| 

أفرحتنا بيانات الساعات الأولى من حرب حزيران (يونيو) 1967 فعبّرنا عن فرحنا في الإصرار على الاستمرار في تأدية الامتحان النهائي في كلية الفقه في النجف الأشرف. وبعد يومين أصبحت الكارثة واضحة ففجعنا، وأوقفنا الامتحان وعدنا إلى منازلنا نتبادل البكاء... وبقينا عرضة لشماتة الشامتين من جنسيات عربية وإسلامية وإيرانية من أنصار الشاه وإسرائيل، من دون أن تكون مساحة أصدقائنا العرب أو الإيرانيين المحبطين قليلة.
صبرنا... إلى أن جاءنا ما بدا انه أمل بالتحرير غير المستعجل أو المستعجل... (المقاومة والفدائيون) وأصبحنا ننتظر أوائل الليل كما ننتظر مواعيد الصلاة لنسمع الشيفرات من إذاعة فتح، ونفسرها على خاطرنا المكسور. وتجرأنا على إعلان مما نعتنا لتعميم قيم الهزيمة، ورحنا ننتظر النصر، وغزونا بأفكارنا وحماستنا منتديات النجف التي استقبلتنا واحتفت بنا... وتطور الأمر بيننا نحن المعممين، طلاب العلوم الدينية، إلى حد تشكيل لجان لمد المقاومة بالدعم المالي والتحريض على التطوع في صفوف المقاومة، ولا سيما «فتح» لأنها الأقل إحراجاً لنا كمتدينين، واستطاع مكتب فتح في بغداد أن يكتشفنا.. وأرسل لنا الأخ محمد حوّر الطالب في كلية الآداب في بغداد منسقا.. وقمنا بحملة تحت ظل المرجعية خاصة مع السيد محسن الحكيم الذي استفتيناه خطياً في جواز الدعم المالي والتطوع، فأعطانا رخصة بزكاة الفطر في العيد... وزدنا عليها شيئاً من رواتبنا الضئيلة.
ثم توصلنا إلى التفاهم مع المستشارين الفاعلين في إطار الحوزة والمرجعية (السيد محمد بحر العلوم والمرحوم السيد محمد باقر الحكيم وغيرهما) على ان يرتفع مستوى التواصل بين الحوزة والمرجعية وقيادة المقاومة (خصوصاً حركة فتح)، وهكذا أقيم احتفال ضخم في النجف في 1/1/1969 برعاية المرجعية حضره من فتح أبو طارق (محمد الشرف) ونزيه أبو نضال وفرقة أشبال فتح. وكانت سابقة وضعها حزب البعث الذي كان يستعد للإمساك بالسلطة آنذاك في اعتباره، فمنعنا في صيف 1969 من الاحتفال في الرابطة الأدبية بذكرى معركة الكرامة واستشهاد الأخضر العربي (أمين سعد)، لكننا احتفلنا سراً. ثم كان التغيير في العراق... واكتشفنا عدم قدرتنا على الاستمرار في النجف مستقلين، ومن لم يذهب منا إلى السجن عاد إلى لبنان المشغول بالمقاومة والحركة المطلبية والفكرية خاصة في الجنوب.. فحاولنا، أنا والسيد محمد حسن الأمين أن ندخل المحراب من الباب. وعندما وجدت ان إمامة المسجد غير كافية، حاولت الدخول من باب الأدب وعبر «هيئة أدباء جبل عامل» لنتخذ موقعاً بين اليسار والمقاومة. وقطعتنا حركة مزارعي التبغ ثم بداية الحرب، عن سياقنا. فذهب كثير منا إلى اليسار وتحالف مع المقاومة. وأنا لحقتني شبهة يسارية وكان لا بد لي مع السيد محمد حسن الأمين، ان نحسم خياراتنا، ففكرنا بعمل سياسي مقاوم ومنظم يأخذ في اعتباره القضايا المطلبية التي يطرحها اليسار، والقضايا القومية التي تطرحها المقاومة.
وأخذنا نكتب في هذا الشأن من موقع توفيقي، وأصدرنا بالتعاون مع تنظيم فتح في صور نشرة أسبوعية على الستانسل اسمها «الأرض» وكانت تحمل فكراً يحاول الجمع بين الإسلام والعروبة وفلسطين، وقد استقبلت استقبالاً حسناً. وكانت أعين فتح قد انفتحت علينا وعليّ خصوصاً بعد حركة مزارعي التبغ، لكن علاقة الحركة ميدانياً كانت أوطد بالسيد محمد حسن الأمين، الذي اقتنعت وإياه بأن أكثر المشايخ الذين توافقنا معهم على العمل لن يكملوا معنا لأسباب مذهبية وعقائدية عامة، فاشتد ميلنا إلى المدنيين المتدينين الباحثين عن صيغة عمل خارج الأحزاب الإسلامية (الإخوان وحركة أمل وحزب الدعوة).
