| 

لا تزال منظمة التحرير الفلسطينية الغائب الأكبر عن الجدل الدائر حول حل السلطة، أو إعادة تسليم المفاتيح، كلها أو بعضها إلى سلطات الاحتلال الإسرائيلي؛ وهو غياب لا يقتصر على تصدر عملية التقويم والدراسة وصنع القرار، بل يمتد ليطال دور المنظمة «المفترض» في سياق ما يطرح بشأن مستقبل السلطة. ينحصر معظم النقاش الحالي في مصير «الخدمات» التي تقدمها سلطة الحكم الذاتي، ويحفزه شبح الانهيار المتوقع في ظل عقوبات اقتصادية ومالية قد تفرضها الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأميركية، بما يجعل الشلل في قدرة مؤسسات السلطة على تقديم الخدمات للمواطن الفلسطيني، وصرف رواتب موظفيها تحصيل حاصل.
هناك من يطرح خيار «حل السلطة»، أو إعادة التخلي عن صلاحياتها في بعض القطاعات، في سياق الاستعداد لطلب إخضاع الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967 للوصاية الدولية، من دون أن يكلف نفسه عناء قراءة الفصل الثاني عشر من ميثاق الأمم المتحدة في شأن «نظام الوصاية الدولي»، من حيث مدى انطباقه على حالة الأراضي الفلسطينية، أو دور سلطة الاحتلال في تحديد شروط نظام الوصاية نفسه، إذ تحدد المادة (77) من هذا الميثاق «الأقاليم» التي يمكن أن يشملها نظام الوصاية على النحو التالي: الأقاليم المشمولة الآن بالانتداب، والأقاليم التي قد تقتطع من دول الأعداء نتيجة للحرب العالمية الثانية، وأخيرا الأقاليم التي تضعها في الوصاية بمحض اختيارها دول مسؤولة عن إدارتها. وتنص المادة (78) على أنه «لا يطبق نظام الوصاية على الأقاليم التي أصبحت أعضاء في الأمم المتحدة، إذ إن العلاقات بين أعضاء هذه الهيئة يجب أن تقوم على احترام مبدأ المساواة في السيادة».
ويشكل التضارب والتناقض في تصريحات بعض المسؤولين الفلسطينيين، بين قرارات مرتقبة بشأن حل السلطة، أو التصريحات الغريبة عن تسليم قطاعي الصحة والتعليم وغيرهما إلى سلطات الاحتلال وتأجيل الأمن إلى فترة لاحقة، أو عن قرارات «ستغير وجه منطقة الشرق الأوسط»، أو طلب الوصاية الدولية، تعبيراً عن استمرار التملص من الاستحقاق الأهم، وهو تقويم مسار العلاقة بين منظمة التحرير وسلطة الحكم الذاتي المنقوص، التي وصل إلى مشروع تحويلها إلى دولة ذات سيادة على أرض الواقع إلى طريق مسدود بموجب مسار اتفاق أوسلو، وكذلك الحال بالنسبة لمشروع تحويلها إلى دولة من دون سيادة في مجلس الأمن. والأدهى أنه بينما يتصاعد التلويح بخيار حل السلطة، أو إعادة نقل بعض صلاحياتها لسلطة الاحتلال، يتمسك الرئيس محمود عباس وحركة فتح بالمطالبة بإجراء انتخابات رئاسية تشريعية في موعد أقصاه أيار 2012، وفق اتفاق المصالحة الموقع في 27 نيسان الماضي، بما يعنيه ذلك من المد بحياة السلطة والوضع القائم لأربع سنوات جديدة!
