| 

لفظت الحاجة «صيته» وصيتها مع أنفاسها الأخيرة، قائلة لابنتها التي كانت إلى جوارها «لمّا يرجع هيكل بوسيه وقوليله أمك استنّتك ودوّرت عليك كل البلاد». لم تقتنع الحاجة، يوماً، أنّ ابنها الذي فُقد في حرب عام 1967 لن يعود ثانيةً، مع أنّ القوات المسلحة الأردنية التي كان يحارب في صفوفها منحته لقب شهيد بعد عامين على فقدانه.
«ثِقلة» ابنة الحاجة «صيته» ورفيقتها في رحلة الانتظار والمرض، وشقيقة «المفقود/ الشهيد» هيكل، تقول: رفضت الحاجة أن نطلق اسم هيكل على أبنائنا.. وكرّرت علينا: «لا تسمّوا على اسمه لأنّه ما مات، لما أعرف إنّه مات سمّوا هيكل».
«الانتظار وخيال هيكل الذي كان يأتيها في الليل، فتخرج الى الباب وهي تصرخ: هيكل رجع، أصاباها بالوهن وبأمراض السكري، والضغط والمفاصل، حتى ماتت في 28 شباط 2000، وهي تنشد: ماشية وناره في قلبي... لو قالولي مات كان بردت»؛ هكذا تروي الستّينيّة ثقلة (أم صقر) نهايات الحاجة «صيته» عن عمر ناهز خمسة وسبعين عاما مع «الانتظار القاتل»، حسب وصفها.

زيارة وداع
رحلة انتظار بدأت عندما قطع الملازم أول هيكل منصور تركي الزبن (24 عاما) دورة المرشحين التي أُلحق بها ليترفّع إلى رتبة نقيب قبل شهر من نهايتها، عائدا الى بيت العائلة الكائن في قرية منجا القريبة من مدينة مادبا (33 كيلومتراً جنوب عمان) بعد منتصف ليل 5 حزيران 1967. طرق الباب، تقول ثِقلة، فتحت له أمي ليدخل في ملابس غير ملابسه العسكرية الاعتيادية، كان يرتدي لباس الطوارئ، الأمر الذي عرفته العائلة لاحقاً.
بات ليلته، «وبعد صلاة الفجر بينما كان يشرب كوباً من الحليب أعدته له أمنا، خرق أزيز طائرتين عسكريتين السماء وأسماعنا، نظر إلينا وقال: هذه طائرات إسرائيلية». لم يخبر أحداً أنّه ذاهبٌ إلى جبهة القتال، ودّعنا وودّع خطيبته التي كان مُقرراً أن يتزوجها في آب من ذلك العام، ركب سيارة «الفوكس فاجن» التي دوّى صوتها في المكان برفقة زميله قاصدين جسر الملك حسين. وكان ذلك آخر لقاءٍ، وآخر صورةٍ في الذاكرة للمفقود/ الشهيد الذي لم يعد حتى اليوم.