وهكذا قررنا، بعد موعد مع أبي عمار دبره السيد محمد حسن الأمين والشهيد المرحوم بلال، ان نبدأ العمل. وقدمنا رؤيتنا مكتوبة بخلفية اننا مشروع تنظيم نضالي وسطي مستقل، يتفهم حركة فتح وهي تتفهمه ولا يرى مانعاً في ان تشكل فتح مظلة حامية له في مقابل ما يمكن ان يتعرض له من مضايقات إسلاموية ويسارية. وناقشنا طويلاً، ثم اتفقنا على إنشاء التنظيم، وجمعنا فيه العشرات من الشبان الذين دربناهم في النبطية وفي صور على القتال مع بداية حرب تشرين الأول 1973 وأخترنا للتنظيم اسم «التنظيم الشعبي اللبناني»، وبدأت عملية تثقيف واسعة تنشط في صفوفنا، وكنا من الجدية والتواضع بحيث قضينا أشهراً نقصد أمكنة محددة في لبنان لنصغي إلى قيادات فتحاوية ذات بعد فكري لتوسع معلوماتنا عن القضية الفلسطينية أمثال هاني الحسن وحسن الشريف وشوقي أرملي وصلاح التعمري وماجد أبو شرار وصخر حبش وغيرهم.
في حين انكببت مع عدد من الإخوان على عملية تثقيف واسعة ومعمقة واكبتها عملية تدريب أولية في لبنان ومركزة في (المنطار وعين الصاحب ومصياف في سورية)، وكنا من الديموقراطية بحيث كان كثير من شبابنا يذهبون إلى عينطورة والشياح وغيرها من مواقع الحرب الأهلية من دون إذننا أو رضانا.. ونحن مصرون على التركيز على فلسطين وحدها.. ومن هنا بنينا علاقات متينة مع أمثالنا من أهل التحفظ على الحرب الأهلية.
وكان أحد مواقع قوتنا علاقاتنا مع أطراف المعارضة الإيرانية وخاصة فريق عمل الإمام الخميني على مستوى قيادي وقاعدي، وهذا ما شكل مقدمة للتطورات التي حصلت مع بداية الثورة الإيرانية ونجاحها والتعقيدات التي حصلت بعد ذلك مع فتح.
وقد تميزنا في طريقة عملنا مع الإدارة المدنية والأمن الشعبي، وخاصة في مسألة التموين، حيث رفضنا الالتزام بتعميميات الحركة الوطنية والمحاصصة الحزبية، وشكلنا حيث استطعنا لجانا شعبية شفافة ومفتوحة على الجميع. ودخلت شخصياً في عمل جمعي لصيانة الجنوب امام البوابات الطيبة التي فتحها الصهاينة على طول الحدود مستغلين شحاً في تموين قرى الحدود، وعدم دقة او تعمد الخطأ في التعامل مع القرى المسيحية التي لم تكن مفتقرة إلى العملاء الذين يستغلون الأوضاع.
وفي لحظة حرجة اغتال العملاء ثلاثة من شبان حركة فتح لدى عودتهم من حانين على طريق عين إبل، وكانوا من أقرب الناس إلى تنظيمنا ويقومون بمهمات تصب في وقاية الشريط من شر العملاء والأغبياء.
واتفقنا على نعي الشباب باسم التنظيم الشعبي اللبناني. لكن النعي نزل في الصحف هكذا:
«التنظيم الشعبي اللبناني ـ فتح» فقررنا التوقف عن هذه الصيغة، واعتبرنا ذلك فضيحة، وأصبح همنا كيف لا نقطع صلة التنظيم في الجنوب والبقاع بالمقاومة، وطلبنا من الإخوة ان يتعاملوا مع فتح فردياً بالمشاورة معنا.. أما تنظيم بيروت فحولناه إلى (لجان وطنية) استمرت إلى آخر السبعينيات.
وفي الفترات اللاحقة حاولنا مع غيرنا مثل (اللجان الشعبية الديموقراطية، واللجان الوطنية في طرابلس وجيش لبنان العربي وبعض أطراف تنظيم فتح) ان ننشئ حركة لبنان العربي بالتعاون مع فتح، التي لم تتعاون تماماً. وهكذا انحلت علاقتنا في النهاية إلى علاقات أفراد بأفراد مع حركة فتح. وقد كان لأصدقاء الشيوعيين (حزب ومنظمة) في ما سمي بيسار فتح والمرحوم أبو أياد دور في منع تطوير هذا المشروع لأنه اعتبر ضد الحركة الوطنية كما قالوا.