| 

باتت منظمة التحرير الفلسطينية، التي يفترض أنها المرجعية العليا للشعب الفلسطيني، وكيانه السياسي المعنوي، وممثله الشرعي الوحيد، وقائد نضاله، أحد العناوين الخلافية بين فصائلها الفاعلة (بخاصة «فتح» و«حماس»)، بحيث لا يمكن تصوّر وجود ورقة توافقية تتعلق باستعادة الوحدة الوطنية من دون إدراج بند ينصّ على إصلاح وضع المنظمة وتفعيل مؤسّساتها! ومع ذلك ينبغي أن نميّز هنا بين رؤيتين أو منهجين؛ فبينما تتبنّى «فتح» وحلفاؤها نهجاً يتضمن تفعيل المنظمة، من خلال توسيع المشاركة في أطرها، وتنشيط هيئاتها، وتعزيز دورها، فإن حركة «حماس» وحلفاءها تطالب بإعادة بناء المنظمة على أسس جديدة، بما يكفل لها كسر احتكار «فتح» لقيادتها التي استمرت عقوداً.
اللافت أن الخلاف بين «فتح» و«حماس»، في شأن المنظمة، لا يصدر عن مجرد فصيلين، فهما، عدا عن كونهما الفصيلين الرئيسين والمقررين في شؤون الساحة الفلسطينية، سلطتان كل في «الإقليم» الذي يخضع لسلطته؛ «فتح» في الضفة و«حماس» في قطاع غزة. وينجم عن ذلك أن الخلاف الفتحاوي الحمساوي في شأن المنظمة ليس مجرد خلاف سياسي، على توجهات الساحة الفلسطينية، وإنما هو، فوق ذلك، خلاف على السلطة، وعلى المجتمع، وعلى الموارد.
وإذا تجاوزنا ما تريده «فتح» وما تتمنّاه «حماس» فثمة شكوك تحيط بصدقية هذا التوجّه لدى الطرفين المعنيين، أي «فتح» و«حماس»، بمعنى أن الطرفين يتعاملان مع موضوع المنظمة من باب الاستهلاك أو التوظيف السياسي. وثمة في الواقع ما يؤكد ذلك، حيث أن قيادة حركة فتح، وبمعزل عما تريده حركة حماس، هي التي همّشت المنظمة، وغيّبت مؤسساتها، وأضعفت المنظمات والاتحادات الشعبية المنضوية في إطارها. أما حماس فهي في رأي كثيرين لا تولي المنظمة اهتماماً، لا من قريب ولا من بعيد، فهي تعتبرها جزءاً من إرث المرحلة الماضية وجزءاً من تراث «فتح». وإذا كانت «حماس» أدارت ظهرها لجميع مؤسسات السلطة، وعملت على إعادة صوغها من جديد، على قياسها، ولا سيما في قطاع غزة بعد هيمنتها الأحادية عليه في سنة 2007، فكيف سيكون الأمر إذاً بالنسبة إلى المنظمة؟!

فتح وحماس مسؤولتان
يمكن الاستنتاج أن القيادة الرسمية ومعارضتها المتمثلة بحركة حماس تتحملان المسؤولية عن تهميش المنظمة، وتآكل دورها، الأولى بسبب هيمنتها الكاملة عليها، ومصادرة أطرها، وتجويف مؤسساتها، والثانية بسبب استنكافها عن العمل من داخلها، وتشكيكها الدائم في مكانتها وشرعيتها. وبينما تتوخّى قيادة «فتح» والمنظمة والسلطة من السعي لإحياء دور المنظمة استيعاب «حماس» والحدّ من مغالاتها بادعاء القيادة والشرعية بعد فوزها في الانتخابات التشريعية سنة 2006، لتكريس شرعية قيادة «فتح» للساحة الفلسطينية، فإن «حماس» تحاول تعزيز دورها كقيادة للساحة الفلسطينية، وتكريس شرعيتها فيها، بعد أن هيمنت على مقاعد المجلس التشريعي.
معلوم أن القيادة الرسمية للمنظمة، وهي ذاتها قيادة «فتح»، كانت تعمّدت خلال مرحلة ما بعد أوسلو (1993) وقيام السلطة ككيان سياسي للفلسطينيين في الضفة والقطاع، تهميش منظمة التحرير، ومصادرة دور أطرها القيادية الشرعية، وإضعاف مؤسساتها الخدمية والشعبية، بدعوى تغيّر الظروف، لمصلحة تعزيز السلطة الناشئة في الأراضي المحتلة، بعد انتقال مركز الثقل السياسي للحركة الوطنية الفلسطينية إلى الداخل. وقد كان ثمة مجال أمام القيادة لتفادي هذا الوضع عبر الاحتفاظ بدور المنظمة ومؤسساتها، مع وجود السلطة، بإيجاد نوع من التوازن في الوظائف والتمثيل بين هذه وتلك. وفي جميع الأحوال فقد نجم عن ذلك كله تأثيرات سلبية كبيرة وخطيرة على الحركة الوطنية الفلسطينية التي اختلطت عليها الأمور بين وظائف السلطة، المرتبطة باتفاقات مع إسرائيل، ووظائف المنظمة التي تعبّر عن مضمون حركة التحرر الوطني وتمثّل الشعب الفلسطيني في أماكن وجوده. كما نجم عن ذلك تنمية مشاعر الضياع والإحباط والقلق لدى اللاجئين الفلسطينيين في الخارج الذين شهدوا ضياع كيانهم السياسي وتهميش حقّهم في العودة، وباتوا يفتقدون أي توسطات أو آليات في العلاقة بالكيان الفلسطيني الناشئ، الأمر الذي وضعهم خارج المعادلات والحراكات السياسية الفلسطينية من الناحية العملية.
لكن الأكثر إقلاقاً وخطورة هو تخلي القيادة عن احد عوامل قوتها وشرعيتها الناجم عن تمثيلها لمجمل الشعب الفلسطيني، وهو ظهور نوع من الافتراق بين المجتمعات الفلسطينية، في أماكن اللجوء، وحركتهم الوطنية، وهذا الوضع ساهم في توسيع التمايزات بين التجمعات الفلسطينية، ما أضعف وحدة الشعب الفلسطيني، وشعوره بهويته الجمعية ومصيره المشترك؛ وهذه ليست مجرد تفاصيلات عرضية لشعب له خصوصيته، والذي يخضع لسيادات وسياسات مختلفة ومتباينة.

