| 

في عام 1946 شاركت في مقاومة اليهود حين رجع المجاهد الكبير الحاج محمد أمين الحسيني إلى دمشق من فرنسا فاجتمعت إليه مع الشيخ مصطفى السباعي وحدثنا عن الاستعداد للجهاد في فلسطين، وأنه بحاجة إلى شباب لإرسالهم إلى فلسطين، لزيارة المجاهدين هناك ومعرفة المواقع التي يجب أن نكون فيها للجهاد، فتبرعت بالذهاب إلى هناك، وكانت زياراتي أكثر من ثلاثين مرة، خلال سنة ونصف سنة بتكليف من الحاج أمين الحسيني وقد التقيت المجاهدين أمثال عبد القادر الحسيني وحسن سلامة، وفوزي القطب، ونائب نابلس في ما بعد الشيخ مشهور الضامن والشيخ محمد نمر الخطيب وغيرهم. وكنت أحمل ما يزودني به الحاج أمين من رسائل وخلافه، وقد أرسلت مرة إلى تل ابيب ونمت هناك ليلتين ورجعت إليهم بالمعلومات للأماكن المراد الهجوم عليها، وشاركت في عمليات عسكرية عدة مع رفاقي السوريين.
تطوعت أنا وعدد كبير من المجاهدين من دمشق، زاد عددهم على عشرة آلاف للذهاب إلى معسكرات الجيش السوري في قطنة للتدريب على القتال والأسلحة الحديثة، لكن الحكومة السورية لم تسمح بالذهاب إلا لمئة وخمسين منا فقط. غير أننا خرجنا مع الشهيد عبد القادر الحسيني، وكان عددنا حوالى سبعين مجاهداً، ثم انضمت إلينا مجموعة من الإخوان المسلمين في مصر جاءوا يتدربون معنا في قطنة، وكان عددهم حوالى 200 يرأسهم الشيخ عبد اللطيف أبو فودة ثم انضمت إلينا مجموعة من حلب سموا أنفسهم (أسود الشهباء)، كذلك جاءتنا مجموعة من الإخوان المسلمين في الأردن يرأسها الشيخ مشهور حيمور ولا يزال حياً يرزق وكان وكيل وزارة الأوقاف الأردنية، والشيخ الشهيد راضي الجواهري النابلسي، وكذلك مجموعة من يوغسلافيا.
لما أردنا الخروج منعتنا السلطات السورية وصودرت منا الأسلحة، وكنا قد اشتريناها من مالنا الخاص وقالوا: لا يجوز أن تقاتلوا بأسلحة مختلفة، بل عليكم توحيد السلاح، فوزعوا علينا أسلحة انكليزية من عام 1912 وهي من بقايا الحرب العالمية الأولى. ثم ذهب الحاج أمين الحسيني والشيخ مصطفى السباعي إلى رئيس الجمهورية السورية آنذاك (شكري القوتلي) وكنت معهما وقالا له: نريد مجموعة من الإخوان المسلمين الموجودين هنا في قطنة للجهاد معنا في القدس، وكان الرئيس شكري القوتلي رجلاً صاحب مروءة وشهامة فسمح لهما بذلك.

الأسلحة الفاسدة
انطلقنا في الليلة نفسها مع عبد القادر الحسيني وأعطوني سيارة كبيرة فيها حوالى مئتي بندقية كانوا عرضوها على عبد القادر الحسيني من قبل فرفضها لأنها قديمة لا تصلح، ولما عبرنا نهر الأردن ووصلنا إلى مكان يسمى قبر النبي موسى أخبرته بقصة البنادق وكان يعرفني، وطلب إلى جماعته ايصال الأسلحة إلى مدرسة المأمونية وقال: يا شيخ زهير هل هذه أسلحة تنفع للقتال؟! فسكت وكادت عيناه وعيناي تدمعان.

