| 

تقول مسيرة قرن مضى إن فلسطين كانت، وبحق، ثورة العرب. أما عدالة قضيتها وتضحيات شعبها، فكانت بؤرة إلهام جذبت مئات المناضلين والأحرار من أربع جهات الأرض للتطوع إلى جانب فدائييها. وهكذا لم يكن الشيخ عز الدين القسام، القادم من سوريا، القائد الممهد لثورة 1936 وأحد أبرز رموز النضال، حالة طارئة أو استثنائية في مسيرة الفلسطينيين وثوراتهم المتتالية.
في فلسطين، ما قد يبدو للآخرين غريبا، لا يستوقف انتباه أحد أو استغرابه. هنا، في مكتب متواضع في شارع «الإرسال» في رام الله يطل عليك رجلٌ وسيم بشوش، جاء من سامراء في العراق قبل أربعة عقود «وتورط» في حب فلسطين والإخلاص لها، وتماهى معها حتى عاد لها دون وطنه العراق؛ إنه عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، النائب في البرلمان الفلسطيني، قيس عبد الكريم (أبو ليلى).
وليس «أبو ليلى» غير واحد من مئات، بل آلاف المناضلين العرب والأجانب الذين انخرطوا في الثورة والنضال الفلسطيني، ولا يزال عدد منهم ملاصقين لها بإيمانهم وقناعات لم تفلح جميع النكسات والهزائم في تبديدها.
يكتفي «السامرائي» بالابتسام حين تسأله عن إحدى أحدث المفارقات؛ إحدى حماقات احتلال يمنع عراقيا من مغادرة فلسطين التي يناضل في سبيل عودتها وعودة أبنائها إليها منذ أربعة عقود، ويقول: هذه هي المرة الثالثة التي يمنعونني فيها من السفر. عادة أحتاج إلى تصريح خاص، هذه المرة رفضوا منحي التصريح. الأمر لم يستثرني لأنها ليست المرة الأولى التي أُمنع فيها من السفر.
وكان الاحتلال منع قيس عبد الكريم يوم 30/11/2011 من مغادرة الضفة الغربية، حين كان متوجها على رأس وفد برلماني فلسطيني للمشاركة في أعمال الدورة 27 لبرلمان أميركا اللاتينية التي عقدت في بنما.
«فَشلَ» أبو ليلى في اختبار ضابط المخابرات الإسرائيلي الذي سأله عن فحوى الكلمة التي سيلقيها أمام البرلمانيين اللاتينيين، حين أجابه من دون تردد: «سأدعو برلمانيي أميركا اللاتينية لدعم المطلب الفلسطيني بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضي دولة فلسطين»، ولم يطل الأمر إلا دقائق حتى أبلغه الضابط قرار منع سفره. 


البدايـات

يشير أبو ليلى (وهو ابن لأم فلسطينية وأب عراقي) إلى البدايات التي قادته إلى الثورة الفلسطينية التي أصبح أحد قادتها، فيقول: الأجواء التي كانت سائدة في العراق منذ عام 1948 كانت تضع فلسطين في مركز الاهتمام. ومع وقوع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 فإن انعطافة حادة حدثت في صفوف العرب، خاصة أن إسرائيل كانت أحد أطراف هذا العدوان. ومع وقوع العدوان الثلاثي انتسبت ومجموعة من الشبان إلى حزب البعث، وصرت أحد أعضاء خلية فلسطينية كانت تضم لطف غنطوس الذي أصبح لاحقا رئيسا لاتحاد طلبة فلسطين. كان هذا في خمسينيات القرن الماضي، حيث ذهب قيس عبد الكريم عام 1959 للدراسة في بريطانيا، مكث ثلاث سنوات (حتى عام 1962) يدرس الاقتصاد، من دون أن تبعده أو تشغله أجواء الغربة وأوروبا عن قناعاته بقضية تسري في عروقه، فانخرط في حركة الطلبة، وقاد اتحاد الطلبة العرب، قبل أن يعود مجدداً إلى العراق، وبرز آنذاك الجدل في صفوف الحركة القومية العربية حول التحول إلى الماركسية.
يقول عبد الكريم مستذكرا تلك المرحلة: كنا منخرطين في هذا الاتجاه (التحول للماركسية)، ما أدى إلى فصلنا من حزب البعث. كان هناك تقارب مع الرفاق في حركة القوميين العرب لكني لم أنضم إلى الحركة. وتمضي الأحداث بتسارع، ويأتي عام 1967 حيث احتلت إسرائيل بقية أراضي فلسطين وأجزاء من بلدان عربية أخرى، لتصبح فلسطين وقضيتها «صاحبة الدور المحوري في مواجهة الاستعمار».
وراحت أوساط الشبان العرب والفلسطينيين تتجادل في أهمية تأسيس تيار يساري في صفوف المقاومة، في هذا الإطار، قررت مجموعة من الشيوعيين والقوميين والبعثيين. الانخراط في الجبهة الشعبية من دون أن ننضم إلى حركة القوميين العرب التي كانت تمر بأزمة حادة أدت بعد فترة وجيزة إلى انقسامها، وانعكس ذلك على فرعها الفلسطيني، ومن ثم ظهرت الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين. 


