| 

١ـ التغييب
أنا لا أعارض، بل أؤيد، تعريب مفردات أجنبية حتى وإن كانت عبرية. ولكن المشكلة تكمن في أمرين:
الأول هو أنهم يستعملون مفردات عبرية لها بديل في لغتنا، وكانت حتى زمن غير بعيد منتشرة ومتداولة. والأمثلة على ذلك كثيرة:
«شيروتيم» بدل «المرحاض» أو، بصراحة، «بيت الميّ».
«روطيط» يستعملونها لرنة الهاتف الجوال بدل يرج من يقدر أن يأتي بلفظ أقبح وأقرب من لفظة «روطيط» فليتفضل!
حتى كلمة «مشتل» عبرنوها وأصبحوا يذهبون إلى «المِشْتَلاه» لشراء نبتة أو وردة.
«سْخاخاه» بدل عريشة. إن وجدت كلمة أقبح من «روطيط» فلا بد من أن تكون «سخاخاه».
أما الأمر الثاني فيتعلق بطبيعة العلاقة بين الهازم والمهزوم... بين شعب هُدم مجتمعه بالكامل ودُمرت مدنه وقراه، سُلبت أرضه وحضارته، وسلبت حتى ذاكرته، وبين من هزموه وسلبوه. في علاقة كهذه ما يحدث في النهاية هو أن تتنحى كلياً لغة المسلوب وتسود لغة السالب. وهذا أمر خطير للغاية، لأنه إذا حدث ذلك تكون النهاية.
ذهبت قبل سنة تقريباً إلى قرية نحف المجاورة لتقديم واجب العزاء لعائلة نحفاوية. بعدما خرج أحد المعزين من قاعة العزاء، أعلم أحد أبناء الفقيد الحاضرين بأن الضيف المعزي هو الحاج فلان الفلاني من قرية كفر مندة، ثم أضاف موضحاً لا فض فّوه:
ـ تعرفون كفر مندة... إنها تلك القرية التي بجانب مسغاف.
ـ «وأين يقع (مسجافك) هذا؟».
تلعثم ولم يجب. فقلت له وللحاضرين:
ـ «مسغاف تقع بجانب كفر مندة، وربما أقاموها على أرض اغتصبوها من أهالي كفر مندة».
وفي الولايات المتحدة، في جلسة جمعت أصدقاء عرب وأميركان، سُئل أحدهم من أين هو في فلسطين. أجاب: من دير الأسد، وكان قد هاجر إلى أميركا قبل أقل من سنة. وعندما لم يعرف أحد الحاضرين أين هي دير الأسد، أوضح لهم ذلك الشاب أن دير الأسد تقع بجانب كرميئيل!
لم يسمع أحد منهم بكرميئيل، وسأل أحدهم (وهو يهودي أميركي):
ـ وأين تقع كرميئيل؟
أجبته، قبل أن يلتقط الشاب الديراوي أنفاسه:
ـ «كرميئيل تقع بجانب دير الأسد».
ثم شرحت لهم موقع دير الأسد في الجليل بالنسبة إلى عكا وصفد، وأخبرتهم كيف بنوا كرميئيل سنة ستين على أراضٍ اغتصبوها من دير الأسد وقرى أخرى مجاورة.
أصبحنا، والحمد لله، نعرّف مواقع مدننا وقرانا بمستوطنات بنيت أمس على أراض عربية مسروقة، ونجعل من هذه المستوطنات معالم للوطن. بل أنكى من ذلك تسمع ابنة أخيك تقول في حديثها «تسومِت أحيهود»، تصححّها وتقول لها «مفرق البروة». تكتشف أنها لا تعرف ما هي البروة. تسمع آخر في سنها يقول «تسومت جولاني»، فتصحّحه: «مفرق مسكنة». وتستمع إلى ثالث يقول: «تسومت شيفع»، فتقول له «مفرق كفرعنان». تحزن وتقول لنفسك: لماذا لم يعلمهم آباؤهم الأسماء العربية لهذه المواقع؟
ذات زيارة إلى الوطن، منذ عشرين سنة تقريباً، أشرت لأولادي إلى مستوطنتي «أحيهود» و«يسعور»، وقلت لهم: هنا كانت البروة، مسقط رأس محمود درويش. ولأن السيارة توقفت على الإشارة الضوئية عند مفرق البروة كان بإمكانكم أن تروا، إلى جانب إحدى حظائر الأبقار في المستوطنة، شجيرتي صبار عنيدتين وبقية من جدار لبيت عربي مهدوم. حين تأكدوا من ذلك، قالت (ليلى) معلقة:
«يعني البروة» هَيّي من الأربعميت قرية اللي هدموها!».
