| 

من هو الفلسطيني؟ أهو الذي ينتمي إلى عائلة فلسطينية الأصول؟ التعريف، ظاهرياً، صحيح لكنه، في جوهره، غير صحيح على الإطلاق. ذلك أن خصوصية الوضع الفلسطيني تفرض تخصيص تعريف الإنسان الفلسطيني. فلا الأصول ولا الجغرافيا ولا التاريخ، الذي هو ظل الجغرافيا، يمثل شيئاً ذا بال في تعريف الإنسان الفلسطيني، طالما أن فلسطين الفلسطينية القديمة قد دُمرت ملامحها، وأن فلسطين الفلسطينية القادمة مشروع مستقبلي. يفرض هذا التصوّر تأكيد أمرين: إن الفلسطيني هو الذي لا ينتمي إلى فلسطين، بالمعنى الجغرافي، بل إلى القضية الفلسطينية، من حيث هي قضية ثقافية ـ سياسية. ففلسطين بالمعنى المجازي، هي ما عاشه أهلها منذ عام 1948 حتى اليوم، وفلسطين، بالمعنى الفعلي، هي تجربة الفلسطينيين الموزعة على الشتات والمنفى والصبر والمجالدة والكبرياء، والتضحية وعلى إتقان «تجربة الانتظار» في جميع الفصول، الذي يعني أن الظلم الذي لحق بالفلسطينيين لن يدوم.
إذا كانت فلسطينية الفلسطيني تفرض التمييز بين الانتماء المكاني والانتماء السياسي ـ الثقافي، بسبب الفرق بين معنى الأرض ومعنى الوطن، فإن البعد العربي في الهوية الفلسطينية، وهو بعد جوهري له شكل البداهة، يقضي بدوره بأسئلة كثيرة. فهناك أولاً تحولات القضية الفلسطينية في الفضاء السياسي العربي، وهناك ثانياً الفرق بين الأيديولوجيا القومية والثقافة العربية... إضافة طبعاً إلى تحولات «المشروع القومي العربي» الذي بدا واعداً، ذات مرة، ولاحقاً ولم يحقق شيئاً.
لم يكن الإخفاق العربي في دعم القضية الفلسطينية إلا صورة دقيقة لإخفاق المشروع القومي العربي من ناحية، وإخفاق النظم العربية في بناء مجتمع مدني ـ قومي، من ناحية ثانية. ولذلك لم تظهر «عروبة فلسطين» جلية واضحة إلا في الإبداع الثقافي العربي، شعراً ورواية ومسرحية، بينما بقيت، خارج ذلك، شعاراً بلاغياً تحتاجه الأيديولوجيات السلطوية وشبه السلطوية. ولا غرابة في الأمر، طالما أن حقيقة القومية العربية، من حيث هي مشروع حداثي، تتجلى في اللغة والأدب والإبداع وحرية المتخيل ونقد القديم والبالي لا في الممارسات السياسية التقليدية. أكثر من ذلك: لقد لعب الصعود القومي العربي، الذي سبق هزيمة حزيران وتلاها لفترة محدودة، دوراً واسعاً في التعريف القومي بالقضية الفلسطينية، مثلما لعبت هذه الأخيرة، وبشكل مواز، دورها في الإعلان عن «قومية المعركة» ويمكن القول اتكاء على ما سبق: إن أفق التحرر الفلسطيني، في احتمالاته المختلفة، لا ينفصل عن أفق القومية العربية، فهو يضيق بتراجع النزوع القومي ويتسع بتقدمه.
