| 

في العام 1964، أُسست منظمة التحرير الفلسطينية على الهامش المشترك بين إرادتين: إرادة الشعب الفلسطيني العازم على إعادة بناء كيانه الوطني؛ وإرادة الدول العربية المحتاجة إلى كيان فلسطيني يضبط حركة هذا الشعب ويبقيها تحت السيطرة. وقد لا يقع المرء في أي خطأ إذا حكم بأن الرغبة العربية الرسمية في بناء كيان فلسطيني نجمت من خشية حكام العرب أن يشكل الفلسطينيون كيانهم رغماً عن هؤلاء الحكام ويحرجوهم. هذا الحكم لا يُبدّل واقع أن الدول التي اقترحت بناء الكيان والأخرى التي أيدت الاقتراح قد نسبت مواقفها إلى دوافع جليلة، تمامًا كما أن الدولة التي عارضته قد نسبت موقفها إلى دافع هو الآخر جليل.
هكذا، أُسست م. ت. ف. على نقطة التقاطع بين إرادة الغالبية الفلسطينية وبين حاجات غالبية الدول العربية. وعند نشأتها، ومنذئذٍ، حملت المنظمة الفلسطينية سمات هذين المصدرين كليهما: من جهة، طموح مطّرد النمو إلى كيان مستقل ترسم الحاجات الفلسطينية سياسته وتوجّه سلوكه؛ ومن جهة مقابلة، سعي الدول العربية المطّرد، بالتي هي أحسن كما بالتي هي أسوأ، إلى التــحكم بــهذا الكيان ومنعه من القيام بما يتعارض مع سياساتها.
ولأن م. ت. ف. نشأت فيما النزاعات الثنائية والنزاعات بين المحاور العربية في ذروتها، فقد سعى كل محور وكل دولة على حدة إلى استخدام المنظمة الفلسطينية ضد محور أو دولة أخريين، علاوة على ما جرى لاستخدام هؤلاء جميعاً المنظمة في ما يخدم سياسات كل منهم تجاه إسرائيل وتجاه دول العالم وكتله.

التأثير العربي
إن عملية التأسيس ذاتها، على ما اعتورها من تدخلات متوافقة أو متباينة، تحت الموائد أو فوقها، أظهرت ميلاً فلسطينيًا واضحًا إلى تخفيف أذى التدخل العربي الرسمي في الشأن الفلسطيني، وعَزَّزت هذا الميل في الوقت ذاته. والمؤكد أن بروز هذا الميل استفزّ جهد الجانب الآخر لتنويع وسائل تدخله وأدواتها، ما أبقى منظمة التحرير في سنواتها الأولى أسيرة دول عربية ضد دول أخرى وقلّص منجزها في المجال الفلسطيني الصرف.
بعد هزيمة الدول العربية في حرب 1967، تقلصت قدرة هذه الدول على التأثير في مجالات شتى، بينها المجال الفلسطيني، وتهيأت الظروف لانطلاقة فلسطينية جديدة. فبرز دور العمل الفدائي وكبر حجمه ونجم من هذا تسلّم قادة العمل الفدائي قيادة م. ت. ف. في ظل تأييد شعبي كاسح. وبهذه الانطلاقة الجديدة، توفرت القدرة على مواجهة التدخلات العربية حين لا تكون مواتية، وإدارة العلاقات مع الدول والمحاور وفق تقدير القيادة الفلسطينية لما هو صالح أو غير صالح.
هذا التدخل، قاد في سياق مسار شاق ومعقد، إلى وضع أول برنامج سياسي فلسطيني يجيء ثمرة حوار فلسطيني داخلي من دون إملاءات عربية وبتأثر ضئيل بالمعارضة أو التأييد العربيين له. يشار بهذا إلى البرنامج السياسي المرحلي الذي اشتُهر باسم برنامج النقاط العشر الذي صاغه الأمناء العامّون لفصائل م. ت. ف. ووافق عليه المجلس الوطني الفلسطيني سنة 1974 بما يشبه الإجماع، وكان أول برنامج سياسي يعكس تطور الفكر والممارسة السياسيين الفلسطينيين ويتخطى الكثير من العنعنات العربية التي حاولت استبقاء الفلسطينيين في ساحة الرفض العدمي، والعنعنات العربية الأخرى التي حاولت دفعهم إلى مواقع المستسلمين.
صحيح أن الذين صاغوا البرنامج والذين وافقوا عليه أخذوا في الاعتبار المواقف العربية. لكن الأمر اختلف هذه المرة؛ فالتأثر السلبي أو الإيجابي بالدول العربية أملته الحساباتُ الفلسطينية، فلم يشكل إذعاناً لضغوط قائمة أو خشية من ضغوطات متوقعة.
بكلمات أقل، عنى برنامج النقاط العشر، بين أشياء كثيرة أخرى، أن م. ت. ف. ناضجة لتولي المسؤولية عن حركة الشعب الفلسطيني نحو تحقيق أهدافه الوطنية وعن صوغ مستقبله. وهذا ما جرى الإقرار به فور الموافقة على البرنامج. فبعد أشهر قليلة من اعتماد هذا البرنامج فلسطينيًا، وافقت القمة العربية في الرباط عليه، وكرّست صفة م. ت. ف. بما هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وصاحب المسؤولية التامة عن صوغ مستقبله. وبهذا، ظفرت م. ت. ف. بوضع الندّ إزاء الدول العربية جميعها، وصار في إمكانها أن تقبل أو ترفض ما تطلبه دولة أو دول عربية وفق تقديرها هي لمصلحة شعبها، أي وفق إملاءات السياسة التي ترسمها هي، وليس إملاءات السياسات العربية.