يومها، كانت ليلى في الرابعة عشرة، وكانت قد التقت محمود درويش منذ بضعة أشهر في أمسية شعرية أحياها درويش في العاصمة الأميركية.
بعد سنوات، توقفت على الإشارة الضوئية نفسها، وسألتُ: «أين نحن يا أولاد؟». نظروا من شباك السيارة وأجاب ثلاثتهم في آن: «عند مفرق البروة».

٢ـ أهلُك التاريخُ مِن فُضْلَتِهِم
أخيراً تحققت إحدى أمنياتي الثلاث وزرت الشام. ذهبت لزيارة أخي. «إيلي»، الذي وُلد في بيروت ويسكن منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي في مدينة كوبنهاغن في الدنمارك. هناك تم القرار على أن نمضي معاً أسبوعين في سوريا. وفي صباح الثامن عشر من نيسان عام ألفين وثمانية، أقلعت بنا طائرة تابعة لشركة الخطوط السورية للطيران، وهبطت في مطار دمشق الدولي حوالى الساعة الحادية عشرة صباحاً. سألني موظف الجوازات في المطار، وهو ينظر في جواز سفري الأميركي الذي يشير إلى أن مكان الولادة هو فلسطين:
«هل والدك أيضاً من مواليد فلسطين؟».
أجبت:
«والدي ووالده ووالد والده وجميع أجدادي وُلدوا في فلسطين».
عندها قام من مقعده، صافحني، ورحّب بي قائلاً:
«أهلاً وسهلاً بك في سوريا، وأتمنى لك إقامة ممتعة».
ترددنا كثيراً في الذهاب إلى سوريا، فكنا نسمع دائماً عن سوء معاملة المسافرين العرب، خاصة الفلسطينيين، في نقاط التفتيش على الحدود بين الدول العربية وفي مطاراتها: إهانات شخصية وفظاظة في المعاملة، رفض السماح للمسافر بالدخول وإرجاعه من حيث أتى. وقد زاد من خوفنا من مغامرة الذهاب إلى سوريا أننا من فلسطينيي الداخل ونحمل جوازات سفر من الدولة العبرية، لكننا لم نجد إلا اللطف وحسن المعاملة.
كيف نفسر هذا التناقض؟ لا أدري. كل ما أدريه هو أنني شعرت بفخر واعتزاز لانتمائي إلى وطني الكبير... إلى بلاد الشام.
ها أنت الآن في دمشق... والمدينة هي الشام كما يسمّيها أهلها، وهي دمشق كما يسمّيها العرب. إنها أقدم عاصمة مأهولة في العالم. وهي ملتقى الحضارات وتقاطع طرق التاريخ. وهي التي كانت، إلى جانب كل ذلك، معقل الأمويين... درع القومية العربية.
تخلصنا من حقائب السفر في غرفة الفندق، وخلال دقائق كنا نجول في شوارع دمشق القديمة. وانتصب التاريخ بكل جبروته أمام عيني: الجامع الأموي، كنيسة حنانيا، باب توما، بنايات قديمة قدم التاريخ، وأزقة ضيقة ونظيفة للغاية... أكثر من خمسة آلاف سنة من الحضارات تقف شاهدة على عراقة هذه المدينة التي «أهلها التاريخ من فضلتهم».
تجوّلنا حتى ساعة متأخرة من الليل. تناولنا وجبة شهية في مطعم في البلدة القديمة اسمه «باب ستّي» أو «باب الحارة»، وهو واحد من مطاعم عدة أقيمت في نوع من البيوت التقليدية القديمة التي تشتهر بها دمشق.
