| 

 وُلد في سنة 1908، أي في عام الحرية حين أعيد العمل بالدستور العثماني، وعاش طوال عمره مجاهدا في سبيل حرية فلسطين وتحريرها. كان بلا حزب يسانده، أو منظمة تنتصر له، بل، أبعد من ذلك، كان قائدا من دون أنصار حوله. لكنه، في معظم محطات حياته، برهن أنه وحده مؤسسة في السياسة والإعلام والعمل الوطني. ففي خضم المجادلات الفكرية والسياسية في شأن أسبقية الوحدة على التحرير، أو التحرير على الوحدة، كان أحمد الشقيري يشدد على عروبة القضية الفلسطينية وعلى فلسطينية النضال الوطني. وبهذا المفهوم تمكن من أن يسم مرحلة مهمة من مراحل القضية الفلسطينية بميسمه، فكان هو نفسه مرحلة تأسيسية، و انتقالية بين مرحلة الحاج أمين الحسيني ومرحلة ياسر عرفات.

******
أحمد الشقيري عربي بالمقاييس كلها؛ فأصل عائلته من الحجاز، ونزحت هذه العائلة إلى منطقة الشرقية في مصر، ثم جاء جد والده إلى عكا مع حملة إبراهيم باشا على بلاد الشام. أما هو فقد ولد في تبنين من أعمال جبل عامل في لبنان، وعمل في سوريا والسعودية. وكان ذلك كله محطات في الطريق إلى فلسطين. أما والده أسعد الشقيري فكان ملاّكاً ثرياً، وعضواً في البرلمان العثماني (مجلس المبعوثان) ومفتياً للجيش الرابع العثماني بقيادة جمال باشا، ومناوئاً لسياسة الحاج أمين الحسيني.
التحق بالجامعة الأميركية في بيروت، وانضم إلى نادي العروة الوثقى فيها. غير أن المقام في هذه الجامعة لم يطل به، فقد قررت سلطات الانتداب الفرنسي طرده من لبنان في 13/5/1927 بعد أن ألقى خطبة حماسية في التظاهرة التي سارت في بيروت في ذكرى شهداء السادس من أيار، وندد فيها بالاستعمار. وقد نقلته الشرطة الفرنسية إلى الناقورة، ومن هناك عاد إلى عكا. وفي عكا قويت صلته بالحركة الوطنية الفلسطينية، ولا سيما بعد هبّة البراق في سنة 1929، وطفق يدافع عن المعتقلين السياسيين الفلسطينيين، وشهد، في هذه الأثناء، محاكمات الشهداء الثلاثة (فؤاد حجازي وعطا الزير ومحمد جمجوم)، وتولى الدفاع عن معتقلي تظاهرة القدس الكبرى التي قادها موسى كاظم الحسيني في 13/9/1933.

******
كان واحدا ممن شاركوا في تشييع عز الدين القسام في سنة 1935. وفي أثناء ثورة 1936 اعتقل ونُقل إلى بلدة سمخ، ثم إلى الحمّة، ووضع في الإقامة الجبرية لتقييد نشاطه. وبعد مقتل الجنرال أندروز حاكم الجليل على أيدي القساميين في 26/9/1937 حُلّت اللجنة العربية العليا، ونُفي قادتها إلى جزيرة سيشل، وتسلل الحاج أمين الحسيني مع جمال الحسيني إلى لبنان، فيما اختبأ الشقيري في القدس لدى عمر صالح البرغوثي ولدى المحامي مغنم مغنم، ثم تسلل إلى مصر. لكن السلطات البريطانية قبضت عليه في دير البلح، ونقل إلى غزة أولا، ثم أودع في سجن عكا. واضطر، بعد إطلاقه، إلى مغادرة فلسطين إلى دمشق في سنة 1938، غداة استدعائه مع غيره من قادة الحركة الوطنية للاجتماع إلى كيركبرايد الحاكم الجديد للواء الجليل، الذي أنذرهم بضرورة وقف الثورة، فرفضوا. ومن دمشق انتقل إلى بيروت ليكون قريبا من الحاج أمين الحسيني وبقية رجال الحركة الوطنية الذين تقاطروا على لبنان آنذاك. لكن السلطات الفرنسية طلبت من هؤلاء الفلسطينيين مغادرة لبنان غداة الحرب العالمية الثانية في سنة 1939، فسافر إلى القاهرة، وأقام في مسكن واحد مع رشيد الحاج إبراهيم. وفي هذه الأثناء توقفت الثورة الفلسطينية، وتوفي والده في شباط 1940، فسمحت له السلطات البريطانية بالعودة إلى فلسطين.

