| 

حين يتمنى المرء أن يكون سعيدا في حياته فهذا أمر طبيعي، لكن حين تصبح غاية أمنياته التخلي عن حياته طلبا للشهادة، فهذا أمر يستحق الكتابة والتوثيق والاحترام. المحارب الأردني جعفر أبو جعفر، الذي شارك في حرب حزيران 1967 كان واحدا ممن تمنوا الشهادة على الدوام، وكان آنذاك وكيل ضابط, مساعد قائد ميكانيكي في منطقة الجيب قرب رام الله.
أبو جعفر (67 سنة)، الذي تم ترفيعه إلى رتبة ضابط بعد مشاركته في الحرب التي باتت تعرف باسم «النكسة»، تمنى الشهادة دفاعا عن فلسطين، يقول: المعركة كانت شرسة، وتكتيك إسرائيل استند إلى خطط للهجوم على القطاع الشمالي مثل جنين وقلقيلية ومدينة نابلس، ومحاولتها القضاء على الجيش الأردني للوصول إلى نهر الأردن. جاءت أوامر بأن يأخذ كل فريق دوره، وعندما احتل العدو تلة الرادار ومنطقة الشيخ عبد العزيز، كان من الواضح لنا أن الهدف هو تطويق القدس من الشمال (أريحا ورام الله)، تحرك لواء مشاة أردني إلى شمال القدس، وفجأة أصبحت القذائف المصوبة باتجاهنا تسقط كالمطر، وكان أحد زملائي يصيح لإصلاح سيارة ضابط الملاحظة، وأسرعت حيث كانت الصواريخ تتطاير في كل مكان، وقمت بإصلاحها».
ويتابع: كانت سيارة ضابط الملاحظة مهمة، كونه الذي يحدد لنا بالضبط مكان العدو، هناك رأيت الكثير من الجنود الإسرائيليين من المحمولين جوا، فبدأ الجيش العربي بضربهم في معركة عنيفة، وكانت أشلاؤهم تتطاير في الهواء، خصوصا المظليين، كما أن عتادهم تطاير في السماء جراء قصف دباباتنا لهم. ويروي أبو جعفر كيف أن كثيراً من زملائه استشهدوا أمام عينيه في الحرب، وقال: كنت أشاهد زملائي على الأرض، لكنهم استشهدوا بشجاعة وشرف، كانوا يقفون أمام دبابات العدو من دون خوف، وكانوا يعلمون أنهم سيستشهدون. ويستطرد والدموع تسيل على وجهه، «لو عاد الزمن إلى الخلف وتكررت الحرب مئة مرة وأنا في قيد الحياة، لشاركت في المعركة من دون خوف، أملا في نيل الشهادة».
حرب حزيران 1967 بين اسرائيل من جهة، والأردن وسوريا ومصر من جهة أخرى، والتي انتهت بانتصار إسرائيل، تعرف إسرائيليا بحرب «الأيام الستة»، حيث بدأت بهجوم إسرائيلي مفاجئ على السلاح الجوي المصري في سيناء، وكان من أكبر أهداف هذه الحرب ضرب القواعد العسكرية المصرية في آن واحد، حيث تم تدمير 280 طائرة. وبعد هجومها الجوي، شنت اسرائيل هجوما بريا على مصر.
وسعت إسرائيل إلى تأليب الرأي العام عن طريق وسائل الإعلام المختلفة في جميع أنحاء العالم، ليتولى قادة الدول الأوروبية تبني فكرة دفاع إسرائيل عن نفسها، بحجة أعمال التسلل التي كان يقوم بها فدائيون سوريون في داخل فلسطين المحتلة، والقصف المدفعي السوري من هضبة الجولان على المستعمرات الإسرائيلية والمزارعين اليهود الذين كانوا يعملون في منطقة شرق بحيرة طبريا. ومن هنا أرسل العدو دبابات إلى المنطقة الحرام المقابلة لسوريا، والتي كان يستغلها اليهود لزراعتها، فقصفت المدفعية السورية الدبابات الإسرائيلية، ليرسل العدو الصهيوني طائراته التي دمرت الطائرات السورية.