رفض الانسحاب كقادة هربوا بملابس النساء
انتهت الحرب وعاد المقاتلون الأحياء بعد الهزيمة ليكملوا الرواية عن هيكل، تنقُل عنهم ثِقلة، «صباح 6 حزيران وصل هيكل برفقة زميله الى جسر الملك حسين، ليلتحق بالسريّة الثانية قائداً لها». على الجسر، التقى زملاء له عائدين شرقاً، حملق فيهم، فأجابته عيونهم: «هُزمنا». قطع الجسر ليلحق بسريّته المرابطة في حي الشيخ جراح في المدينة المقدسة، حيث المعارك كانت لا تزال مستعرة، رافضاً رواية الهزيمة التي سمعها من الجنود العائدين.
تصفه شقيقته بـالـ«عبوس، لم يكن يضحك إلا للحجة». وتتابع، بكلمات متحشرجة: هيكل بطل، من حبّه للقدس رفض الانسحاب أو الهرب كما فعل قادةٌ هربوا بملابس النساء.
في الشيخ جراح، كان الجيش الإسرائيلي يفرض سيطرته وكانت القوات الأردنية تتقهقر أمامه.
مساء ذلك اليوم، اجتمعت سرية هيكل بالسريّة الأولى التي كان يقودها غازي السعدي، وقرّرا إحداث ثغرة في صفوف العدو، خرج هيكل ليستكشف الطريق ومعه جندي من سريّته وفي حوزتهما بضع قنابل يدوية ومسدس ورشاش (سـتِـن)، موصياً رفاقه باللحاق به عند الإشارة أو إلحاق سريته بقيادة السرية الأولى في حال استشهاده.
تقول ثِقلة نقلاً عن جنودٍ شهدوا الواقعة: تقدّما، واجهتهما دبّاباتٌ اسرائيلية، ألقى هيكل قنبلةً باتجاه إحداها فعطَب جنزيرها، ألقى الجندي قنبلةً جاءت في برج دبابةٍ أخرى لتنفجر، ودخلا منطقة مراقبة الهدنة.
أصيب هيكل بشظيّةٍ.. لكنّ الجنود الذين عادوا من دون أن يشاهدوه بعد تلك الحادثة، قالوا للعائلة إنه «وقف.. ومشى». رواية جعلت العائلة تُصرّ على أنّ هيكل فُقد أو أُسر في الحرب ولم يستشهد؛ إصرارٌ حمَلته الأم الملهوفة التي جابت السجون الإسرائيلية لمدة شهرين بحثاً عن ابنها بلا جدوى، وإصرارٌ تحمله شقيقته ثِقلة التي ورثت عن والدتها ذلك الانتظار. هيكل، والجندي الذي رافقه، هما من بين 589 شهيداً من شهداء القوات المسلحة الأردنية الذين سقطوا في حرب حزيران، وفقاً لإحصاءات دائرة الشهداء في القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية، التي تمنح المفقود لقب شهيدٍ بعد انقضاء عامين على فقدانه.
ووفقاً للإحصاءات ذاتها، يبلغ عدد شهداء القوات المسلحة الأردنية في جميع الحروب العربية الإسرائيلية 1228 شهيداً.

متطوعون شهداء لا توثقهم السجلات
وعلاوة على الشهداء المسجلين في سجّلات القوات المسلحة، استشهد مئاتٌ من المتطوعين الذين شاركوا في حروب الدفاع عن فلسطين، دون أن تُوثِق السجلات أسماءهم أو أعدادهم.
يقول عبد الله الزبن (أبو راشد) شقيق هيكل: لم تحارب الجيوش وحدها، في جميع الحروب خرج المتطوّعون إلى الحرب. «في حرب 1948 خرج والدي متطوّعاً للقتال مع جيش الجهاد المقدّس تحت إمرة عبد القادر الحسيني»، ولم يعد والده إلا بعد استشهاد الحسيني، في تلك الحرب، بحسب «أبو راشد» الستيني، «سقط عدد كبير من المتطّوعين شهداء»، يذكر منهم «علي هجر ذياب الفايز الذي استشهد ودفن في قرية مليس، وسالم مسلط سطم الفايز الذي استشهد ودفن في الشيخ جراح». ويتابع: قبل النكبة، ذهب المتطّوعون من بدو شرق الأردن للمشاركة في الدفاع عن فلسطين. ويذكر جدّه تركي الحيدر الزبن الصخري (من بني صخر) الذي جمع قبائل البدو من الحجايا والحويطات وعنزة، وغيرهم في العام 1938، وتوجهوا للدفاع عن الفلسطينيين ضد من وصفوهم وقتها بـ «شرذمة اليهود»، ويقول (كما وصله عن تلك الفترة) كان هدف البدو «يفزعوا للفلسطينيين ويذبحوا اليهود». البدو الذين انطلقوا في تلك الفترة مدفوعين بحميّتهم مُنعوا من مواصلة الطريق وأُجبروا على العودة بعد لقائهم الملك عبد الله الأول بالقرب من البحر الميت، «عادوا من دون أن يقاتلوا شرذمة اليهود، مع أنّهم سكّروا عين الشمس»، كما يقول أبو راشد.

