| 

في المؤتمر الفلسطيني الأول الذي عُقد في القدس في الفترة ما بين 27 كانون الثاني و9 شباط 1919، تبلور مصطلح «سوريا الجنوبية» ليكون صفة لفلسطين. وقد انعقد المؤتمر بعد مؤتمر الصلح في باريس (افتتح أعماله في الأول من كانون الثاني 1919) الذي كان يبحث، من جملة أمور أخرى، مصير المناطق التي أجبرت الدولة العثمانية على الانسحاب منها في الحرب، ما يعني ان يشمل هذا البحث مصير فلسطين نفسها. وكانت الجمعيات الإسلامية ـ المسيحية التي تولت قيادة الحركة الفلسطينية بعد الحرب مباشرة هي التي دعت إلى عقد هذا المؤتمر الفلسطيني. وقد بدأ التمهيد له بالفعل على تعميق ارتباط فلسطين بالجسم العربي. ولم ينشأ هذا العمل من فراغ بل كان يقوم على مناهضة حملة يقودها الحكم العسكري البريطاني في اتجاه تثبيت مفهوم لفلسطين منفصل تماماً عن سورية تحت شعار «فلسطين للفلسطينيين». وكان لهذا الاتجاه بعض صدى في أوساط فلسطينية شكلت حزباً عُرف باسم «الحزب العربي» الموالي لبريطانيا الذي وافق حاكم حيفا العسكري على قانونه الأساسي في 8 تشرين الثاني 1918.
غير أن العمل واجه صعوبات حقيقية داخل المؤتمر بعد أن وضع الحكم العسكري البريطاني ثقله للوقوف في وجه التيار الداعي إلى ربط فلسطين بسورية. ويقول محمد عزة دروزة، الذي انتخب سكرتيراً للمؤتمر وكان من أبرز الأعضاء المنادين بالوحدة العربية داخله، إن الانكليز حاولوا بأساليب متنوعة، ترغيبية وترهيبية، أن يصرفوا المؤتمر عن قرار الوحدة السورية، وان يقنعوه بطلب استقلال فلسطين بإشراف بريطانيا، وقد أقنعوا بذلك رئيس المؤتمر عارف باشا الدجاني، رئيـــس الجمـــعية الإسلامية ـ المسيحية في القدس، وبعض أعضائه. وكانـــت سلطات الحكم العسكري البريطاني تــعمل مـــن وراء ســتار في تحريك المندوبين الموالين لها في المؤتـــمر، الذين قدرهم الكابتن كامب من دائرة الاستخبارات البريطانية في تقرير له عن المؤتمر بأحد عشر عضوا من إجمالي عدد المندوبين البالغ 27 عضوا. وقد استعانت الإدارة العسكرية في ذلك بالجنرال جبرائيل حداد (سوري وكان مديراً للأمن العام في إدارة الأمير فيصل فـــي دمشــق وســـبق له العــمل في الإدارة العسكرية البريطانية في مصر) واستدعته من دمشق خصيصاً للضغط على أعــضاء المؤتمر للقبول بفكرة «فلسطين للفلسطينيين».
إلا ان الأعضاء المؤيدين لفكرة الوحدة قاوموا مقاومة شديدة هذه المساعي البريطانية الضاغطة، وتمكنوا في النهاية من فرض رأيهم فاتخذ المؤتمر قرارات كان أبرزها ما يلي:
÷ «اننا نعتبر فلسطين جزءاً من سورية العربية، إذ لم يحدث قط ان انفصلت عنها في أي وقت من الأوقات، ونحن مرتبطون بها بروابط قومية ودينية ولغوية وطبيعية واقتصادية وجغرافية».
÷ «بناء على ما تقدم، نعرف عن رغبتنا في ألا تنفصل سورية الجنوبية، او فلسطين، عن حكومة سورية العربية المستقلة، وان تكون متحررة من جميع أنواع النفوذ والحماية الأجنبيتين».
نحت إذن مصطلح «سورية الجنوبية»، لأول مرة في إعلان رسمي، ليكون دالاً على فلسطين، وليؤسس بالتالي هوية لها ـ عربية سورية.
لم يكن هذا التوجه بإحلال الهوية السورية هوية وحيدة لفلسطين، وبديلاً لها، فعلاً ميكانيكياً نتج بالضرورة عن الإيمان الذي عبرت عنه قرارات المؤتمر بالتأكيد أن فلسطين لم يحدث قط أن انفصلت عن سوريا في أي وقت من الأوقات، بل كان فعل خيار واع فرض نتائجه التي ظهرت في وثائق المؤتمر الرسمية دعاة الفكرة العربية الذين حصروا طموحهم السياسي آنذاك في إطار الوحدة السورية التي كانت تبدو لهم، مع وجود إدارة عربية في دمشق، ممكنة التحقق، وبذلك فهي السياج الأمني لفلسطين، او سورية الجنوبية وفق هذا التوجه، الذي يدرأ عنها الأخطار ما دامت هي جزءاً من هذا الكيان الأكبر.