هوية الشتات والنفي
ما الفرق بين هوية الفلسطيني وغيره؟ تتعرف الهوية بعناصر مختلفة، مثل اللغة والثقافة والدين والوعي الجماعي ومعايير الحياة الاجتماعية المتوارثة... يصلح هذا التعريف لجميع الهويات بشكل عام. والهوية الفلسطينية تتضمن هذه العناصر، من دون أن تختصر إليها على الإطلاق. والعنصر الحاسم فيها هو: التجربة الفلسطينية التي تعيد تعريف هذه العناصر جميعاً، من حيث هي تجربة خاصة بالفلسطينيين من دون غيرهم. ولهذا تتوزع اللغة العربية على الفلسطيني وعلى العربي غير الفلسطيني، من دون أن يعني أنهما يتقاسمان تجربة واحدة وهوية واحدة، وذلك انطلاقاً من قاعدة بسيطة هي أن العربي العادي يعرّف نفسه ببلده وعلمه وأرضه وعلاقات القرابة التي تشده إلى غيره، خلافاً للفلسطيني الذي توزّع على أكثر من بلدة وأرض وانتشر أقرباؤه في جميع أنحاء العالم.
إن تفرّق الفلسطينيين خارج أرضهم يجعل سؤال الهوية معقداً من ناحية ويجعله قائماً، من ناحية ثانية، على تجارب الطرد والمنفى والهجرة الأكثر غرابة في القرن العشرين. وعلى هذا فإن وعي الهوية الفلسطينية يساوي وعي الفلسطينيين المشترك بأوضاعهم كبشر هجّروا ويريدون العودة إلى بلادهم. تجبر التجربة الفلسطيني على العودة إلى وعيه الذاتي واضعة أمامه معنى العودة والخروج. والأمر لا علاقة له فقط بالأرض، من حيث هي، بقدر ما يرتبط بوضع الفلسطيني الذي أصبح خارج أرضه وأصبح خارج الحقوق الإنسانية أيضاً. فبعض الفلسطينيين يكتب على جواز سفرهم: «الهوية غير محددة»، ويكتب على جوازات سفر أخرى «الجنسية: بلا»، وهناك طرف ثالث لا يمتلك جواز سفر أصلاً. والسؤال هو: ما هي هوية الفلسطيني الذي يحمل «جواز سفر» يلغي كلمة «فلسطين» ولا يعترف بها؟ أو: ما هي هوية الفلسطيني الذي يحمل وثيقة سفر تحمل صفة اللاجئ الفلسطيني؟*
إن هوية الفلسطيني، بالمعنى المتعارف عليه بين البشر، غير قائمة، كانت موجودة و«سرقت»، وعلى الفلسطيني أن يبحث عنها ويجدها. أي أن هوية الفلسطيني الحقيقية، تتمثل، أولاً وأخيراً، في استعادة هويته المسروقة، ولن يشفع له موروثه العربي في التعويض عن هويته، ولن تساعده لغته العربية في البرهنة على أن له هوية كهوية الآخرين. والأمر لا يختلف في صفة «اللاجئ»، التي تعني أنه من مكان آخر، وأن مكانه الجديد قلق ولا يؤمن الاستقرار وأن هويته، منطقياً وفعلياً، تتحقق إذا عاد إلى مكانه الأول، وظفر من جديد بالأمان والاستقرار. يبدو الفلسطيني، في الحــالين أنه غيـــر موجـــود، أو أن لـــه وجوداً يختلف عن وجود جميع البشر. يصبح الكفاح الفلسطيني، في هذه الحدود، كفاحاً مزدوج الدلالة: يســـعى إلى استعادة الأرض المغتصبة، من ناحية، ويتعيّن ككفاح إنساني أخلاقي ومعنوي، يعيد الفلسطيني إلى حال البشر العاديين، الذين لهم «جنسية» ولا تضاف إلى أسمائهم صفة اللجوء.
تفصل التجربة بين هوية الفلسطيني وغيرها من الهويات، وتأتي صفة «الآخر» لتزيد من هذا الانفصال وتعمّقه. فكلمة «الصهيوني» تعني للفلسطيني ما لا تعنيه لغيره، وحتى الإنسان العربي المتضامن مع الشعب الفلسطيني لا يشعر ويعيش ويحس الكلمة، كما يعيها الفلسطيني، لأنه لم يعش مباشرة العنف الصهيوني.
أنظر: فيصل »دراج، قضايا فلسطينية: السياسة والثقافة والهوية»، رام الله: المجلس الأعلى للتربية والثقافة، 2008.