لوعلى الرغم من ذلك، تعكس هذه التصريحات ـ على تناقضها ـ شعوراً بالمأزق الذي آلت إليه السياسة التي راهنت على اتفاق أوسلو كممر نحو الدولة، فظلت أسيرة نتائجه التي قسمت الجغرافيا والشعب وحولت منظمة التحرير إلى مجرد «دائرة» تتبع للسلطة. وبذلك، فإن مجمل الخطوات التي يعلن عنها مسؤولون فلسطينيون، بما فيها الدعوة إلى حل السلطة أو «التخلص» من بعض أعبائها وإلقاؤها في وجه الاحتلال، إنما تعني السعي بشكل أو بآخر لتغيير الوضع الراهن في ظل انسداد أفق التوصل إلى حل وطني للمسألة الفلسطينية، بما ينطوي على استمرار هذا الوضع، مع تحجيم دور السلطة إلى أقل من بلدية كبرى كما كانت حتى العام 2000، مع مزايا تحول الاحتلال إلى احتلال «خمسة نجوم»، بل تسهر على أمنه أجهزة الأمن الفلسطينية، بعد سقوط الرهان على إمكانية بناء مؤسسة أمنية وطنية في ظل الاحتلال وبالتنسيق معه.
كن المشكلة لا تزال تكمن في حصر التفكير السياسي الفلسطيني ضمن إطار تحسين شروط اللعبة، وليس وضع أسس لالتقاط زمام المبادرة في سبيل تغيير اللعبة وقواعدها لا تحسين شروطها. ولا يبدو ممكنا تغيير اللعبة بمعزل عن تغيير الأدوات الفلسطينية المستخدمة فيها، والسياسة التي توظف الأدوات الفلسطينية لتحقيق أهدافها، أي إعادة النظر في بنية منظمة التحرير والسلطة ودوريهما والعلاقة بينهما، والاستراتيجية التي تحكم أداءهما.

البديل الوطني
أدى ما سبق إلى استمرار تراجع دور الحركة الوطنية، ومختلف فئات المجتمعات الفلسطينية في الوطن والشتات، في التحكم بالمسار القادر على تغيير اللعبة برمتها، انطلاقا من التحلل من قيود والتزامات اتفاق أوسلو، والتوافق على استراتيجية شاملة للنضال الوطني الفلسطيني، تقودها منظمة التحرير الفلسطينية بعد إعادة بنائها لتشمل جميع الأطياف الفلسطينية، وتعبر بحق عن التمثيل الشرعي الجمعي لجميع الفلسطينيين. ولا يمكن توفير شروط ومقومات إطلاق هذا المسار من دون إعادة النظر في وظائف السلطة في الضفة الغربية وفي بنيتها ودورها، فضلا عن التفكير الجدي في مسار الكيان/ السلطة قيد التشكل في قطاع غزة بمركباته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
ويعني ذلك أن أي خيار استراتيجي يتعلق بمستقبل السلطة (في الضفة والقطاع)، بما في ذلك حلها أو انهيارها، ينبغي أن يأخذ في الاعتبار بناء البديل الوطني القادر على استمرار تمثيل الشعب الفلسطيني، ولا سيما في الأراضي المحتلة، من خلال منظمة التحرير، فلا يمكن لأي قيادة أن تختار الانسحاب من دورها التاريخي في قيادة شؤون شعبها، وهو محظور لم تنزلق إليه منظمة التحرير قط قبل قيام سلطة الحكم الذاتي، بل إن المنظمة قاتلت طيلة الفترة التي سبقت توقيع اتفاق أوسلو في سبيل تعزيز دورها القيادي في إدارة شؤون قطاعات المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال، بدءا من البلديات، مرورا بلجنة التوجيه الوطني في السبعينيات، والقيادة الوطنية الموحدة واللجان الشعبية إبان الانتفاضة الأولى، وليس انتهاء بقطاع التربية، ومجلس التعليم العالي، والجامعات التي كانت تخصص لها منظمة التحرير موازنة دعم دائمة، إضافة إلى رعاية أسر الشهداء والجرحى والمعتقلين.
