المنطقة العربية. لكن الأميركيين والإسرائيليين أغفلوا في حساباتهم، من جهة، مدى تمسك الشعب الفلسطيني، في وطنه وخارجه، بحقوقه الأساسية، ومدى استعداده لتحمل المزيد من التضحيات في سعيه لإزالة الظلم الهائل الذي أُلحق به منذ العام 1948، أكان ذلك من خلال منعه من ممارسة حقه في تقرير مصيره في وطنه، أو من خلال تشريد معظم مواطنيه خارج وطنهم وديارهم. ومن جهة ثانية، أغفلوا أن تهلهل الوضع العربي ليس قدراً أبدياً، كما يتضح الآن عبر النهوض الشعبي العربي العارم في المنطقة. وكلا العاملين، بالضرورة، مترابطان.


* كاتب فلسطيني مقيم في رام الله.