| 

التحق عدد من الشبان السوريين، على مختلف مشاربهم، بالقتال في فلسطين منذ بدايات الصدامات المسلحة بين العرب واليهود، وكان التحاقهم على مراحل. ففي المرحلة الأولى وصل فوزي القاوقجي من منفاه إلى دمشق، وفي اجتماع لجامعة الدول العربية، قررت تشكيل جيش شعبي لمساندة المقاتلين الفلسطينيين تخوفاً من الاحراج أمام الرأي العام الدولي. وسمي هذا الجيش «جيش الإنقاذ» وأسندت قيادته إلى فوزي القاوقجي. وكان عديد هذا الجيش من مختلف البلاد العربية، وكان معظمهم من المتطوعين السوريين.
وفي تلك الفترة، طُبّق في سوريا نظام الفتوة للتدريب العسكري الذي طالب به طلاب ثانويات دمشق. فأفرزت قيادة الجيش السوري بعض الضباط لتدريب الطلبة، فبدأنا بالتدريب النظامي، ثم انتقلنا للتدريب الفعلي في معسكرات الجيش في قطنا. وكان مدربنا المباشر الملازم إحسان كم الماظ بالاضافة إلى بعض الضباط الآخرين كالمقدم محمد معروف والرئيس هشام السمان والرئيس بشير الطباع وغيرهم.
وتطور تدريبنا ليصبح عسكرياً بالفعل. إذ تدربنا على مختلف صنوف السلاح من البندقية إلى الرشيش فالرشاش. وانتقلنا من قتال الحظيرة إلى قتال الكتيبة، وبذلك أستطيع القول أننا كنا مؤهلين للمعركة.
وكان الضباط يتنادون للذهاب إلى فلسطين، وأخصهم الضابط إحسان كم الماظ. وما أن أزفت الساعة حتى خرجنا بتظاهرات تنادي:
جنِّدونا، سلِّحونها. وإلى فلسطين خذونا.
وبنتيجة الحماسة الكبيرة، التحقنا بجيش الإنقاذ، وكنا قريبين جداً من القيادة، حيث إننا رافقنا القاوقجي، منذ وصوله إل دمشق. وكان المسؤول المباشر في الأركان العامة العقيد محمود الهندي، ونعرفه جيداً، وقد أشار علينا بالالتحاق مع أبنائه بجيش الانقاذ، والتحقنا فعلاً. وكنا مجموعة من القوميين العرب أمثال منذر الميداني وقرار الشيخ ووليد الكزبري وممدوح رحمون وفايز الرفاعي ومنيب الرفاعي. وانضم إلينا بعض شبان البعث منهم نزار الأتاسي، وبعض شباب القوميين السوريين الاجتماعيين مثل الملازم نشأة مطرود، وإياد الموصلي وغيرهم.
كما التحقت مجموعة إسلامية من سوريا برئاسة الشيخ مصطفى السباعي والشيخ زهير الشاويش وكامل حتاحت وغيرهم.
وقد استشهد العديد منهم: كالدكتور تيسير طه من دمشق (استشهد في القدس) وضيف الله مراد من حمص (استشهد في بيت صفافا) ومحمد الصباغ (حمص) ومحمد الأرمنازي (حلب) ومشهور حيمور، وراضي الجوهري... وغيرهم.
وباختصار، كانت الجموع تتدفق للتطوع، ما حدا بالقيادة إلى الاعتذار منهم عن عدم تمكنها من تأمين المأوى والسلاح لهم.
والتحق بالقاوقجي من الضباط المقدم الركن مأمون البيطار، والمقدم محمود الرفاعي وحكمت رحمون، وعز الدين الجراح وخالد القنواتي، وكان مدير إدارة الجيش علي الدندشي وحين وصلنا إلى مقر القيادة في بلدة جبع في منطقة نابلس تم توزيعنا على بعض المراكز على جبل النار وبدأت المناوشات بيننا وبين اليهود، واشتركنا في معارك متعددة، لكن أبرزها كان في معسكرات أجنبية: وكنا بقيادة العراقي حميد صافي المرافق الدائم للقاوقجي، وكانت العملية تهدف إلى احتلال معسكر جنين الذي يحتله الانكليز. والذي كانوا يستعدون لتسليمه لليهود. ولكننا نجحنا في تلك المعركة. واستولينا على المعسكر، وأخذنا منه غنائم كثيرة.

