| 

«نشبت أول حرب بين العرب والإسرائيليين عقب إعلان قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين في منتصف أيار 1948، حيث قامت جيوش خمس دول عربية هي مصر وسوريا والأردن ولبنان والعراق بدخول فلسطين لمنع قيام الدولة العبرية على أرضها، بعد قرار الأمم المتحدة تقسيم فلسطين إلى دولة يهودية وأخرى عربية وتدويل منطقة القدس، وإعلان قيام الدولة العبرية مع انتهاء الانتداب البريطاني».
هذه هي نقطة البداية، التي انطلق منها المحاضر في قسم التاريخ بالجامعة الإسلامية في غزة الدكتور خالد الخالدي، للحديث عن الدور العربي في الدفاع عن فلسطين، فيقول: حققت الجيوش العربية نجاحات مهمة، على رأسها انتصارات القوات المصرية في القطاع الجنوبي، وانتصارات القوات الأردنية والعراقية في جبهة القدس وشمال الضفة الغربية، التي أحدثت حرجاً للقوات الصهيونية سرعان ما أزيلت آثاره بالتدخل الدولي.

أوامر بالتراجع
مدير المركز القومي للدراسات والتوثيق بقطاع غزة الباحث ناهض زقوت، وفي ضوء الشرح التاريخي للخالدي، يقترب أكثر من ملامسة حقيقة التجربة المصرية مع تبني مشروع الدفاع عن القضية الفلسطينية، قائلاً: لقد أبلى المصريون - وعرب آخرون - من جنود وضباط بلاءً حسنًا في الدفاع عن أراضينا المحتلة، ولكن المشكلة كانت على الدوام في القيادات التي كانت تعطي الأوامر بالانسحاب بعد تحقيق الانتصارات!
ويضيف: من السوريين لا ينسى عز الدين القسام، ومحمد سعيد العاص، وفوزي القاوقجي الذين بدأ نشاطهم قبل العام 1936، وكذلك أحمد على المواوي من الجيش المصري، والعميد محمد الزبيدي من الجيش العراقي، وعبد الوهاب الحكيم من الجيش السوري، وغيرهم.
ويقول: إن أسدود كانت آخر نقطة وصلت إليها القوات المصرية، أما مقر قيادتها فكان في مدينة المجدل، ويمكن القول إن 13000 شهيد عربي سقطوا في حرب 1948 وحدها، وكان من أشهر الشخصيات المصرية التي لعبت دورًا أحمد عبد العزيز وهو ضابط مصري، وقائد المتطوعين للدفاع عن فلسطين، قبل دخول الجيوش العربية الرسمية، الذي خاض معركة مستعمرة «كفار داروم»، ومستعمرة «العمارة»، وأجبر اليهود على الرضوخ لشروطه في معركة القدس بإخلاء المنطقة، وبينما هو ذاهب لإخبار القيادة المصرية في المجدل عن إنجازه، قتل من طريق الخطأ.

الضبع الأسود
وبحسب زقوت، «لم يقف الأمر عند أحمد عبد العزيز، فجمال عبد الناصر كان ممن حاربوا عام 48، قبل أن يصبح رئيسًا لمصر بعد ثورة 1952 التي جاءت نتاجًا لما عايشه عبد الناصر ورفاقه من خيانة وفساد».
ويقول: لقد حوصر عبد الناصر وبعض جنود وضباط الجيش المصري في منطقة الفالوجا ورفضوا الاستسلام، وكان قائد الفرقة المحاصرة آنذاك سيد محمود طه الملقب بالضبع الأسود، والذي آثر المقاومة حتى فك الحصار عام 1949. ويضيف: حتى الجنود المصريون كان لهم دور عظيم، فها هو اليوزباشي عبد العزيز السياجي، الذي استشهد بعدما قام بتغطية انسحاب القوات المصرية من الفالوجا، عبر الاستمرار في إطلاق النيران على القوات الصهيونية حتى يعتقدوا أن إمدادات وصلت إلى الفرقة المصرية، ولكنهم فوجئوا بعد ذلك به وحده، بعد خروج الباقين.
ويتابع: مصطفى حافظ هو ضابط مخابرات مصري آخر، عين حاكمًا لرفح في نهاية عام 1948، وكان أبًا لكل الفدائيين، وتولى بنفسه عملية تدريبهم وتجهيزهم للدخول إلى قلب أراضي 48، والرد على المذابح بحق الفلسطينيين، وتقديرًا لجهوده اليوم نجد إحدى مدارس الذكور الابتدائية باسمه، كذلك أحمد عبد العزيز سميت إحدى المدارس الإعدادية بخان يونس باسمه، فضلاً عن الشوارع في مدينة غزة.