الواقع الجديد
بديهي أن ثمة ظروفاً موضوعية نشأت في العقدين الماضيين، دفعت نحو نفي دور المنظمة، لمصلحة السلطة، فالوضع العربي ما عاد يسمح البتة بأي وجود سياسي فلسطيني، له جدول أعمال عسكري أو خدمي في التجمعات الفلسطينية في البلدان العربية، كما كانت الحال يمكن في الماضي. والوضع الدولي يرى أن المنظمة أضحت أثراً من الماضي، ولا لزوم لها، يجب تدعيم الكيان الفلسطيني الناشئ عن التسوية، والمتجسّد بالسلطة، في الضفة والقطاع.
هكذا باتت كيانية السلطة أهم من كيانية المنظمة، وباتت المنظمة تعتمد في مواردها المالية، ورواتب موظفيها على السلطة، وما عاد ثمة دعم مالي مستقل للمنظمة كمنظمة. وهذا هو حال الدائرة السياسية مثلاً التي همشت لمصلحة وزارة الخارجية في السلطة. أما القوات العسكرية التي كانت تابعة للمنظمة، فتحولت لدى قيام السلطة إلى مجرد أجهزة أمنية وقوات شرطة وأمن وطني.
طبعاً ينبغي الإدراك ان ثمة عوامل دولية وعربية أدت إلى التركيز على كيان السلطة على حساب كيان المنظمة، وتحويل الدعم من المنظمة إلى السلطة، لكننا نتحدث هنا عن ضرورة إدراك دور العامل الذاتي، أو عن تساوق هذا العامل مع العوامل الخارجية في إضعاف المنظمة أو تهميشها.
ثمة عوامل أخرى أدت إلى إضعاف دور المنظمة، في مقدمتها اعتمادها نظام المحاصصة الفصائلية («الكوتا»)، وهو ناجم عن نظام «الشرعية الثورية». لكن المشكلة أن التوازنات أو الكيانات الفصائلية التي كانت مزدهرة في مرحلة الكفاح المسلح ما عادت هي ذاتها بعد الخروج من لبنان، وأن نظام الشرعية الثورية انتفت الحاجة إليه بعد التحول نحو التسوية، وبعد اعتماد النظام التمثيلي (الانتخابات)، فضلاً عن ظهور حركة حماس كمعادل ومنافس لفتح على القيادة في الساحة الفلسطينية من خارج المنظمة. فقد بينت نتائج الانتخابات التشريعية الثانية أن الفلسطينيين منقسمون إلى تيارين: تيار الوطنية الفلسطينية وتمثله «فتح»، وتيار الإسلام السياسي وتمثله «حماس». أما الجبهة الشعبية فحازت في الانتخابات ثلاثة مقاعد، في حين حاز ائتلاف من ثلاثة فصائل (الجبهة الديمقراطية وحزب الشعب و«فدا») على مقعدين فقط، كما حصل تيار «المبادرة الوطنية» (مصطفى البرغوثي) وتيار الطريق الثالث (فياض وعشراوي) على مقعدين لكل منهما، في حين لم تحصل الفصائل الأخرى ولا حتى على مقعد واحد (حركة الجهاد قاطعت الانتخابات). ويمكن اعتبار نتائج هذه الانتخابات عينة، لشعبية كل فصيل الأمر الذي يؤكد انتهاء صلاحية نظام «الكوتا».
جدير بنا التذكير هنا بأن نقاش وضع المنظمة لا يفترض التمسك بها باعتبار ذلك مسألة مبدئية، أو ضرورة سياسية، فأي منظمة، أو أي ظاهرة أو كيانية سياسية، هي نتاج لمرحلة تاريخية معينة، تأتي وتزدهر ثم تذهب.
وفي أي حال فقد ساد لمرحلة طويلة من الزمن انطباع مضمونه أن منظمة التحرير، التي دبّ فيها العطب وهرمت، باتت من الناحية النظرية والعملية، كأنها تعيش مراحلها الأخيرة، وأن الأمر بات مرتبطاً بمآل الكيان الفلسطيني (السلطة) وبمصير عملية التسوية. والنقاش بشأن إحياء المنظمة إنما يدين في الحقيقة إلى تعثّر عملية التسوية، ووجود كيان السلطة في مهبّ الريح. مع ذلك يمكن القول إن التغيرات في البيئة العربية، المحمولة على رياح الثورات الشعبية العربية، ولحظة الضعف في الهيمنة الأميركية على العالم، ربما تفسح في المجال أمام الفلسطينيين لإعادة ترتيب بيتهم، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيلها، على أسس تمثيلية وديموقراطية.


* كاتب فلسطيني مقيم في دمشق.