بانتظار تحقق «البشارة»
أبو راشد، حاله كوالدته الراحلة وشقيقته ثِقلة، يُجيد الانتظار، ويأمل في يومٍ ما أن يأتيه خبرٌ عن شقيقه المفقود أكان شهيدا أو أسيرا، وما يبقي جذوة الأمل عنده متوهجة البشارة التي جاءتهم عام 1972. عن تلك البشارة، يقول: جاء شاب فلسطيني من مصر لزيارة شقيقته المقيمة في مادبا، والتي لم يلتقها منذ النكبة، وعند سؤال الشاب الذي كان أسيرا لدى اليهود منذ العام 1969 وحتى 1971 لشقيقته عمّن تسكن إلى جوارهم أخبرته أنّهم بدو من عشائر الزبن الصخور».
ما إن سمع الشاب اسم عائلة الزبن حتى طلب من شقيقته مقابلتهم، جاء وروى لهم، قائلاً: مكثت في سجن عسقلان، هناك كنت أخرج مع بقية الأسرى للتشمس، وكان يلفت انتباهي أسير مسجون انفرادياً ولا يخرج إلّا برفقة حارس اسرائيلي، حاولت مراراً التقرّب منه وكان الحارس ينهرني في كل مرة. وذات مرة اقتربت منه، وقلت له، أنت عربي، لماذا يرافقك جندي اسرائيلي؟ وبعد أن استوضح مني عن سبب وجودي، وقبل أن ينهرني الجندي الإسرائيلي قال لي أنا ضابط أردني اسمي هيكل منصور تركي الزبن وقعت أسيراً في حرب 67. وزيادةّ في التوثّق، جاءت العائلة بمجموعةٍ من صور أبنائها، بينها صورة لهيكل، وطلبوا إليه التعرف على صورة الشخص الذي قابله. يقول أبو راشد: أمسك بالصور وبدأ ينظر إليها واستخرج صورة لأحد أشقائي يشبه هيكل، نظر إليها وقال «يشبه هذه الصورة لكنه ليس هو»، أعاد النظر إلى الصور حتى استخرج صورة هيكل وقال لهم «هذا من قابلته في عسقلان، لكن هذه صورة قديمة».
«هيكل كان لا يزال حياً»، لتبدأ رحلة بحث جديدة، طرقت خلالها العائلة أبواب الرسميين الأردنيين على مختلف درجاتهم والمنظمات الإنسانية من دون جدوى.

عاد بعد أربعين عاما.. في كفن
لكن الانتظار الذي ما يزال يسيطر على مشاعر عائلة هيكل، انطفأ لدى أسرة الشهيد الجندي الأول محمود محمد صالح الحكوم بعد أن أعيد جثمانه في 24 ايار 2007 من قرية عناتا قرب القدس ليدفن في قريته يبلا الواقعة في محافظة إربد، (69 كيلومتراً شمال عمّان). الشهيد الحكوم الذي سقط في معركة باب العمود في 6 حزيران 1967 إثر إصابته بقذيفة، انتَشل جثمانه من ساحة المعركة إمام مسجد، ودفنه في باحة منزله. وعندما قرّر أبناء الإمام البناء في الباحة التي دُفن فيها الجثمان أبلغوا السلطات الإسرائيلية بوجود ضريح لشهيد من القوات الأردنية في ساحة منزلهم، التي بدورها أبلغت السلطات الأردنية التي قررت نقله بعد التعرف إليه لدفنه في قريته. وبحسب عادل، فقد أثبتت فحوصات الحمض النووي التي أجريت على الجثمان أنّه والدي.
يصف عادل يوم دفن رفات والده في يبلا بـ «العرس». في ذلك اليوم خرجت القرية جميعها لملاقاة العريس، وسط مراسم عسكرية مهيبة. عادل وإخوته ووالدتهم الذين انتظروا أربعين سنة ليعرفوا مصير المفقود، وزّعوا الحلوى يوم ووري الثرى في يبلا التي باتت يُطلق عليها سكانها «قرية الشهيد». أرملة الشهيد الحكوم شريفة عبيدات، وهي على مشارف السبعين، تكتفي بالقول «حقق الله له أمنيته»، وتستذكر آخر كلمة قالها لها قبل توجهه إلى وحدته العسكرية «أتمنّى الاستشهاد على ثرى فلسطين».

صحافي، مدير تحرير موقع «عمان نت»، الأردن.