محطة الشرق الأدنى للإذاعة العربية (البريطانية)
صدرت الأوامر من القيادة بتحرير هذه المحطة، وكلف الملازم مصطفى رام حمداني، الذي أصبح في ما بعد مدير المخابرات العامة في الجيش السوري. فاختار عناصره لهذه المهمة ووقع اختياره على منيب الرفاعي وعليَّ، مع مجموعة من عشرين عنصراً، فكانت المعركة مع الحامية التي أدركت أنها خاسرة لا محالة. فاستسلمت، وخرج الموظفون المدنيون تباعاً، وإذا بسيدة ترحب بنا وتقول: أنا عمي فارس الخوري، وكان اسم هذه المذيعة عبلة الخوري التي راحت تردد: أهلاً بأولاد بلدنا.
واحتدمت المعارك في جميع مواقع المنطقة، فكان الشهيد الأول من الضباط الملازم إحسان كم الماظ وهو دمشقي، وابن أخت حسني الزعيم، ثم تبعه الملازم الأول فتحي الأتاسي من حمص وكان رئيسي المباشر وقد ألحقت به بأمر من العقيد محمود الهندي. وكان قد غادر دمشق إلى فلسطين على رأس مجموعة من المقاتلين، وحين انتهت المهمة، وعاد إلى الجيش، استشهد على الجبهة بعد يومين من وصوله حين أطلقت النار عليه مقاتلة يهودية جريحة. وتبعه العديد من الشهداء، منهم الملازم أسعد عميّر من تدمر وضابط الصف عيسى شويحنه من حلب. وعبد المعين الجندي من حمص الذي استشهد في معركة (دغانيا أ) وتبعه الشهيد منذر الأيوبي عند مستعمرة عين غيض وجمال مارديني وكلهم من دمشق.
وكانت الخسارة الكبرى باستشهاد المقدم الركن مأمون البيطار من دمشق الذي أصيب بطلقة مدفع عند مستعمرة الزراعة. وتبعه الشهيد محمد جديد من اللاذقية، وكثيرون غيرهم.
أما مجموعة صفد فكانت بقيادة المقدم أديب الشيشكلي، وكان مقاتلوها من أبناء حماه، والتحق بهم بعض السياسيين كأكرم الحوراني وخليل الكلاس.
أما البعثيون فكانوا بقيادة الأستاذ ميشيل عفلق، الذي رافقهم لمدة محدودة، وكذلك صلاح البيطار.
وفي هذه العجالة، أستطيع القول أن ما من عائلة في سورية، إلا وكانت تعيش مع المجاهدين، إما مشاركة أو مساعدة...
هذا بعض من الذاكرة، بعدما ينوف عن ستين عاماً. لكنني لا بد أن أشير إلى الحكومات العربية التي عمدت على تأسيس جيش الانقاذ. فقد قامت بتهيئة الجيوش العربية لمعركة فاصلة مع اليهود. واتخذت مكاناً لقيادتها في معسكر للجيش الأردني في مدينة الزرقاء وهناك ظهرت بوادر المؤامرة الكبرى، فوُضعت الجيوش العربية تحت قيادة الملك عبد الله بن الحسين الذي اختير في مؤتمر دول الطوق في درعا وكنت شاهداً شخصياً على ذلك وكانت قيادة الجيوش العربية عملياً بإمرة الجنرال غلوب باشا (أبو حنيك) وبدت المؤامرة واضحة للعيان، وكانت أهدافها:
أولا: إنهاء مهمة جيش الانقاذ، وقطع المعونات المالية عنه والذخيرة.
ثانيا: تسليم مواقعه إلى الجيش الأردني الذي نفذ تعليمات الملك عبد الله بالوصول إلى حدود التقسيم المتفق عليها بينه وبين اليهود.
ثالثا: خروج بقية الجيوش العربية من المعركة إما مهزومة أو منسحبة، في ما عدا الجيش السوري الذي استطاع تحرير بعض أرض فلسطين، ليأتي انقلاب حسني الزعيم في سوريا. ويعيدها لإسرائيل بكل صفاته.
ولا تزال المؤامرة مستمرة. ولكننا سنقاتل حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا.