| 

يحتفط المهندس محمد نسيبة، عضو الهيئة الإسلامية العليا، بقليل من الذكريات عن نكبة 1948 التي وقعت عندما كان في العاشرة، غير أن ذكرياته عن حرب 1967 ما زالت ماثلة أمامه إلى اليوم، ويقول في حديث خاص «تكاد تكون ظاهرة المتطوعين العرب هي الطاغية في حرب 1948، أما حرب 1967 فكانت في أغلبها مقتصرة على الجيوش العربية النظامية».
يقع منزل آل نسيبة، وهي من العائلات العريقة في مدينة القدس، على مقربة مما سمي قبل حرب 1967 بالمنطقة الحرام، وهي المنطقة الفاصلة ما بين شطري مدينة القدس. وهو ما أرغم العائلة الى ترك منزلها إلى منزل آخر في القدس مع اندلاع الحرب.
يقول نسيبة: كان بيتنا يجاور معسكراً للجيش الأردني، حيث تموضع الجنود في خندق من أجل صد التقدم الاسرائيلي، ولأن الجنود الأردنيين قاوموا بشجاعة فإن الجيش الاسرائيلي شدد قصفه للمنطقة، وعندما عدنا بعد أن وضعت الحرب أوزارها وجدنا بيتنا وقد احترق بالكامل، وكان هناك عدد من الشهداء من الجيش الأردني في المعسكر.

ضريح شهيد في باحة المنزل
يسرد محمد نسيبة تلك اللحظات وكأنها تجري أمامه الآن: بعد الحرب بعشرة أيام وجدنا في باحة المنزل جثمان جندي أردني في العشرينات. كان مضرجاً بدمائه الزكية، ووجدنا أن خير وسيلة نكرمه فيها أن ندفنه في مكانه.. وهو ما قمنا به، وهو لا يزال في مكانه الى اليوم، لا نعلم اسمه، ولذلك وضعنا خوذته التي كان يرتديها كشاهد على هذا القبر.
واستناداً إلى معلومات نسيبة، فإن أكثر من 700 جندي أردني استشهدوا على أرض فلسطين، وأصيب أكثر من 6000 بجروح في حرب 1967، حيث إقيم نصب لهم في إحدى زوايا المقبرة اليوسفية الشهيرة في مدينة القدس، على مقربة من أسوارها القديمة. ويعتقد كثيرون من سكان القدس أنه على الرغم من الحماسة التي سادت أوساط جنود الجيوش العربية للدفاع عن القدس ومنع الجنود الإسرائيليين من احتلالها، إلا أن المشكلة كانت في عدم جاهزية هؤلاء الجنود بما يكفي لمواجهة جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي كان يأتيه العتاد من كل مكان.

علم العراق على دبابات إسرائيلية!
القصة الأكثر تندراً هي شائعة دخول الدبابات العراقية إلى القدس، فكان السكان يخرجون إلى الشوارع للهتاف للدبابات التي كانت ترفع العلم العراقي، غير أن هتافاتهم وزغاريدهم لم تدم طويلاً حين اكتشفوا أن هذه ليست إلا دبابات إسرائيلية!
ويقول نسيبة: بدأت الحرب يوم الاثنين، وكنا شبه منقطعين عن العالم، جراء منع التجوال الذي فرض آنذاك، ولم نكن نعلم ما يجري في الخارج إلا ما يتداوله الجيران، وأيضا ما نسمعه في الإذاعة؛ كانوا يقولون إن الجيوش العربية أصبحت في الخارج. وبعد يومين، خرجنا إلى الشوارع وكانت المدينة قد وقعت تحت الاحتلال. ويروي جنود شاركوا في معارك القدس تفصيلات عن اشتباكات عنيفة في منطقة القدس بين الجيش الأردني والجنود الإسرائيليين.
واستناداً إلى هذه الروايات، فإن جيش الاحتلال الاسرائيلي أراد الدخول إلى القدس من خلال بوابة «مندلبوم» التي كانت تفصل شطري المدينة، غير أن الدفاع القوي للجيش الأردني اضطر الإسرائيليين لتغيير المخطط باتجاه منطقة الشيخ جراح.
إزاء هذه المقاومة، اتجه جيش الاحتلال الاسرائيلي نحو شمال الشيخ جراح، ومن هناك شرع بقصف منطقة الشيخ جراح التي كانت السرية الثانية من كتيبة الحسين الثانية موجودة فيها، ومن ثم قام بعملية إنزال جوي في ملعب الشيخ جراح خلف هذه السرية، وبالقرب من مستشفى القدس للعيون وفندق «الأمبسادور»، ولاحقاً حوصرت قوات السرية الثانية ودار قتال عنيف.
في تلك الأثناء، كان جيش الاحتلال الاسرائيلي يحتل القدس من عدة محاور هي: محور (مندلبوم)، والمحور الثاني من شارع نابلس أسفل الشيخ جراح جنوباً باتجاه باب العمود، والمحور الثالث من وادي الجوز باتجاه كنيسة «الجثمانية». وفي صباح الأربعاء، أبلغ عن وجود دبابات عليها أعلام عراقية في منطقة باب العمود، فخرج البعض لرؤيتها، لكن النار أطلقت على الجنود، فتبين أنها قوات الاحتلال الإسرائيلي تحاول خداع السكان.