في الأمم المتحدة
إن تَعزُّز موقع م. ت. ف. داخل أسرة الدول العربية تبعه على الفور إقرارُ الجمعية العامة للأمم المتحدة بصفة م. ت. ف. ممثلة للشعب الفلسطيني ومنحتها مرتبة مراقب في هيئاتها جميعها. وبهذا وذاك، وفي سياقه، اكتمل حضور م. ت. ف. عضوًا أو عضوًا مراقبًا في التجمعات الدولية ذات الصلة. وفي بعض هذه التجمعات، تمتعت م. ت. ف. بوضع متميز حتى عن دول كثيرة، كما هو الشأن، مثلاً، في مجموعة دول عدم الانحياز التي ظفرت المنظمة فيها بمرتبة نائب الرئيس. وظفرت المنظمة بصفة مراقب في منظمة الوحدة الأفريقية مع أن فلسطين ليست بلدًا أفريقياً. وهكذا، راح الحضور الفلسطيني يتوسع باطراد وبلا توقف.
لم يعكس الحضور الواسع في جامعة الدول العربية والأمم المتحدة والمنظمات القارّية والإقليمية والهيئات العالمية على اختلاف أنواعها، مدى تَعزُّز استقلال م. ت. ف. في محيطها العربي، بل أنتج الوضع الذي دفع باتجاه توطّد هذا الاستقلال، ووضع مسألة استقلال الشعب الفلسطيني في دولة خاصة به على جدول أعمال دول العالم كل على حدة، وكذلك على جدول أعمال المجاميع والهيئات الدولية بإجمالها.
هذا الحضور ذاته كان له تأثير حاسم في تقليص مساحة الاختلاف الفلسطيني ـ الفلسطيني في شأن مسألة الاستقلال في دولة خاصة وفي شأن ما يتصل بهذه الدولة، مثل حدودها ومساحتها ومقيميها ولاجئيها.. إلخ. أو، بكلمات أخرى، أسقط التعاطى مع المحيط القريب والمحيط البعيد حججًا كثيرة كانت تساق ضد استقلال الشعب الفلسطيني في دولة خاصة به، خصوصًا الحجج التي أوردها المتزمتون من العرب القوميين أو من القوى السياسية الإسلامية.