ثورة فلسطين تستقطب المناضلين

شكل العام 1967 نقطة تحول على أكثر من صعيد، ولا سيما تحول الثورة وقضية فلسطين إلى عنوان جاذب للمناضلين من أنحاء الوطن العربي والعالم، قبل العام 1967 كان الاستقطاب محدودا، لم تكن الثورة الفلسطينية قد تحولت إلى نقطة استقطاب، وهو ما برز بعد هزيمة 1967. لكن الأمر اختلف بعد أن برزت بوضوح مسألة العلاقة بين قضايا التحرر العربي والنضال ضد توسع الاحتلال الإسرائيلي، وأصبح موضوع فلسطين يحتل المكان المحوري في هذه العملية، لذا شهدت الفصائل الفلسطينية تدفقاً هائلاً من الثوريين والمناضلين العرب. العراقيون كانوا بالمئات، وكذلك من سوريا ومن المغرب العربي ومن مصر واليمن ومختلف البلدان العربية.
يشير أبو ليلى إلى مجموعتين من المناضلين العرب والأجانب الذين تطوعوا في صفوف الثورة الفلسطينية، الأولى هم أولئك الذين كانوا يأتون لفترات محددة (خاصة في فترات المعارك أو الحروب)، والثانية مجموعة تضم أولئك الذين انخرطوا في صفوف الثورة بشكل كامل ودائم. وعلى سبيل المثال، كانت الثورة اليمنية بعد سنة 1967 قد انتصرت أو أوشكت على الانتصار في الشمال والجنوب، وبالتالي فإن قسماً كبيراً من الشباب اليمني الذين كانوا منخرطين في صفوفها توجهوا إلى صفوف الثورة الفلسطينية. كذلك في لبنان، فقد انضم بعض أفراد فرع حركة القوميين العرب إلى الجبهة الديموقراطية وكذلك أفراد من فرع القوميين العرب في سوريا، الذي اعتبر نفسه جزءا من الجبهة الديموقراطية، وبقي حتى عام 1970، حين بدأت الكوادر السورية تترك العمل في الجبهة.
بعد أحداث الأردن في سنة 1970 انحسر انخراط العرب في الثورة الفلسطينية. ويقول قيس عبد الكريم: «عاد بعض المناضلين العرب إلى بلدانهم لإنشاء تشكيلات هناك، ولكن بقي عدد منهم في صفوف الثورة الفلسطينية. وعلى سبيل المثال، في مؤتمر الجبهة الديموقراطية الثالث عام 1991 كان عندنا 4 أعضاء في المكتب السياسي من غير الفلسطينيين من أصل 15 عضوا وفي جميع الأحوال كانت أعداد العرب في صفوف الثورة الفلسطينية تتباين، فتقفز في المنعطفات وتنحسر في الأحوال العادية، فقد وصلت عامي 1976 و1982 مثلا إلى أعداد غفيرة من المتطوعين العرب من المغرب العربي واليمن والأردن ومختلف البلدان العربية، وكذلك من سوريا ولبنان بالطبع، حيث كانت قواعد الثورة.
ويؤكد عبد الكريم أن «الانخراط الدائم في صفوف الثورة بدأ يتراجع عام 1970، لكنه لم يتحول إلى الصفر، فقد كان هناك عدد كبير من المناضلين المصريين في صفوف «فتح» القيادية، مع أنهم ليسوا في لجنتها المركزية. 