جيوش 1967 حلت مكان متطوعي 1948
إذا كان كثيرون من سكان القدس قد شاركوا في المعارك التي وقعت عام 1967 دفاعاً عن مدينتهم، فإن دور المتطوعين العرب كان أكثر بروزاً عام 1948، وتحديدا في قطاع غزة وفي شمال فلسطين.
يقول محمد نسيبة: في عام 1948 كان المتطوعون العرب هم الأساس، فلم تكن هناك جيوش عربية بالمعنى الحرفي للكلمة وإنما متطوعون من الداخل بدعم من متطوعين من الخارج، وتحديدا الأردن ومصر وسوريا والعراق وغيرها من البلاد العربية القريبة والبعيدة. أما في عام 1967، فتكاد تكون ظاهرة المتطوعين شبه معدومة، لأن الجيوش العربية هي التي كانت تقوم بالمهمة ولم يكن هناك مجال للمتطوعين العرب.
كان نسيبة في العاشرة في عام النكبة، ويقول: مما يمكنني استذكاره من تلك المرحلة أن الشباب الفلسطينيين من أحياء القدس، مثل الشيخ جراح ووادي الجوز، انتخبوا لجنة مسؤولة عن المتطوعين، وكانت هذه اللجنة تقوم بأعمال الحماية للسكان ليلاً ونهاراً، فكان أفرادها يقيمون الحواجز، وفي الليل يقومون بأعمال الدورية.
ويضيف: لم تكن ظاهرة المتطوعين نشطة في القدس وإنما في أماكن أخرى في شمال فلسطين وفي غزة، حيث كان يأتي المتطوعون من سوريا ومن مصر مثلا، ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى جيش «الجهاد المقدس» وإلى جيش الإنقاذ، فقد كان لهم دور في محاولة التصدي للعدوان الصهيوني. وكان هناك مناضلون فلسطينيون، وكنا نسميهم «فدائيين»، يحصلون على السلاح بجهدهم الشخصي، ويشترون السلاح بمبالغ خيالية بعد أن يقوموا ببيع مصاغ زوجاتهم واستخدام مدخراتهم لهذه الغاية.

قتال حتى الرصاصة الأخيرة
البارز من بين الأسماء في تلك الفترة كان الشهيد عبد القادر الحسيني، وهو أصلا من مدينة القدس، وقد ارتقى يوم الثامن من نيسان 1948 بعد أن تمكن على رأس 50 مجاهداً فقط وبأسلحة قليلة من تحرير قرية القسطل، ولو لبضع ساعات.
لم يكن موسى عبد القادر الحسيني في المعركة آنذاك، لكنه تمكن على مدى سنوات من جمع رواية متكاملة عن استشهاد والده من مجاهدين كانوا برفقته.
يقول موسى: سعى والدي، على مدى أيام طويلة، الى إقناع الهيئة العربية العليا واللجنة العسكرية بإمداده ورجاله بالسلاح، وقد كان السلاح مكدساً في المخازن، غير أنهم رفضوا طلبه وادّعوا أن لا سلاح لديهم، وهو ما أثار غضبه، ووجه إليهم كلاماً قاسياً وكتب استقالته.
في مساء السادس من نيسان، غادر عبد القادر الحسيني دمشق غاضباً، وفي يوم السابع من نيسان وصل الى القدس وتوجه مباشرة إلى القسطل، وكان معه عدد من الرجال، بينهم حارسه عوض محمود أحمد. ويضيف موسى الحسيني، نقلا عن عوض أحمد، الذي ارتقى قبل عامين، «قسم والدي مجموعات المجاهدين إلى فرق ووضع على رأس كل فرقة مسؤولا، وتولى هو فرقة المتفجرات لأنه كان خبير متفجرات. وحين وقعت المعركة لم تتمكن بعض المجموعات من الصمود، فسقط شهداء في أثناء المعركة وانتهت الذخيرة، فطلب والدي من عوض العودة إلى المدينة لجلب السلاح وطلب المساندة، ولكن بعد أن سار عوض مسافة 400 متر أصيب برصاص اليهود».
وبحسب موسى الحسيني، فإن المعارك كانت عنيفة جدا، ولم يكن لدى المجاهدين سلاح، بل حتى لم يتوفر لديهم ما يكفي من الوسائل لإسعاف الجرحى. وأضاف: كان والدي يعد الألغام وكان يطلب من المجاهدين زرعها وتفجيرها بالأعداء. ويروي الحسيني أن والده استشهد بعد أن قتل عدداً من اليهود. وقد وجد في غرفة في بيت المختار وقد أصيب إصابة بالغة في أسفل بطنه بشظايا قنبلة كان معه مسدس وقطعة سلاح أخرى فارغة من الرصاص، وكان أمامه 8 من اليهود قتلى على الأرض.
ويجزم موسى الحسيني أن اليهود لم يتعرفوا الى جثة والده ولذلك كل ما قيل عن مقتنيات كانت معه هو غير صحيح، فقد كانت معه كل أوراقه ونقوده وسلاحه.

صحافي فلسطيني مقيم في القدس.