- لم تعرف فلسطين في تاريخها القديم أو الوسيط طراز الدولة قط؛ فهذا المفهوم ظل غريبا عن فلسطين، بل إنه أخلف وعده في التاريخ المعاصر حين راحت الدويلات تتشكل عقب اضمحلال السيطرة العثمانية على بلاد الشام. ولم تكن فلسطين، في أي حقبة، دولة أو إقليماً مستقراً بحدوده التي نعرفها اليوم، فكانت دائما جزءا من بلاد الشام أو من ولاية سوريا منذ ما قبل الإسكندر حتى انهيار الدولة البيزنطية. ولم يتغير الأمر كثيراً إبان الدولة العربية وفي عهد الدولة العثمانية؛ فأجنادها هي أجناد الشام، وألويتها تتبع ولاية دمشق تارة أو ولاية صيدا طورا، أو ولاية بيروت تارة أخرى.
÷ بعد انهيار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى تسلمت «الجمعيات الإسلامية ـ المسيحية» في سنة 1918 قيادة العمل الوطني الفلسطيني. وهذه الجمعيات عقدت في 3/2/1919 في القدس «المؤتمر العربي الفلسطيني الأول» الذي أقر أول ميثاق وطني فلسطيني الذي تضمن أربع نقاط رئيسة هي: رفض الانتداب، ورفض إعلان بلفور، ووقف الهجرة اليهودية، والانضمام إلى الوطن الأم سوريا، وانتخب لجنة تنفيذية لتتولى متابعة تنفيذ المقررات والمطالب.
- في المؤتمر العربي الفلسطيني الخامس في نابلس (1/9/1922) وردت أولى الإشارات إلى استقلال فلسطين لكن ضمن الوحدة العربية، الأمر الذي فُسر على أنه استقلال عن بريطانيا لا عن العرب أو عن سوريا. وقد ظلت جميع القوى السياسية تلتزم هذا الميثاق حتى سنة 1936.
- بين سنة 1919 و1928 ظلت قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية في أيدي اللجان التنفيذية المنبثقة من المؤتمرات الوطنية. لكن، في سنة 1934 انفرط عقد اللجنة التنفيذية بوفاة رئيسها موسى كاظم الحسيني، وبدأت الأحزاب السياسية تظهر تدريجا، فانتقلت إليها قيادة العمل السياسي.
- في سنة 1936 أعلن عن تأسيس «اللجنة العربية العليا لفلسطين» برئاسة المفتي الحاج أمين الحسيني، واندلعت الثورة الفلسطينية الكبرى. وعقب انحسار هذه الثورة جراء وقف الإضراب الكبير، بدأت الكيانية الفلسطينية بالظهور. وكان من أسباب ذلك انصراف الكتلة الوطنية السورية التي كانت تنطق باسم الوطنيين في فلسطين ولبنان إلى معالجة المسألة السورية، وإلى العمل على توقيع معاهدة جلاء مع فرنسا التي اشترطت دائما أن تتخلى الكتلة الوطنية عن دعم اللجنة العربية العليا وعن مساندة القوميين العرب في لبنان.
- في مؤتمر لندن سنة 1946 الذي عُقد لمعالجة المسألة الفلسطينية اقترحت الوفود العربية تأليف حكومة فلسطينية من عشرة وزراء (سبعة من العرب وثلاثة من اليهود الفلسطينيين) مهمتها إعداد دستور فلسطيني يقوم على اعتبار فلسطين دولة ديموقراطية موحدة. وكان هذا الاقتراح هو الأول، على الأرجح، الذي خلا من الإشارة إلى الوحدة السورية أو الوحدة العربية.
- بعد إعلان قيام إسرائيل دعت «الهيئة العربية العليا لفلسطين» (اللجنة العربية العليا حتى سنة 1946) إلى مؤتمر وطني فلسطيني في غزة يوم 30/9/1948. وقد ترأس المفتي أمين الحسيني هذا المؤتمر الذي أعلن «استقلال فلسطين» وبطلان قيام دولة اليهود، وأنشأ حكومة دُعيت باسم «حكومة عموم فلسطين» برئاسة أحمد حلمي عبد الباقي.
- عارض الأردن والملك عبد الله بن الحسين مؤتمر غزة، ودعا أنصاره إلى مؤتمر في عمان وآخر في أريحا في اليوم نفسه الذي عقد فيه مؤتمر غزة. وقد ترأس مؤتمر عمان سليمان التاجي الفاروقي الذي أعلن عدم شرعية حكومة عموم فلسطين، وترأس مؤتمر أريحا محمد علي الجعبري الذي أعلن وحدة أراضي فلسطين والأردن تحت تاج الملك عبد الله.
- اعترفت جميع الدول العربية بحكومة عموم فلسطين عدا الأردن والأمم المتحدة. وفي 23/9/1952 أصدر مجلس جامعة الدول العربية قرارا ينص على تجميد أعمال هذه الحكومة، والاكتفاء بوجود مكتب في القاهرة يديره رئيسها، ويقوم بتمثيل فلسطين في جامعة الدول العربية. وبقيت هذه الحكومة قائمة شكلاً حتى 29/6/1963 حين توفي أحمد حلمي عبد الباقي.
- في سنة 1964 ظهر «الميثاق القومي الفلسطيني» الذي صار ميثاق الفلسطينيين ومنظمة التحرير الفلسطينية، والذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني في القدس في 28/5/1964. وقد تغير اسم هذا الميثاق في سنة 1968، فصار «الميثاق الوطني الفلسطيني»، وجرى تعديل المادة الخاصة باليهود. وبعد سريان مفاعيل اتفاق أوسلو (1993)، أقر المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في غزة في 22/4/1996 تعديل الميثاق وإلغاء المواد التي تتعارض مع الاعتراف المتبادل بإسرائيل. وبسبب عدم الاتفاق على هذه التعديلات جرى تجميد الميثاق حتى يتم صوغ دستور لفلسطين، وهو الأمر الذي لم يحدث حتى الآن على الرغم من إعلان مسودة هذا الدستور، وعرضها على النقاش المباشر.