| 

إن المراجعة النقدية السريعة، للمواقف الفلسطينية والعربية والصهيونية خلال عامي 1946 و1948، وكذلك معطيات الوضع الدولي عموما، من شأنها أن تدلل على حقيقة استحالة التعايش الصهيوني، الفلسطيني في إطار إداري - سياسي واحد، وكذلك استحالة إيجاد حل دولي يقوم على تقسيم فلسطين بين الفلسطينيين والصهيونيين، على غرار قرار تقسيم فلسطين الذي سبق للجمعية العامة للأمم المتحدة أن اتخذته في 29/11/1947.
ويعود ذلك لأسباب متشابكة ومعقدة في آن، فقد كانت الحركة الصهيونية ذات نزعة شوفينية عنصرية بلغت من القوة والتمكن، ما جعلها ترفض أي حلول تقسيمية، وساعدها على ذلك تأييد دولي واسع، قابله ضعف داخلي فلسطيني خاصة، وعربي عامة.
لو افترضنا الآن السؤال التالي: لو وافقت القيادة الفلسطينية آنذاك على قرار التقسيم، هل كانت ستقبله الحركة الصهيونية؟!
إن الدلائل كافة تشير إلى استحالة ذلك. وفي المقابل، لم تكن القيادة الفلسطينية، قادرة على القبول بتقسيم الوطن الفلسطيني الموحد، ولم يكن الشارع السياسي الفلسطيني سيسلم بقبول ذلك في أي حال.
حسمت الحرب العربية الإسرائيلية الصراع الميداني العسكري، الأمر الذي جعل الحركة الصهيونية دولة معترفاً بها، وعلى حدود أوسع مما تضمنه مشروع التقسيم، كما شكل قيام إسرائيل زلزالاً أصاب الكيانية السياسية الفلسطينية إجمالاً. ومن بقي في فلسطين، خضع للأحكام العسكرية الإسرائيلية ولقوانينها الجائرة، وتم إلحاقه بالمواطنة الإسرائيلية رغماً عنه، ومن طرد وهجر من دياره، تشرد في الضفة الغربية وقطاع غزة، والأقطار العربية المجاورة: مصر وسوريا ولبنان والأردن والعراق وغيرها من الدول، وأصبح لاجئاً فاقداً أرضه ووطنه ومصدر رزقه، وبرزت الحاجة للرعاية الدولية لإعانته، فكان الصليب الأحمر، ثم وكالة غوث اللاجئين. وكان المكان الفلسطيني الوحيد المتاح أمام الزعامة الفلسطينية برئاسة الحاج أمين الحسيني هو غزة، فتمترس فيها رافضا الهزيمة، ومصرا على إنشاء الكيان السياسي الفلسطيني، والحكومة الفلسطينية، وقد تمكن فعلا من تأسيس حكومة عموم فلسطين، وفي ذلك دلالة واضحة على عدم إقرار القيادة الفلسطينية بما جرى عمليا وميدانيا. لكن محاولة إقامة حكومة عموم فلسطين فشلت على الرغم من التأييد المصري لقيامها، نظراً لسيطرة إمارة شرق الأردن على الضفة الغربية، ومنع نشاط حكومة عموم فلسطين، ونجاح الملك عبد الله في إقناع وجهاء فلسطينيين بارزين في «توحيد الضفتين»، تحت مسمى المملكة الأردنية الهاشمية. وفي ما بعد تم إفراغ حكومة عموم فلسطين من محتواها السياسي، وبدأت السلطات المصرية بفرض الإدارة العسكرية على القطاع. مقابل ذلك، انعقد مؤتمر أريحا في الأول من كانون الأول (ديسمبر) 1948، وأقر سبع نقاط، كان أبرزها، النقطة الرابعة التي جاء فيها: «يبايع المؤتمر جلالة الملك عبد الله على فلسطين كلها، ويحيي جيشه الباسل والجيوش العربية التي حاربت، ولا تزال في فلسطين».