ولكن ذلك يهون
لطفي الأخرس (75 عامًا)، أحد الفلسطينيين الذين ذاقوا مرارة الهجرة واللجوء، يعيش اليوم في قطاع غزة، مطلاً بذاكرته على الماضي: لقد رأيت الجنود المصريين الذين جاؤوا للدفاع عن فلسطين، في أسدود، وكنت أعرف حينها أنهم تقدموا إلى الشمال أكثر، وكانوا قادرين على الإكمال لتحرير فلسطين كلها، لكن الأوامر جاءتهم بالانسحاب. ويروي الأخرس: عندما انسحبت القوات المصرية، تركنا كل شيء وراءنا، واضطررنا إلى الهجرة إلى القطاع حتى استقررنا في خان يونس جنوبًا، ونصبنا الشوادر والخيام وسكنا فيها فترات طويلة، وكان الحاكم المصري آنذاك اسمه «العجرودي». ويقول: أنا لا أستطيع أن أنسى الشهداء الذين رأيتهم يسقطون في المعارك للدفاع عن القرى، خاصة الفلسطينيين، ولكن ذلك يهون قياساً على ما شاهدته في 1956 و1967، ففي العام 1956 رأيت شهداء مجزرة خان يونس الذين قتل معظمهم بعد صفهم إلى الجدران في الشوارع وإطلاق النار بكثافة عليهم.

الجيش العراقي
ويتابع الأخرس: إذا كان عدد الشهداء قد وصل إلى 500 شهيد في مجزرة العام 1956 بخان يونس، فأنا أقسم أن الذين ماتوا في العام 1967 من المصريين أمم لا تعد ولا تحصى، والفكرة هنا أن اليهود دخلوا من شرق القطاع - بعد سحب عبد الناصر للقوات الدولية ـ متنكرين في أزياء الجيش العراقي وعتاده، حتى وصلوا إلى مراكز المدن.
كان الجميع فرحًا بوصول الحشود، كانوا يزغردون، ويوزعون الحلويات، ويهتفون مرحبين بالجيش العراقي، ولم يفطن أحد من الفلسطينيين أو المصريين إلى الكارثة، إلا بعد أن انهالت زخات الرصاص والقذائف والصواريخ فوق رؤوس الجميع. ويتابع الأخرس قائلاً: في ذلك الوقت كنت في منطقة المواصي غربًا، مع أسرتي، وبدأت الطائرات غاراتها، لم يكن بمقدوري أن أتحرك وأعود إلى المخيم لأطمئن عن والدي وإخوتي، لكنهم ما لبثوا أن لحقوا بي هاربين من الموت، ومعهم مئات، بل آلاف الجنود المصريين. وبحسب الأخرس، «استقر الناس العاديون في المواصي بعيدًا عن الشاطئ، فيما كانت الأوامر تتدفق على المصريين بالانسحاب، فكانوا يتحركون على خط الشاطئ على أمل الدخول إلى الجانب المصري، لكن الطائرات لم تدخر جهدًا في الإغارة عليهم، وإبادتهم، حتى باتوا مشهدًا حقيقيًا للموت المرشوش على الرمال».

لم تدخر جهدًا
عائشة الحاج (85 عامًا) هي واحدة ممن ساعدوا الجنود المصريين آنذاك، وتروي: لا أنسى أنني كنت سأرمي ابنتي آمنة وعمرها أربعة أشهر، من كثرة ما عجزت عن حملها إبان هربي مع عائلتي إلى غرب خان يونس. كانت الطائرات قريبة من رؤوسنا، وكان صوت الرصاص يمزق الأفئدة ويربك الدماء في عروقنا.
«كل ما شاهدته في الهرب، لا يمثل شيئًا مقارنةً بالجثث المصرية الملقاة على الشاطئ، وصحيح أنني لم أر كل ما رآه أخي وزوجي، الذين شاركوا في دفن المصريين في قبور جماعية، إلا أنهم أخبروني بعد مشاركتهم هذه أن الدبابات لم تدخر جهدًا في المشي على الجثث، وتفتيتها وتمزيقها». وتتابع: في الحقيقة لم يهرب كل الجنود، فمنهم من فضل اللجوء إلينا نحن الفلسطينيين المختبئين في الأحراج وبين الأشجار، كانوا يطلبون منا قطع الملابس الزائدة حتى يلبسوها بدلاً عن زيهم العسكري الذي يكشف هويتهم، وكنا نتعاون معهم.

روّح بيتك
وتقول عائشة: لا يغيب عن خاطري، كيف كنت أراقبهم وهم يرجون كبارنا ليعطوهم القليل من الخبز المطحون الذي حملوه على أكتافهم هاربين، بل إن الأمر وصل في بعض الأحيان إلى بحثهم عن أي قطعة خبز وسط الرمال. لكن الإسرائيليين كانوا أنذالا أكثر من المعقول، كان بمقدورهم أن يكشفوا المصري من العلامة التي تتركها الطاقية على جبينه، وكان ذلك كفيلاً بتنفيذ حكم الإعدام في أي واحد من ذوي العلامة. وتضيف: عائشة «بعد الانتهاء من كل هذه الجرائم، صار اليهود ينادون علينا قائلين: روّح بيتك.. روّح بيتك، فعدنا، وانتقل رجالنا بعد فترة للعمل كمزارعين في سيناء التي احتلت أيضًا، وهناك كان لهم نصيب في إكمال بشاعة الصورة، لقد رأوا جثث الجنود المصريين هنا وهناك، وشاركوا في دفنهم، مع سكان المنطقة».

صحافية فلسطينية مقيمة في غزة.