استشهاد عبد القادر الحسيني
وصلنا إلى مدرسة الروضة الملاصقة لساحة مسجد بيت المقدس، ورحنا نهيئ المكان، ولم تمض ساعة حتى جاء من يعلمنا بالاستعداد للذهاب، فأخذنا بنادقنا وكنا بضعة وخمسين رجلاً وبقي بعض المرضى، وركبنا سيارتين ومعنا قائد من الجيش السوري اسمه عبد الرحمن الملوحي الحمصي وآخر من اللاذقية من عائلة الصوفي، وفي الطريق أعلمنا عبد أن عبد القدر الحسيني محاصر، ووصلنا بعد المغرب إلى بلدة اسمها عين كارم وهي بلدة السيدة مريم وكنا مرهقين جداً، وقبل الفجر بساعة انطلقنا إلى بلدة القسطل، وإذا بنا بعد مدة أمام اليهود الصهاينة يقطعون الطريق علينا، فتبادلنا معهم إطلاق النار لنصف ساعة، ومن المفاجئ أن نصف البنادق التي بحوزتنا والتي سلمت لنا في قطنة كانت غير صالحة. ووصلنا إلى بلدة القسطل، ثم علمنا أن عبد القادر الحسيني قد استشهد، ثم بقينا حتى المساء في بلدة القسطل ونزلنا بعدها إلى القدس.
خرجنا إلى (القطمون) وهو حي من أحياء مدينة القدس تحيط به غابة كبيرة جداً وفيها رجل كبير يقاتل، وهو من رجال الحاج أمين الحسيني واسمه (ابراهيم أبو دية) وكان هناك أيضاً مجموعة أردنية يرأسها الشيخ مشهور حيمور، وأصل عائلته من لبنان من بلدة القرعون، فانضممنا إليهم وكان اليهود يهاجموننا من كل مكان ولا يفصل بيننا في بعض الأماكن أكثر من خمسين متراً.

دخول الجيوش العربية
ولما دخلت الجيوش العربية في 15 أيار 1948 فلسطين بعد انسحاب الإنكليز منها، سلم الانكليز المعسكرات المحيطة بالقطمون إلى اليهود بما فيها من أسلحة ومدافع ومنها معسكر العلمين المحصن والمليء بالذخائر، عند ذلك قررنا الهجوم على الحي اليهودي القديم في القدس القديمة وأسرنا عدداً من مقاتلي اليهود ووضعناهم في مدرسة الروضة. وكان المسؤول الأمني عن هذه المدرسة ضابطا من اخواننا اسمه ضيف الله مراد من مدينة حمص ولكنه تربى في دمشق، وكنت يومها مشاركاً له في أمن المدينة. وفي اليوم التالي جاء الجيش الأردني بقيادة عبد الله التل وكان معه صهري إحسان الحلواني وسحب جميع الأسرى اليهود الذين أسرناهم وأرسلهم إلى أماكن أخرى.
ثم جاءت الأوامر بأن على السوريين أن يخرجوا من القدس، فخرج الشيخ مصطفى السباعي مع مجموعتنا إلى دمشق ولم يبق في القدس إلا 4 أشخاص أنا منهم.

الذهاب إلى صور باهر
كنا نحن الأربعة مصرين على البقاء للقتال، ولكن الجيش الأردني طلب منا المغادرة، فغادرنا القدس ولكن ليس إلى دمشق بل إلى (صور باهر) حيث كانت هناك مجموعة من الإخوان المسلمين الأردنيين منهم على ما أذكر الحاج عبد اللطيف قورة وأحمد الخطيب وجاد الله جاد الله من أهل القرية والضابط ممدوح صرايرة، فالتحقنا بهم لمقاتلة اليهود، ثم ذهبنا إلى جوار بيت لحم وقاتلنا تحت قيادة المجاهد فوزي القطب حتى أواخر سنة 1949، ثم اضطررنا إلى العودة إلى الحياة المدنية في دمشق.