بعد إبعاد الحاج أمين من غزة، وتفريغ حكومة عموم فلسطين من محتوياتها كافة، وبعد ضم الضفة الغربية إلى شرق الأردن، وقيام المملكة الأردنية الهاشمية، وخضوع من بقي من الفلسطينيين في ديارهم للسيادة الإسرائيلية وقوانينها، يمكن القول إن مرحلة من الاستلاب السياسي والوطني، باتت سائدة فلسطينياً، في ظل غياب أي كيانية سياسية تجسد إرادة الفلسطينيين.
خلال تلك الأعوام، 1948 ـ 1964، أي في سنوات استلاب الشخصية الوطنية الفلسطينية، عانى الفلسطينيون في الشتات والمهاجر العربية، أقسى أنواع الحرمان السياسي، وتم منع الحاج أمين الحسيني، كونه رمزاً للوطنية الفلسطينية، من زيارة التجمعات الفلسطينية، والالتقاء المباشر مع أبناء الشعب الفلسطيني.
وخلال تلك السنوات العجاف، عمل الفلسطينيون على المشاركة السياسية في أحزاب قومية وأخرى شيوعية وإسلامية، كما راحت روابط للطلبة تتشكل منذ الخمسينيات، لعل الأبرز والأهم هو تشكيل فصائل العمل الوطني المسلح السري في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، ومنها حركة فتح.
شكلت حركة القوميين العرب وحزب البعث العربي الاشتراكي، الحركتين الأهم للفلسطينيين من حيث الانتماء والتطور، كما تشكلت قوى عسكرية سرية كان أهمها جبهة التحرير الفلسطينية. تمكنت «فتح»، وهي في الأساس مجموعة من قوى طالبية تبلورت في الروابط العربية والأوروبية، من دفع كوادر تلك الروابط للتلاقي، وأخذت بتشكيل تيار وطني عريض، تمت تسميته «فتح»، التي سبق لها أن أصدرت صحيفة «فلسطين - نداء الحياة» في بيروت في سنة 1959، وكانت دمشق أول محطة عملت فيها، وتلاقت مع القوى وتفاعلت معها، ومنها قامت بتنفيذ عملية نفق عيلبون في 1/1/1965.
تمكنت «فتح»، عبر طرحها الوطني العريض، وعدم انتمائها إلى تيار فكري عقائدي محدد، ولتمكنها من تنفيذ أول عملية عسكرية فلسطينية ضد هدف إسرائيلي، من أن تكتسح الشارع وتنال ثقته، على الرغم من أن هناك قوى سياسية وعسكرية سبقتها في طرح الكيانية السياسية، وطرح شعار تحرير فلسطين، وأبرزها: حركة القوميين العرب. ومع ذلك تحولت «فتح» إلى قوة شعبية وسياسية لا يمكن تجاهلها أو الوقوف في وجهها، على الرغم من المحاولات الدؤوبة لتشويهها وتشويه قيادتها، لدرجة أن البعض وصفها حينذاك بأنها «صنيعة حلف الناتو»!!
لعل عوامل عدة ساعدت على بروز الكيانية السياسية الفلسطينية وتبلورها، وظهورها إلى العلن، وأول تلك العوامل، تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية. وبهذا التأسيس عادت مسألة إحياء الكيان السياسي الفلسطيني لتطرح من جديد، وتشجعت قوى وشخصيات وهيئات فلسطينية، لتأسيس فصائل واتحادات ونقابات، والإسهام مجدداً في نهوض الكيانية السياسية. أما العامل الثاني، فكان يكمن في الروح القومية، التي كان الرئيس جمال عبد الناصر يقف وراءها ويغذيها. والعامل الثالث، كان أساسه التمسك الفلسطيني بالوطن، واعتبار ما حدث في العام 1948، هزيمة. وبالتالي، كانت أجواء التجمعات الفلسطينية، خاصة في لبنان، مهيأة للتضحية والفداء والمشاركة الشعبية للتحرير. فكانت منظمة التحرير الفلسطينية، الإطار الأمثل لذلك، وكانت الفصائل على اختلافها وتنوعها واختلاف اتجاهاتها، السبل المؤدية لقيام كيان المنظمة.


* أكاديمي وكاتب فلسطيني مقيم في رام الله.