في ضوء ذلك، تتعزز مبررات التركيز على إعادة بناء الحركة الوطنية في إطار منظمة التحرير، عبر توجيه الجدل الداخلي والتفكير الاستراتيجي نحو دراسة خيار إعادة تشكيل وظائف السلطة ودورها في ظل انسداد الأفق أمام خيار الدولة المستقلة ذات السيادة، وفي مواجهة «دويلة الكانتونات» التي يدفع نحوها تطور المشروع الصهيوني، من خلال إعادة تشكيل بنيتها ودورها ووظائفها خلال فترة انتقالية، يتم التوافق عليها وطنيا، بالتحلل من معظم التزامات اتفاق أوسلو، ولا سيما الاقتصادية والأمنية، والعمل خلال هذه الفترة على إعادة نقل صلاحيات السلطة إلى منظمة التحرير، بدلا من تسليمها إلى سلطة الاحتلال، بما يحول أي خطوة تتعلق بمستقبل السلطة إلى أداة في استنهاض الكفاح الفلسطيني، ولا سيما إذا تم اعتماد خيارات استراتيجية أخرى تنطلق من حقيقة عدم وجود حل وطني للمسألة الفلسطينية على الأبواب، وأن تحقيق هدف إقامة الدولة المستقلة ليس على مرمى حجر، بل مستحيل قبل إنهاء الاحتلال.
ولا شك في أن خيـــار إعــادة تشكيل السلطة من حيث الهيكل والدور والوظائف خلال فـــترة انتقالية ينطلق من حقيقة أن جميع الخيارات المتاحــة ينطوي على مخاطر، ولكن أقلها تكلفة في الظروف الراهنـــة هو إعادة تشكيل السلطة كمرحلة انتقالية تتيح إمكانية إنهاء الانقسام الداخلي وإعادة بناء حركة التحرر ذاتها في ظـــل انسداد أفق ما يسمى «حل الدولتين» وفق برنامج منظمة التحـــرير، واستمرار الحصار والاستيطان والضغوط الإسرائيلية والأمـــيركية، ومحاولات إطلاق عملية تفاوضية عبثية توفر غطاء سيـــاسيا لمخططات عدة ليس أقلها إعادة إنتاج «سايكس بيكو» جديدة تجهض أهداف الربيع العربي، وربما بناء الخيار العسكري ضد إيران، ومعها أو قبلها أو بعدها، قطاع غزة ولبنان. لذلك، يبدو الخيار الأقل تكلفة هو توفير الوقت اللازم لتقويم الإستراتيجية الفلسطينية وآليات فعلها، عبر حوار وطني شامل، والتوافق على تفعيل الإطار القيادي الموقت لمنظمة التحرير، خلال الفترة الانتقالية.

أهمية الإطار القيادي
إن تفعيل الإطار القيادي الموقت المتوافق عليه ضمن اتفاق المصالحة من شأنه أن يفتح المجال ليس أمام إمكانية تفعيل دور المنظمة فحسب، بل أن يطرح على طاولة الحوار والقرار الوطني التوافقي العديد من الأفكار، وفي مقدمتها ضرورة الخروج من دائرة تشكيل الحكومة تلو الحكومة في مجتمع ما قبل الدولة، سواء في الضفة أو القطـــاع، والتفـــكير في تشكيل قيادة وطنية موحدة في الضفة والقطاع تتبع للإطار القيادي لمنظمة التحرير، وتوكل إليها مهمات إدارة شؤون المجتمع/ المجتمعات الفلسطينية، ودراسة سبل إجراء انتخابات للمجلس الوطني حيث أمكن في الوطن والشتات خلال فترة عمل الإطار القيادي المؤقت، وإعادة النظر في البيئة القانونية المنظمة لحياة الفلسطينيين لتتماشى مع متطلبات المرحلة المقبلة.
والنتيجة الحتمية لذلك، هي حل كل من الحكومتين القائمتين حاليا في كل من الضفة والقطاع، وعدم الحاجة أصلا لتأليف حكومة جديدة، واستبدالها بالقيادة الوطنية الموحدة، وهو مسار يقتضي أيضا إلغاء منصب رئيس السلطة، والاكتفاء بمنصب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، الذي يحمل صفة رئيس «دولة فلسطين».