قضيت أياماً عدة في شوارع الشام وطرقاتها.. أدخل عبر بواباتها... أتبضع من أسواقها الشعبية: سوق النحاسين، وسوق العطارين، وسوق الحميدية الشهير، وغيرها. تعيش بين أهلها فلا تشعر بالغربة... ترى وجوهاً عرفتها من قبل، وتقابل شخصيات ألفتها منذ سنوات... فهم أنت وهو وهي وهؤلاء. تتذوق فيها أطيب الأطعمة، وتسمع فيها أجمل الأنغام، وتلتقي بأجمل العيون. تجلس في المقاهي وتتبادل الحوار مع من يجلس إلى جانبك... فأنت في الشام لست غريباً عن أهلها، ولا هم غرباء عنك.
تبحث في دكان أي بقال فلا تجد أنواع الأغذية المصنعة مثل (السيريال) بأنواعه المختلفة، و(البامبا) وغيرهما مما لا تعرف أسماءها.
تتجول في كل أحياء دمشق وضواحيها، وفي أماكن الملاهي، ولا ترى (ماكمن دونالد) أو (برغر كنج) أو (بيتا هَط) أو غيرها من أماكن (الغذاء السريع) الأميركية التي تنهش كالسرطان في أجسام عمان وبيروت وباقي مدن العالم. حتى لافتات المتاجر بأنواعها كلها مكتوبة باللغة العربية، وفقط بالعربية.
لعل أهم من كل ما ذكرت هو أن الإنسان السوري هو عربي سوري فقط لا غير. لا يقلد أحداً، ولا يتمسح بعادات أحد... لا يحاول أن يظهر أميركياً أو فرنسياً أو أي إنسان آخر. لا لكنات أجنبية مقيتة ومصطنعة، ولا مفردات أجنبية في الكلام. لا انتماء طائفيا أو مذهبيا، بل انتماء إلى المكان والقومية. أصالة عربية شامية (من قاع الدست).
غادرنا الشام إلى بيروت، وكان في ودي أن أمضي بقية الأيام في الشام مع أهلها الذين «ذِكرُهم في عُروة الدهر وسام».
حالما بدأت السيارة بتسلق الجبل في الأراضي اللبنانية أطلّت علينا من رأس الجبل أول بلدة لبنانية. وكان أول شيء من هذه البلدة نراه من بعيد هو عمود عال جداً وذو لونين أحمر وأصفر، يعلن عن وجود (الماكمن دونالد).
أهلاً وسهلاً بسموم أميركا المنصبّة على رؤوس الناس في جميع أنحاء العالم ـ ما عدا سوريا ـ .
تجلت الطبيعة في الطريق إلى بيروت بأجمل حللها. حقاً إن جمال الطبيعة في لبنان لا يضاهيه أي جمال في أي بقعة أخرى على سطح الكرة. طلبت من السائق مرات عدة أن يوقف السيارة لنخرج منها ونتمتع بهذه المناظر الخلاّبة.
تجولنا في الليل بعد العشاء في شوارع بيروت. المدينة أنيقة ونظيفة للغاية، والناس ما زالوا في الشوارع والمقاهي في هذه الساعة المتأخرة من الليل. معظم لافتات المتاجر بالإنكليزية، وإن وُجدت لافتة مترجمة إلى العربية، غالباً ما تكون الترجمة العربية بأحرف صغيرة. أزعجني الفرق الشاسع، من هذه الناحية، بين بيروت ودمشق، وأزعجني أكثر تلويث أجواء الأكل اللبناني الشهي بمحلات (الأكل السريع) الأميركية المنتشرة في كل مكان، والتي من الأنسب أن تُسمى محلات (التسمم البطيء).

شوقي قسيس أكاديمي فلسطيني من الناصرة، ومهاجر إلى أميركا. أصدر مؤخراً رواية تسجيلية بعنوان «حيفا ليست قرطبة» (بيروت: دار التنوير، 2011).