لم يكن لدى الأردن آنذاك أدنى شك في رغبة اسرائيل في التوسع باتجاه الضفة الغربية، ففي خطاب للملك الحسين بن طلال قال «هدف العدو الآن واضح، وهو الضفة الغربية، وبعدها الضفة الشرقية، وبعدها سيتوسعون في وطننا العربي ويحققون أهدافهم وأطماعهم».
كانت الخسائر الإسرائيلية على الجبهة الأردنية أكبر من جميع الجبهات الأخرى مجتمعة، على الرغم من سقوط ما يقارب 600 شهيد أردني و6000 جريح ومفقود، في حين يزعم الإسرائيليون عدم وجود أي معلومات لديهم عن هؤلاء المفقودين، الأمر الذي يجعل قضية المفقودين قضية معقدة وشائكة.
ويؤكد مسؤول اللجنة الوطنية الأردنية للأسرى والمفقودين في السجون الاسرائيلية فادي فرح أن «قضية المفقود ليست صعبة جداً مقارنة بالأسير، فأهالي المفقود ليست لديهم أي معلومات عنه، ويعيشون على أمل عودته، ويتوقعون في كل لحظة سماع أي خبر عنه، أما الأسير فقد يتم التواصل معه عبر محام».
ويقول فرح، إن لدى اللجنة أسماء 29 مفقودا، بينهم 17 من مفقودي حرب 1967، لكن عائلاتهم أصيبت بالإحباط والملل إزاء هذه القضية، مضيفا أن «اللجنة تثير قضية المفقودين إعلاميا في الصحف والمواقع الالكترونية، وأحيانا تجد صدى وتعاطفا من الناس، لكن المشكلة تكمن في موقف الحكومة الإسرائيلية، إذ إن وزارة الخارجية الأردنية ترسل أسماء المفقودين إليها، لكن العدو الصهيوني لا يعترف بقتلهم أو أسرهم».
ويعبر رياض محمد شحادة، ابن المفقود العريف محمد شحادة، عن فخره وحزنه في الوقت نفسه، فهو يفخر بوالده الذي شارك في حرب 1967 ضد الاحتلال الصهيوني، وكان آنذاك ضمن تجمع وحدات عسكرية في منطقة خان الأحمر قرب أريحا، لكن عائلة الشهيد حزينة لعدم تسلمها جثته أو سماع أي أخبار عنه، حيث حاولت جاهدة مرات عدة الاتصال بالجهات المعنية لمعرفة أخباره، إن كان شهيدا أو أسيرا في السجون الصهيونية. وقال شحادة انه وعائلته متيقنون من أنه «لا يزال أسيرا لديهم، حيث ظل لدينا أمل بعودته حتى عام 1990، ولكن بعد مرور أكثر من عامين على فقدانه اعتبرته الحكومة الأردنية شهيدا».
ومن أعظم المعارك بين الجيش العربي والقوات الصهيونية معركة تل الذخيرة التي دارت على تلال القدس، وخاضتها كتيبة الحسين الثانية المكونة من نحو 100 فرد، التي أسماها الملك الحسين بكتيبة «أم الشهداء» لأنها فقدت 97 شهيدا، حيث حارب ضباطها وجنودها شمالا على تلة الذخيرة وصولا إلى سور القدس القديم جنوبا، متحدين طائرات العدو حتى استشهد معظم أفراد الكتيبة، ولم يبق منهم إلا أربعة جنود، وظلت قوات العدو تحاول النيل منهم كي تقضي على الكتيبة برمتها، إلا أنها لم تجد مفرا إلا تغيير خطتها، من خلال اللجوء إلى الحيلة والخداع برفع أعلام الأردن وصور الملك حسين ليظن الجيش العربي أنها إمدادات لكتيبته، وبذلك استطاع ضرب الكتيبة حتى القضاء على قدراتها القتالية.

صحافية من الأردن