لكن على الرغم من نجاح الأغلبية في المؤتمر في فرض تصورهم لهذه الهوية السورية لفلسطين، فإن معارضي هذا التوجه سعوا بقوة لنقضه وتغليب خياراتهم هم والمخالفة له. وقد ظهر ذلك فورا بعد صدور قرارات المؤتمر، وقد جاءت المبادرة، بما فيها من مفارقة، من جانب عارف باشا الدجاني، رئيس المؤتمر، الذي رفض (ومعه يعقوب فراج من أعضاء وفد القدس) توقيع القرارات التي اتخذها المؤتمر، وقد حاول الاثنان إقناع أعضاء آخرين (أحمد الصوراني والحاج سعيد الشوا من غزة، ورشيد الحاج إبراهيم واسكندر منسا من حيفا) بتبني موقفهما والتخلي عن المطالبة بتوحيد فلسطين مع سورية. وقد قدم هؤلاء الستة مذكرة إلى الإدارة البريطانية طالبوا فيها بحكومة دستورية مستقلة في فلسطين، تعنى بالشؤون الداخلية للبلاد، وتكون قادرة على إصدار القوانين الملائمة لأماني السكان، وبحيث تكون مرتبطة بالوحدة العربية الشاملة، هكذا بعمومية من دون تخصيص سوريا.
لم يكن هذا التوجه نابعاً من الإحساس بالتباين الكياني لفلسطين عن الجسم العربي السوري خاصة، بل كان في جانب منه نتيجة للضغوط البريطانية التي كانت تستهدف فصل فلسطين عن سورية وتقرير مصيرها منفردة ضمن سياستها الصهيونية. كما كان في جانبه الآخر مؤشراً إلى تفكير وجهاء المدن في فلسطين، الذين رأوا ان مصالحهم سوف تتعزز بوجود دولة أو حكومة منفصلة تهيئ لهم تبوء المناصب العليا فيها، وتحولهم من مجرد وجهاء إلى حكام ووزراء وربما رؤساء دولة. أو ما اصطلح عليه بـ«فلسطين للفلسطينيين»، كانوا من أثرياء فلسطين ومن رؤساء العائلات الكبيرة فيها (إسماعيل الحسيني وعارف الدجاني) بينما كان دعاة سورية الجنوبية من الشبان الموالين لفكرة الوحدة العربية.
وعلى كل حال، فما يتبين مـــن وقائـــع التطورات التي اعقبت المؤتمر الفلسطيني الأول، ان خط فـــصل فلسطين عن سوريا لم يكسب إليه إلا شرائح محدودة في البـــيئة السياسية الفلسطينية، بينما كانت السيادة الطاغية لموضـــوعة سورية الجنوبية التي احتلت مركز الصدارة في الفكـــر السياسي الفلسطيني على مدى يزيد عن عام ونصف عـــام (منذ المؤتمر الفلسطيني الأول حتى سقوط مملكة فيصل فـــي دمشق في تموز 1920). ويتضح ذلك من خلال المطالب التي قدمت إلى لجنة كنغ ـ كرين الأميركية، التي زارت المنطقة في الفـــترة من 10 إلى 25 حزيران 1919. وقد ذكرت اللجـــنة في تقريـــرها: «إن السكان من مسلمين ومسيحيين على السواء اعربوا عن رغبتهم في الحفاظ على وحدة بلادهم مع سورية الـــتي يعتبرون فلسطين من كلتا الوجهتين التاريخية والجغرافية جزءاً منها».
وعمق هذا التوجه الذي كان يتمحور حول سورية الجنوبية المؤتمر السوري العام الذي عقد في دمشق في أواخر حزيران 1919 وأذيعت مقرراته في الثاني من تموز من العام نفسه. فقد ضمّ المؤتمر «مندوبي جميع المناطق الثلاث: الجنوبية والشرقية والغربية»، وقام الأعضاء الفلسطينيون فيه بدور بارز، كما تولى سكرتاريته محمد عزة دروزة.