******
حين ولدت جامعة الدول العربية في القاهرة في 22/3/1945، كان أحمد الشقيري ممثلا للرئيس السوري شكري القوتلي في الاجتماعات التمهيدية. وفي مؤتمر أنشاص للقادة العرب (28/5/1946) كان حاضرا بصفته المستشار الشخصي للرئيس شكري القوتلي. وفي مؤتمر مجلس جامعة الدول العربية في عاليه ـ لبنان (7/10/1947) كان مستشارا للوفد السوري. وبهذه الصفة حضر اجتماعات لجنة التوفيق الدولية في بيروت ولوزان سنة 1948، ودورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في سنة 1949.
عين أمينا عاما مساعدا في جامعة الدول العربية في 2/2/1951، لكنه ظل مستشارا لدى الحكومة السورية، ثم أصبح نائبا لرئيس الوفد السوري (فارس الخوري) إلى اجتماعات الأمم المتحدة في قصر شايو في باريس سنة 1951، وشارك في مؤتمر باندونغ في عداد الوفد السوري في نيسان 1955. وكانت الخبرات السياسية والدبلوماسية والقانونية تتراكم لديه جراء هذه المواقع التي عمل فيها وصار حجة في القانون وقضية فلسطين، الأمر الذي جعل الملك سعود بن عبد العزيز يطلب من سوريا في سنة 1957 استعادة الشقيري ليكون ممثلا للسعودية في الأمم المتحدة. وما كان لهذا المنصب الجديد ليمنعه من التصدي لممثلي إنكلترا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية الذين دأبوا على مهاجمة القومية العربية وسوريا ومصر، ما دعا هذه الدول إلى الاحتجاج لدى السعودية، فقدم استقالته، لكن الملك سعود رفضها في البداية. غير أن مواقفه في الأمم المتحدة راحت تتناقض مع موقف السعودية التي يمثلها، ولا سيما في أزمة اليمن بين مصر والسعودية، فأعفي من منصبه في آب 1963.

******
عين ممثلا لفلسطين في جامعة الدول العربية بعد وفاة أحمد حلمي عبد الباقي سنة 1963. وفي المؤتمر الأول للقمة العربية في القاهرة (13/1/1964) أقر إنشاء كيان سياسي فلسطيني، وكلف بهذه المهمة، فتمكن من عقد المجلس الوطني الفلسطيني الأول في القدس الذي أسفر عن قيام منظمة التحرير الفلسطينية في 28/5/1964.
كان في القدس في صباح الاثنين الواقع فيه 5/6/1967، فغادرها إلى عمان. وفي عمان عرف ما آلت إليه الحرب، فسافر إلى سوريا، وتوقف في درعا ليتفقد وحدات جيش التحرير الفلسطيني، ومن دمشق سافر برا إلى بيروت ثم إلى القاهرة. وفي الفترة التي أعقبت هزيمة الخامس من حزيران 1967 احتدم الخلاف بين الخط السياسي للمنظمة وخط الكفاح المسلح الذي كانت تمثله الفصائل الفدائية. وفي 14/12/1967 تلقى مذكرة رفعها إليه سبعة من أعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة يطلبون منه التنحي، فقدم استقالته في 24/12/1967.

******
أقام بعد استقالته في لبنان، ثم انتقل إلى القاهرة. لكنه لم يتمكن من الاستمرار في الإقامة في القاهرة بعد توقيع مصر اتفاقية السلام مع إسرائيل، وكانت الحرب الأهلية في لبنان تحول دون الإقامة في منزله في كيفون، فانتقل إلى تونس.
أصيب بجلطة دماغية أدت إلى إصابته بالشلل في أيلول 1979، ونقل إلى مدينة الحسين الطبية في عمان في كانون الثاني 1980، لكنه توفي في 26/2/1980، ودفن في أغوار الأردن قريبا من مدفن أبو عبيدة بن الجراح.