الواقعية السياسية
التأثير الأعمق لهذا الحضور ولما اقترن به من مشاركة فاعلة في الحياة العامة العربية والعالمية ظهر في مجالين: الأول هو مجال الدفع باتجاه الواقعية السياسية بالإجمال؛ والواقعية السياسية في طبعتها الفلسطينية عنت تقليص الفجوة بين مطاليب الشعب الفلسطيني وما تجيز الشرعية الدولية وقيم البشرية المعاصرة أن يظفر هذا الشعب به. وتحوُّل الأغلبية الفلسطينية نحو الواقعية السياسية جلب لمنظمة التحرير فوائد كثيرة في مقدمتها اتساع التفهم والتأييد العربيين والعالميين لها ولمطاليبها. والثاني هو تقليص حجم التشبث الإسرائيلي بمطاليب الحد الأقصى الصهيوني، وتبهيت التأييد الدولي الذي كان في وقت من الأوقات كاسحًا لهذه المطاليب، وإرغام الدولة الصهيونية على التعاطي مع الجانب الفلسطيني بما هو شعب له حقوق وممثلون شرعيون.
بتفاعل هذا كلّه، ومن دون إغفال وجود ثغرات كثيرة ومظاهر ضعف أو قصور أو أخطاء أو حتى خطايا في سياسة م.ت.ف. وأدائها على هذا الصعيد كما على غيره، حققت م.ت.ف. في انطلاقتها الثانية على أيدي مناضلي العمل الفدائي منجزات كبيرة وكثيرة. وإذا كانت الانطلاقة الأولى في العام 1964 أفضت إلى التوسع في العمل المسلح، فإن الانطلاقة الثانية في العام 1968 ـ 1969 قد أضافت إلى هذه المنجزات التوسّعَ، أيضًا، في الكفاح السياسي الذي جعل م.ت.ف. بحق مالئةَ الدنيا وشاغلةَ الناس بهموم الشعب الفلسطيني وحقوقه ومطاليبه الوطنية.

الحرب على المنظمة
الحرب الإسرائيلية على م.ت. ف. وحلفائها في لبنان في العام 1982 حرّكتْها خشيةُ إسرائيل من نتائج حضور م.ت.ف. الهائل واتساع دورها وتعاظم التأييد العربي والعالمي لحقوق الشعب الفلسطيني بسبب نشاط منظــمته. من هــنا، استهدفت هذه الحرب، كما عبر عن ذلك محرّكوها الإســـرائيليون أنفسهم، اجتثاث الوجود القويّ للمنظمة الفلسطينية في لبنان، بوهم أن اجتثاثه من هذا البلد سيفضي إلى تدمير المنظمة.
وإذا كان صحيحًا أن هذه الحرب أفقدت م.ت.ف. واحدة من قواعد وجودها العسكري، فالصحيح أيضًا أن نتائج الحرب ذاتها أظهرت استحالة اجتثاث المنظمة التي تمثل شعبها وتحظى بتأييده. وعلى الرغم من سلبيات الخروج الفلسطيني المسلح من لبنان، فقد اقترنت إيجابيات كثيرة بهذا الخروج: إتاحة المجال لبروز المقاومة اللبنانية ذاتها، تعزيز استقلال م.ت.ف. وتمتين دعوتها إلى الاستقلال الوطني الفلسطيني، وتنشيط شتى أشكال مقاومة الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية من داخل هذه الأرض ذاتها.

خلاصة
الآن، في النظرة المتيسّرة لإجمالي هذا التطور، يسهل أن يدرك من يعنيه الأمر أن عقابيل نتائج حرب 1982 هي التي هيأت الظروف في نهاية المطاف للانطلاقة الفلسطينية الثالثة الكبيرة: انتفاضة 1987 – 1993، وهي الانتفاضة التي وضعت مطلب الاستقلال الوطني الفلسطيني قيد الإنجاز.
ولا يقلل من أهمية هذه الحقيقة التعثُّر الذي تتعرض له مسيرة الاستقلال الفلسطيني منذ التوقيع على اتفاق أوسلو حتى الآن، فهذا التعثُّر أفرزه الاتفاق السيئ ذاته، كما أفرزته ظروفٌ، إن كانت م.ت.ف. مسؤولة عن بعضها، فقد كانت هي ذاتها في مقدمة ضحايا هذه الظروف.


* كاتب فلسطيني مقيم في النمسا