| 

كان قرار دخول الجيوش العربية إلى فلسطين لإبطال التقسيم والحؤول دون قيام الدولة اليهودية منعشاً لآمالنا فعلقنا تلك الآمال على الجيوش المتحفزة وعلى ما يمكن أن تحققه من نصر يحفظ للعرب وطنهم وشرفهم. ولقد طلب مني أحد الأصدقاء من الضباط العراقيين أن أنظم نشيداً ينشده جنوده في زحفهم المرتقب، وليدرك القارئ مدى ما كانت تجيش به نفوسنا من طموحات النصر أذكر هذا النشيد هنا وهو:
تل أبيب تل أبيب
جاءك اليوم العصيب
لن نؤوب
أو يواريك اللهيب
لا قرار في الديار
أو يوافيك الدمار
سدت اليوم الدروب
الجنود في الحدود
لن تحيد أو تبيد
سنعيد بالحديد
حقنا الماضي السليب
وزحفت الجيوش وتوهجت مع زحفها آمالنا، وتعلقت قلوبنا بكل خطوة تخطوها، ولم يخف بعض أصحابنا عدم ثقتهم بما يجري، وكانوا يخشون مكر اليهود وطول استعدادهم لهذا اليوم، كما كانوا يتخوفون من سطحية العرب وهوجهم في مثل هذا الموقف، ويتحدثون عن خطوات اليهود المدروسة المحكمة منذ حلّت طلائعهم في فلسطين، وعن ارتجالات العرب في كل ما فعلوا.
ثم أخذت الأنباء تتوالى وفيها ما يريب، ثم صار فيها ما يخيف، ثم صار فيها ما يبعث على اليأس. وأذكر أني كنت أسير يوماً في شارع الرشيد، وصدف أن كان مروري أمام أحد المتاجر في اللحظة التي كانت فيها إذاعة الشرق الأدنى تبدأ بإذاعة الأخبار، فتوقفت لأستمع أخبارها، فإذا أول خبر تذيعه هو احتلال اليهود لمدينة جنين، ولن أنسى أبداً وقع هذا الخبر عليّ.
ثم بعد ذلك كنا نستمع إلى أخبار إذاعة بغداد، فإذا بصوت المذيع يجلجل معلناً أن جنين في قبضة القوات العراقية. ثم لم تلبث الحقائق أن انجلت، وذلك أن اليهود فاجأوا جنين بقوات كثيفة ولم تكن فيها إلا حامية عراقية لا يتجاوز عدد أفرادها العشرات فاستطاع اليهود النفاذ إلى مداخل جنين مما اعتقد معه مراسلو الشرق الأدنى أنها سقطت بأيديهم. ولكن الحامية العراقية القليلة العدد ظلت تتصدى لليهود وتعيق تقدمهم، وفي الوقت نفسه أرسلت استغاثة إلى القائد العراقي عمر علي الذي كان يسير بقواته في اتجاه آخر. وتلقى عمر علي الاستغاثة فغيّر اتجاهه وأسرع إلى جنين فتلقاه اليهود بقواتهم، وصمد لهم عمر علي بقواته وتصارعت القوتان بالأسلحة النارية ثم تغامستا بالحراب. وأحسن البطل عمر علي قيادتها وأحسنت هي الاستجابة له. وانجلى الأمر عن الهزيمة الماحقة لليهود بعد أن ارتوى الصعيد العربي بدمائهم وانتثرت جثثهم في أطرافه من كل ناحية. وخاب أمل اليهود في الاستيلاء على الضفة الغربية فسلمها الجيش العراقي للعرب سنة 1948 عربية خالصة، وأعادها إليهم عزيزة مكرمة. ثم سلمها العرب لليهود سنة 1967 ذليلة مهانة.
ومن مآسي الدهر العربي أو مهازله أو فواجعه، او ما شئت من نعوت، أن البطل عمر علي، بطل إنقاذ الضفة الغربية، وحامي حمى جنين ونابلس وطولكرم، سيق بعد ذلك في يوم من الأيام مقهوراً مصفداً منكوس الرأس ليحاكمه فاضل عباس المهداوي فيتلقى منه ومن ماجد محمد أمين الشتائم والإهانات. وباسم من؟ باسم من سموها محكمة الشعب وسمي فيها البطل عمر علي (مجرماً) يحكم عليه في 6/4/1959:
حكمت المحكمة على المجرم اللواء الركن المتقاعد عمر علي بالإعدام شنقاً حتى الموت.
ثم تتفضل المحكمة بأن توصي القائد العام للقوات المسلحة (أي عبد الكريم قاسم) بتخفيف العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤبدة.

أنظر: حسن الأمين، حل وترحال، بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 1999.