ويختلف هذا الخيار عن «حل السلطة» وتسليم مفاتيحها المتداول حاليا، في كونه لا يخلق فراغا يملؤه الاحتلال، وذلك عبر تسليم مفاتيح سلطة قيادة شؤون المجتمع وإدارته إلى منظمة التحرير، فهو يتمسك بإحياء دور منظمة التحرير والحركة الوطنية، من خلال تفكيك بعض أجزاء السلطة التي تشكل عبئا على مسيرة التحرر الوطني، خصوصا إلغاء الحكومة ومناصبها «الوزارية» القائمة حاليا، مع الحفاظ على الهيكل الأدنى وتحويل المسؤولية عنه إلى قيادة وطنية موحدة تكون مرجعيتها اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد إعادة بنائها.
ومن شأن البدء بحل الحكومة، وإلغاء منصب رئيس السلطة تبعا لذلك، أو تفكيك هذا المستوى ضمن النظام السياسي الفلسطيني، وتحويل وظائفه إلـــى منــظمة التحرير، أن يوجه رسالة واضحة إلى العالم مفادها تغيـــير اللعبة القائمة على التعامل مع السلطة بوصفها «دولة» وهمـــية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على «أمن» إسرائيل. وبــذلك يعيد الفلسطينيون تعريف أنفسهم بوصفهم شــعبا خاضعا للاحتلال، على المجتمع الدولي، ومن قبله الســلطة المحتلة، التزامات محددة تجاهه بموجب القانون الدولي ومواثيق وقرارات الأمم المتحدة، فيما لا تترتب على هذا الشـــعب أي التزامات تتجاوز تلك الالتزامات ذات الأولوية لأية حركة تحرر عرفها العالم، وأولها النضال في سبيل التــحرر من الاحتلال. كما أن من شأن ذلك أن ينهي تنازع الصـــلاحيات والوظائف بين المنظمة و«ذراعها»، وأن يحيل مهمـــات «الذراع» تدريجيا إلى اللجنة التنفيذية للمـــنظمة، من خلال قيادة وطنية موحدة تتولى مهمات السلطـــة الحالية (الاقتصاد، العمل، التعليم، الصحة، شؤون الأسرى، الشباب والرياضة، الثقافة، وغير ذلك من مجالات تتولاها حاليا الوزارات).

مصير الموظفين
يبقى أن الوقت الذي تتيحه الفترة الانتقالية لإعادة النظر في بنية السلطة الحاليـــة ووظيفتها، على طريق استبدالها بسلطة أخرى تفتح الطريق أمام تطوير الفعل المقاوم، ستوفر فرصة لوضع برنامج واقـــعي لحل المشكلة الأكبر المتعلقة بوجود عشرات الآلاف من الموظفين في القطاع العام والأجهزة الأمنية، من أجل تخفيف هـــذا العبء، وليس التخلص منه بوضعه «تحت تصرف» ســـلطات الاحتلال، وذلك بالتعاون مع القطاع الخاص لتوفير مـــا أمكن من فرص عمل للموظفين الحاليين، وتحميل الدول العــــربية مسؤوليتها على هذا الصعيد، وبحيث يضم الجهـــاز الوظيفي في مرحلة ما بعد حل الحكومة واستبدالها بسلـــطة منظمة التحرير المقاومة، ما تحتاجه المنظمة فعلا، عبر القـــيادة الوطنية الموحدة، ومن خلال مجالس عليا ولجان متنـــوعة في مخـــتلف الاختصاصات، لإدارة شؤون المجتمع الفلسطيني والزج بطاقاته في الكفاح ضد الاحتلال، خصوصا عبر المقاومة الشعبية الشاملة.


* صحافي فلسطيني مقيم في رام الله.