العراقي يعود إلى وطنه.. فلسطين

بعد سنوات طويلة، عاد السامرائي «أبو ليلى» إلى وطنه؛ عاد إلى فلسطين، «العودة إلى فلسطين كانت مهمة سياسيا، عاطفيا شعرت كأنني أعود إلى بلدي، خاصة أنني منذ العام 1971 وأنا أعمل بشكل مباشر وغير مباشر في الداخل الفلسطيني». يقول «أبو ليلى» الذي لم يعد إلى وطنه العراق منذ انخرط في الثورة الفلسطينية غير ثلاث مرات في الأعوام 1971 و1973 و1994 حين توفي والده: بين العامين 1989 ـ 1996 كنت مسؤولا عن ساحة الداخل، وقبل ذلك كنت مسؤول اللجنة المسؤولة عن الأردن والداخل، لذا فإنني كنت أعيش وأحس كأني داخل فلسطين ولو أنني لم أكن فيزيائيا موجودا فيها. غير أن الفارق بين الخريطة والأرض هائل، ولكن مع ذلك فإن التعايش مع تفصيلات الوضع كان قديما بحكم العمل الذي كنت أقوم به.

يهود في ثورة الفلسطينيين

لم يكن وصول عدد من المناضلين العرب إلى قيادة بعض الأحزاب الفلسطينية أمراً استثنائيا، فها هو أوري ديفيس اليهودي المولود في مستوطنة أقيمت على أرض الفلسطينيين يفوز بأصوات أعضاء حركة فتح في مؤتمرها السادس الأخير.
ويعرف ديفيس، عضو المجلس الثوري لحركة «فتح» نفسه بأنه فلسطيني عبري، من أصل يهودي، من مواليد القدس عام 1943 قبل إقامة الدولة العنصرية، ومناهض للصهيونية. ويوضح ديفيس، المتزوج من فلسطينية، أنه انضم إلى حركة فتح عام 1984 على يدي الشهيد خليل الوزير «أبو جهاد».
وكان يهودي آخر هو إيلان هاليفي سبق ديفيس في الانضمام إلى حركة فتح عام 1968، حيث عمل في أطرها التنظيمية وكان ممثلها في الاشتراكية الدولية، وعضواً في مجلسها الثوري أيضا.
ويوضح عضو اللجنة المركزية لحركة فتح محمود العالول الذي عمل إلى جوار الشهيد «أبو جهاد»، وكان مسؤولا عن القطاع الغربي، أن الأمر لم يقتصر على المتطوعين ومئات المناضلين العرب والأجانب الذين انخرطوا في صفوف الثورة، بل هناك مجموعات من العرب دعمت الثورة و«فتح» في بداية التأسيس، لافتا إلى مجموعات في السعودية وقطر والكويت. ويضيف العالول: مع معركة الكرامة فتحت آفاق كبيرة لانخراط المناضلين العرب في صفوف الثورة. ويعيد التذكير بأن رخصة مجلة «فلسطيننا» كانت لشخص لبناني هو توفيق الحوري، وهناك عدد من القيادات العربية الأخرى، مثل أحمد الأزهري (مصري) كان مديراً لمكتب الرئيس الشهيد ياسر عرفات، والدكتور محجوب عمر الذي كان من قيادات الثورة، (وهو مصري)، والعلامة اللبناني السيد هاني فحص، إلى جانب مناضلين سودانيين ويمنيين وليبيين وسوريين ومغاربة، وآخرين من مختلف البلدان العربية والإسلامية.
شكلت الساحة اللبنانية آنذاك ملاذا لمئات المثقفين والمناضلين العرب الذين لجأوا إليها وانضموا إلى الثورة الفلسطينية وانخرطوا في صفوفها ومؤسساتها، حيث رافقها بعضهم وعادوا معها إلى فلسطين، مثل اللواء مطلق حمدان.
وينوه العالول بالأثر الايجابي والمهم لانخراط آلاف المناضلين العرب والأجانب في ثورة فلسطين، ويقول: كانت تجربة ايجابية تعبر عن العمق العربي للثورة العربي، وكان هذا ينعكس إيجابا على معنويات المقاتل الفلسطيني، ويشعر بأنه ليس وحده في عزلة، بل هناك شعوب مؤمنة بقضيته وتساعده وتحتضنه، ومستعدة للتضحية في سبيل فلسطين. ويشير محمود العالول إلى الأثر الايجابي للثورة الفلسطينية في المجتمعات العربية، من حيث إنضاج تجربة أحزابها ورعاية ظهور بعضها ومساندتها، منوها بعلاقات جيدة ووطيدة ربطت حركة فتح مع المرحوم السيد محمد حسين فضل الله، والعلامة موسى الصدر، الذي قدم له الشهيد «أبو جهاد» الدعم لدى إنشاء حركة «أمل».
صحافي فلسطيني مقيم في رام الله.