| 

في غرة تشرين الأول 1921، نشر اللبناني الشويري النصراني انطون سعادة 1904 ـ 1949 باكورة مقالاته التي تناول فيها المسألة الفلسطينية، وكان في السابعة عشرة من عمره، قال الزميل(1) الشاب في مقاله المنشور في «الجريدة» تحت عنوان «السوريون والاستقلال» إن إحدى المعضلات أو «الويلات الآخذة في الحلول في الأراضي السورية كضيف ثقيل يضطر الساكنين إلى الرحيل، هي الصهيونية. فللصهيونيين جمعيات وفروع في جميع أقطار المسكونة تعمل يداً واحدة لغاية واحدة وهي الاستيلاء على فلسطين وطرد سكانها السوريين منها. ولو كان الصهيونيون وحدهم قائمين بهذا المشروع الخطير لهان الأمر. ولكن يعضدهم في مشروعهم هذا أعظم دولة بحرية وجدت على وجه البسيطة إلى يومنا هذا». ويقصد بالدولة البحرية الأعظم المملكة المتحدة صاحبة وعد بلفور الأكثر من مشؤوم. وكرّت سبحة المقالات التي نشرها سعاده في مهجره البرازيلي، حيث تناول فيها مسألة فلسطين.
قبل تأسيسه الحزب السوري القومي بعام واحد، نشر في جريدة «ألف باء» الدمشقية التي أصدرها وترأس تحريرها الفلسطيني يوسف العيسى، رداً على رئيس الحكومة البريطانية لويد جورج الذي ألقى خطاباً في الجمعية الصهيونية في لندن أيد فيه استيطان اليهود لفلسطين. وافق في رده المنشور في 20 أيار 1931 على قول الخطيب إنه «لم يحدث في تاريخ العالم محاولة كهذه المحاولة». واستدرك للإيضاح أن «التاريخ من قبل لم يسجل محاولة أثيمة كهذه المحاولة. وإذا كنتم تجدون في الإثم مدعاة للفخر، فإني أهنئكم بهذه الحكمة التي أخفيت عن الحكماء وأعطيت للجهال». وختم بهذه النبوءة: إن نتائج العملية الاستيطانية «لن تقتصر على فلسطين، بل ستتناول العالم أجمع. ومن يعش يرَ». وفي أواخر 1932 أسس سعاده حزبه بصورة سرية في بيروت. وفي 16 تشرين الثاني 1935 افتُضح أمر الحزب، فاعتقل زعيمه وحوكم وحكم بالسجن لمدة ستة أشهر وفي اليوم الأول من مغادرته بوابة سجن الرمل، وكانت ثورة فلسطين مندلعة، بعث إلى أحد مسؤوليها عوني عبد الهادي ببرقية نشرتها جريدة «فلسطين» في 15 أيار 1936، وهذا نصها: «أول عمل أقوم به بعد الإفراج عني هو أن أحيي أرواح شهداء سورية الجنوبية. فالجهاد الحق هو جهاد سورية الناهضة المتحدة».
وقبل أقل من شهرين من إعدامه، ألقى خطاباً في طلبة الجامعة الأميركية البيروتية في 16 أيار 1949 أكد فيه ان اليهود «انتصروا على قلتهم لأنهم أسسوا قضية صهيونية من زمان بعيد حتى صارت إرادة واحدة واعية وأهدافاً معينة، وحيئنذ انطلقت لتحقيق الغاية، فكان عملها سريعاً وفعالاً، بينما كانت القوى السورية والعربية تتخبط في تضارب أهدافها ونفسياتها، وتنتهي بالانحطاط أمام القوى المنظمة الصهيونية». أضاف إن «القوة النظامية مهما كانت صغيرة أفعل بكثير من الجماهير»، شرط أن تزحف إلى فلسطين كنواة «لأمة واحدة، لشعب واحد، وليس لاسترجاع أرض مقدسة لا عملاً بإنجيل ولا قرآن».
وسرعان ما اغتيل سعاده برخصة رسمية لأسباب منها عداؤه للمشروع الصهيوني الاستيطاني. ومن الأدلة على ذلك، زيارة مسؤولين عسكريين وسياسيين بريطانيين وأميركان للقصر الجمهوري اللبناني قبيل تصفيته، ناهيك بتوفر وثائق تثبت علاقة رئيسي الدولة السورية والحكومة اللبنانية بالحركة الصهيونية.
ولأن الناس على دين ملوكهم أو زعمائهم، فقد التزم كوادر وأعضاء الحزب القومي بالمسألة الفلسطينية. ونظراً لكثرة المجاهدين القوميين من جهة، وعداد كلمات قلم التحرير من جهة مقابلة، أكتفي بالإشارة إلى بعض اللبنانيين والسوريين منهم، مع التوقف عند قائدين أحدهما عسكري هو المقدم غسان جديد، والثاني مدني وهو الأديب سعيد تقي الدين.
في الصفحتين 552 و553 من المجلد الثاني للموسوعة الفلسطينية نقرأ خلاصة عن سيرة أحد قادة ثورة 1936 في فلسطين سعيد العاص (1889 ـ 1936) الذي «ولد في مدينة حماة» واستشهد في جبال الخضر بيت لحم، «وكان عضواً في الحزب السوري القومي ويعتبره الحزب من كبار وأوائل شهدائه». ومن شهداء الحزب في ثورة 1936 اللبناني حسين علي البنا (1903 ـ 1936) وهو من شارون قضاء عاليه، التحق بالثورة في منطقة نابلس، واستشهد في 23 أيلول 1936. ومن اللبنانيين الذين قاتلوا في حرب 1948 الصحافي فاروق نصار نجل ابن عينعنوب في قضاء عاليه نجيب نصار صاحب جريدة «الكرمل» الشهيرة. وقد قاتل نصار التابع «لمديرية النضال» بقيادة منفذ عام عكا محمد يونس، مع بعض أعضاء الحزب كعلي عوض وإبراهيم ناصر وسعيد وأحمد شامي وسليم دلال والدكتور جورج ديب. وهناك قياديان في الحزب القومي اشتركا في الجهاد عام 1948 وهما جورج عبد المسيح والدكتور عبد الله سعاده الذي تولى إسعاف الجرحى. ومن شهداء الحزب في معركة المالكية النقيب في الجيش اللبناني محمد سعيد عقيل زغيب (1910 ـ 1948) الذي يتصدر اسمه إحدى الثكنات العسكرية في لبنان.

ولنعد إلى جديد وتقي الدين.
كان غسان جديد (1918 ـ 1957) ضابطاً في الجيش السوري ومدرباً في الكلية العسكرية، حين اندلعت شرارة حرب 1948 في فلسطين، وعلى الفور، التحق بجيش الإنقاذ الذي كان يقوده فوزي القاوقجي، مع مجموعة من المقاتلين العلويين بينهم شقيقه فؤاد الذي كان بدوره عضواً في الحزب وجندياً في الجيش السوري برتبة مساعد. وتحتضن مذكرات القاوقجي بعض البرقيات التي تلقاها من جديد في عز المعارك منها البرقية المؤرخة في 18 أيلول 1948: «تمكن اليهود الساعة السادسة من احتلال جبل المخبي وماروس والمرتفعات. قمنا بهجوم معاكس، فاسترجعنا التلال المجاورة وماروس. وانحصر اليهود في جبل المخبي. ثم هاجمناهم في الجبل ثلاث مرات ولم نتمكن من استرجاعه. هل ترسلون سرية لدعم حامية ماروس لنسحب الاحتياطي إلى ميرون وصفصاف؟ فالتحشدات في صفد قائمة. العتاد الالماني أوشك ينفد. الإمضاء غسان»(2).
وكان القاوقجي قد كتب في المرجع نفسه الصفحة 248 ما يلي: «في صباح 7 أيلول 1948 قام اليهود بهجوم شديد على جبهة الفوج العلوي في منطقة صفد. وتلقيت من آمر الفوج الرئيس غسان جديد البرقية التالية رقم 25: المعركة تدور في مرتفعات العموقة. حاول اليهود الوصول إلى جبل نطاح، فرددناهم. لا تزال المعركة دائرة».
لعل أغرب وأفجع ما جرى لهذا القائد المجاهد في حرب 1948 ان رئيس جهاز المخابرات السوري عبد الحميد السراج جنّد فلسطينياً يُدعى عزت شعث لاغتيال غسان جديد بحجة انه عميل إسرائيل. انتقل شعث إلى رأس بيروت وأطلق رصاصات قاتلة على «العميل» جديد في 19 شباط 1957. وفي حين حزن قادة وأعضاء الحزب القومي والقاوقجي وعناصر الفوج العلوي على مقتل جديد وهو لم يبلغ الأربعين من عمره. وكان رفيقه وصديقه سعيد تقي الدين (1904 ـ 1960) في طليعة الغاضبين والمتألمين. كيف لا، ومؤلف «أنا والتنين» ابن بعقلين كان بدوره من أبرز المجاهدين في سبيل فلسطين.
لم تكن صدفة أن يتناول الطالب ابن السابعة عشرة ربيعاً المسألة الفلسطينية في المقال الثاني من بواكيره الذي نشره في جريدة «البرق» البيروتية لصاحبها الأخطل الصغير بتاريخ 20 تموز 1921. تحت عنوان «يا حملة الأقلام» حثّ الكاتب الطالب «قادة أفكار البلاد» على أهمية وعي خطرين عظيمين يهددان لبنان وهما المهاجرة والصهيونية. وعن الأخيرة سألهم: «أي قلم خط ما يدفع عنا خطر الصهيونية؟ قد قلتم: خسئوا ورب القدس والقرآن. ولكن ذلك لم يعرقل مساعيهم ولم يفتّ في ساعدهم. بل ان مثلكم معهم كمثل الذي يريد أن يوقف بصياحه وعويله صخراً يتدحرج نحوه من قمة الجبل. اننا بحاجة إلى واحد منكم يدرس تاريخ الصهيونية ودواءها ويطلع الرأي العام عليهما فيتدبر مصيره». وختم بعبارة سعتقية لا تخلو من السخرية: «دعونا من التغزل بالطبيعة ومخاطبة البحر. كلنا يفهم الطبيعة وكثيرون يسبحون في البحر. ولكن الذين يعرفون دواء الصهيونية قليلون». وإثر تخرجه عام 1925 هاجر إلى الفلبين. وبعد 23 سنة اغترب، لم يعد مباشرة إلى بيروت أو «مرفأ بعقلين»، بل توجه إلى القاهرة في ربيع 1948 حيث كانت حرب 1948 تلوح في الأفق، وجاور عدداً من المسؤولين المصريين والعرب المعنيين بفلسطين. وبعد أشهر قليلة من عودته إلى لبنان اندلعت شرارة الحرب، فانتقل إلى فلسطين مع المجاهدين من دروز الجبل وكتب في جريدة «بيروت» لزميله في الجامعة الأميركية محي الدين النصولي، سلسلة مقالات بعنوان «ميعادنا في تل أبيب»، اتسمت بالتفاؤل. ولكن الهزيمة فاجأته، خصوصاً ان جيوشاً عربية عدة لم تتمكن من الانتصار على الميليشيا الصهيونية. ومع ذلك، ظل يردد رفة جناحه التفاؤلية: «باستطاعتنا أن نزيل إسرائيل بعطسة، شرط أن نعطس». وعلى المستوى الشخصي، لم يكتفِ بنشر المقالات المضيئة على الحق الفلسطيني والباطل اليهودي. بل سارع إلى القيام «بعطستين» قد تسندان خابية معركة إزالة الدولة الاستيطانية الطويلة الشاقة. انتمى إلى الحزب القومي بعد أن أيقن أن زعيمه وعى الخطر الصهيوني وخطط لمقاومته من غير صياح وعويل.. وأسس وترأس «لجنة كل مواطن خفير» في مطلع 1954 للتجسس على جواسيس إسرائيل في بيروت ودمشق والكويت. وخلال أشهر، تمكن من كشف أكثر من عميل وشبكة تجسس، لعل أبرزهما وأخطرهما العميلة جوليا خوري زوجة العميل كامل الحسين(3) التي كانت تقود الشبكة التي أسسها وقادها زوجها الذي قتله الضابط السوري طبارة بعد مطاردة في الأراضي اللبنانية. وباعتبار أن التجسس على الجواسيس ليس نزهة ربيعية على ضفاف بحيرة سويسرية، فقد سقط في معركة كشفه شبكة الحسين ـ خوري الشهيد سمير مسلّم الذي جنّده سعيد في اللجنة، وهو من مرجعيون ومسلّم العضو في الحزب السوري القومي تمكّن، بفضل جرأته وبراعته في إيهام الجاسوسة الجميلة بأنه غاطس لأذنيه في حبه لها وغرامه بها، واستعانته بيهودية أمه التي مكنته من التوغل في دهاليز شبكة يهود الداخل.

مراجع وهوامش
(1) مارس الصحافة طوال حياته: ساعد والده الدكتور خليل سعاده في تحرير جريدة «الجريدة» ومجلة «المجلة» في البرازيل. وحين عاد إلى الوطن في العام 1930، حرر في بعض الصحف الدمشقية ومنها «الأيام» و«ألف باء». وبُعيد تأسيسه الحزب السوري القومي استأنف إصدار مجلة «المجلة» في بيروت. وتولى رئاسة تحرير كل صحف حزبه بدءاً من «النهضة» في 1937 وانتهاء بـ«الجيل الجديد» في 1949.
(2) فلسطين في مذكرات القاوقجي. إعداد الدكتورة خيرية قاسمية. ص251.
(3) كان سعاده أحد السياسيين القلائل الذين أيّدوا الضابط طبارة وطالبوا بالإفراج عنه، في حين دافعت أكثرية الطبقة السياسية في لبنان عن الجاسوس كامل الحسين.