ولم يوفر أصحاب فكرة سورية الجنوبية جهداً لإيصال صوتهم إلى القطاعات العريضة من الناس، بل عملوا على «خط الإعلام» باعتباره الوسيلة الأكفأ والأوسع انتشاراً التي يمكن أن يحشدوا الناس بواسطتها حول أفكارهم. وهكذا أنشئت جريدة حملت اسم «سورية الجنوبية» صدر العدد الأول منها في 8 أيلول 1919 وكان يشرف على تحريرها عارف العارف ومحمد حسن البديري. وكانت هذه هي الجريدة الوطنية الأولى التي صدرت في فلسطين (كانت تطبع في القدس) بعد الاحتلال البريطاني، وكانت الجريدة تؤكد أن فلسطين جزء من سورية، مع التركيز على ضرورة الاتحاد معها، وكانت تمثل روح الحركة الوطنية في أوائل الاحتلال البريطاني.
وقد جاء المؤتمر العربي الفلسطيني الثاني ليعيد التأكيد بقوة على موضوعة سورية الجنوبية. وقد عقد المؤتمر في دمشق، في 27 شباط 1920، بعد أن منعت السلطات البريطانية عقده في فلسطين، وشارك فيه عدد كبير من الممثلين عن دمشق وحوران والكرك وشيوخ بني صخر في شرق الأردن والدنادشة في البقاع. وعالج المؤتمر موضوع الحكومة الفلسطينية المستقلة عن سورية ورفضها منذ جلسته الأولى.
جاءت هذه القرارات قبل أيام معدودة من الحدث التاريخي بإعلان الملكية في سوريا في الدورة الثانية للمؤتمر السوري العام الذي عقد في دمشق في 6 آذار 1920 واعلن الأمير فيصل بن الحسين ملكا على سورية. وكان من جملة قراراته اعلان استقلال سورية «التي منها فلسطين، بحدودها الطبيعية استقلالاً تاماً لا شائبة فيه». وقد أكد فيصل بعد اعلان الاستقلال وتنصيبه ملكاً «أن لقبه كملك يشمل فلسطين كذلك... ما لم يكن هناك شك حول هذه النقطة بسبب استعمال الدول الغربية لكلمة سورية والتي تعني لهم القسم الشمالي من البلاد فقط».
ثم كان تشكيل حكومة هذه الدولة (الفيصلية) المعلنة تأكيداً لإدماج سورية الجنوبية في إطارها. فقد تم اختيار شخصية من القدس، هو سعيد الحسيني، ليكون وزيراً للخارجية في أول مجلس وزراء شكل في عهد الملكية (في 8 آذار 1920)، كما شغل عدد من الشخصيات الفلسطينية مناصب مهمة في الحكومة، كان منهم عوني عبد الهادي سكرتير الملك فيصل، وأمين التميمي مستشار رئيس الوزراء، وأحمد حلمي عبد الباقي مدير الخزانة، ومعين الماضي رئيس دائرة الاستخبارات، ومحمد علي التميمي رئيس شرطة دمشق، وصبحي الخضرا وكيل مدير الأمن العام، ومحمد عزة دروزة الذي كان يشغل منصب سكرتارية المؤتمر الذي تحول إلى مجلس تأسيسي.
كانت تلك هي الذروة التي وصلت إليها موضوعة سورية الجنوبية، إلا انها كانت موقتة، فقد اعقبتها تحولات سريعة أدت إلى نكسات حقيقية أصابتها في الصميم. فقد كان رد الحلفاء على اعلان الملكية في دمشق سريعاً. ففي الفترة ما بين 19 و25 نيسان 1920 عقد المجلس الأعلى للحلفاء مؤتمراً لهم في سان ريمو (بايطاليا) وكان من جملة القرارات فرض الانتداب البريطاني على فلسطين والفرنسي على سوريا. وبعد ثلاثة أيام من انتهاء المؤتمر استدعى الجنرال لويس بولز الحاكم العسكري البريطاني لفلسطين عدداً من الشخصيات الفلسطينية (جمعهــم في نابلـــس) وأبلغـــهم رسمـــياً بقرار سان ريمو بخصوص الانتداب البريطاني علــى فلـــسطين، وأيضاً بتصريح بلفور الخاص بإنشاء وطن قومي لليهود فيها.
وتبع ذلك عدد من التطورات السريعة كانت تصب في النهاية لوأد موضوعة سورية الجنوبية. ففي الأول من تموز 1920 اعلن عن انتهاء الحكم العسكري لفلسطين وإقامة إدارة مدنية فيها، كما عين هربرت صمويل مندوباً سامياً ما يعني تكريس انفصال فلسطين عن سورية رسمياً بوجود سلطتين سياسيتين مختلفتين في القطرين. وما كانت غير أيام حتى كان الجيش الفرنسي يجتاح سورية الداخلية وينهي وجود المملكة العربية في دمشق بعد معركة ميسلون الشهيرة في 24 تموز 1920. وقد كان هذا التطور الأخير هو الضربة القاضية التي تلقتها موضوعة سورية الجنوبية.
راجع: عصام سخنيني، «فلسطين والفلسطينيون»، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2003.