| 

لم تكن مصادفة تاريخية ان ظهور فلسطين كقضية تلازم مع عثور العرب على هويتهم الجامعة، العروبة، بعد قرون من الاستعمار والتبعثر والضياع في ممالك وإمارات مملوكية مقتتلة، ثم في «ولايات عثمانية» لا هويات « قومية» لها ولا رابط بينها الا ظل «الخليفة» الذي صار «سلطانا».
ولم تكن مصادفة تاريخية ان يرى العرب في وعد بلفور الذي جاء متمما لمعاهدة سايكس ـ بيكو ذروة المشروع الاستعماري المعد لضرب هويتهم القومية المستعادة وتقسيم أرضهم بزرع مشاريع دويلات فيها على قواعد طائفية او مذهبية او عشائرية لتكون سنداً للمشروع الإسرائيلي في فلسطين، التي ستكون «الفاصل» بدلا من ان تكون «الجامع» بين المشرق والمغرب.
ولقد فهم العرب أهداف هذه الخطة الاستعمارية التي تولت بريطانيا إعدادها باسم الغرب كله، والإشراف على تنفيذها، بحيث يغرق المشرق في هموم دويلاته المستنبتة في أرضه بغير سند من الجغرافيا او التاريخ، بينما تعزل مصر خلف رمال سيناء، وتتقطع أواصر القربى ووحدة الآمال والمصير المشترك مع الأقطار العربية في شمالي أفريقيا.
لهذا شارك العرب جميعاً، كمواطنين، في الدفاع عن عروبتهم، فقصدوا فلسطين ليحاولوا إسقاط المشروع الاستعماري الذي يستهدفهم جميعاً في أوطانهم التي مزقت الى دويلات تافهة يعجزها ضعفها عن حماية كيانها المصطنع على عجل. جاء السوريون والعراقيون واللبنانيون والأردنيون وبعض المصريين والمغاربة كمجاهدين، ليواجهوا العصابات الصهيونية المنظمة من قبل ان تجيء جيوش دولهم التي لم تكن جيوشاً... فقاتلوا حتى الاستشهاد.
كانوا يعرفون أنهم إنما يقاتلون في فلسطين من اجل مصر كما من اجل سوريا ومن اجل لبنان كما من اجل المغرب العربي بأقطاره كافة، ومن اجل الجزيرة والخليج كما من اجل حلمهم في دولة بمستوى طموحهم وحقهم في صناعة غدهم الأفضل فوق أرضهم التي عليهم ان يستعيدوها ليكونوا «امة».
هذا العدد من فلسطين يتجاوز التحية لأولئك المناضلين الذين اندفعوا لحماية فلسطين بقصد حماية حقهم في أرضهم الى التأكيد على الهوية العربية لهذه الأرض التي قاتل فيها حتى الاستشهاد مجاهدون عرب، وشاركوا في المؤتمرات التي عقدت من اجلها والتي ظلت أضعف من ان تحولهم الى قوة فاعلة وقادرة على مواجهة «العالم» الذي شارك في تجميع الإسرائيليين وفي تدريبهم وفي تسليحهم وفي تأمين وصولهم الى فلسطين ليأخذوها من أهلها بالحرب.
هذا العدد من فلسطين هدفه التأكيد، مرة أخرى، ان فلسطين كانت ولا تزال «القضية»، ان هي تحررت كانت عنواناً للتحرير العربي، وأرضا للوحدة العربية، وتوكيداً للحضور العربي بعد غياب طال واستطال حتى أمكن للبعض التطاول على العروبة واعتبارها مزيجاً من الأسطورة والخرافة وشعر المناسبات الحزينة... اما إن صيّرها الاحتلال «إسرائيل» فمعنى ذلك ان التحدي سيظل مفتوحاً ينتقل من جيل الى جيل حتى يحضر العرب فتتحرر فلسطين لتكون عنوان مستقبلهم.