| 

انخرط الأردنيون مبكراً في النضال ضد الاستعمار البريطاني والاحتلال الصهيوني في فلسطين المحتلة، ضمن مسارات متداخلة تنقلت بين تنظيم الاحتجاجات والتظاهرات داخل بلادهم، وتقديم المساندة للمقاومة الفلسطينية، وخوض مضمار الكفاح المسلح في فلسطين قبيل عام 1948، وصولاً بزخم الدعم حتى عام 1967، وما بعده بصور نضالية مغايرة عقب انكفاء عنصر المجابهة المباشرة في ظل تغير معطيات إدارة الصراع العربي – الصهيوني.
وقد تأثر الحراك الأردني الأولي بمفاصل تاريخية، شهدتها فلسطين، وأسهمت في بزوغ الوعي السياسي العربي الذي تنبه الى بروز الحركة الصهيونية في طورها التنظيمي، وتأثر أيضاً الاتجاهات القومية العربية التي كانت سائدة آنذاك في المنطقة، والتي كانت تطالب بالاستقلال ومحذرة من تدفق الهجرات اليهودية على فلسطين، مما أدى إلى احتكاك بين المستوطنين والفلاحين العرب. وقد ترجم الحراك الأردني بإصدار عرائض الاحتجاج ضد مشاريع الغزو الصهيوني والمطالبة بتحريم الهجرة اليهودية ومنع استملاك اليهود للأراضي الفلسطينية. وتأطرت تلك المطالب في مقرراتِ مؤتمرات وطنية، عكست، الهمّ الداخلي المناهض للانتداب البريطاني الذي طال شرق الأردن لسنوات، مثل مؤتمر أم قيس الذي نظمته القوى الشعبية الأردنية في أيلول (سبتمبر) 1920، وأتبعته بانتفاضة شعبية في الكورة، شمال البلاد، بين عامي 1921 و1922، فانتفاضتي العدوان عام 1923 ووادي موسى عام 1926، على الرغم من طابعها العشائري المحلي، رداً على تناقض ترتيبات إقامة الإمارة لعام 1921 مع الطموحات الوطنية في النضال لأجل دولة عربية موحدة تضمّ بلاد الشام.
وتوسع نطاق الحيز الجغرافي المطلبي عام 1928 بعقد المؤتمر الوطني الأول بمشاركة شعبية عريضة، مدعوماً بإضراب عام ومظاهرات حاشدة عمّت أرجاء البلاد للمطالبة بإلغاء المعاهدة البريطانية – الأردنية ورفض جعل فلسطين «وطناً قومياً لليهود»، فيما تتالت المطالب نفسها في المؤتمرات الوطنية المماثلة، إذ طالب مؤتمر عام 1929 بالاستقلال والوحدة العربية ورفض وعد بلفور ومقاطعة اليهود ومنع تسرب الأراضي إليهم، وتوقف مؤتمرا عامي 1932 و1933 عند مخاطر الحركة الصهيونية على فلسطين وشرق الأردن معاً.
تجاوز حراك الأردنيين الجانب السياسي الى الكفاح المسلح المشترك مع الشعب الفلسطيني ضد الاستعمار البريطاني والاحتلال الصهيوني، فقد هاجمت مجموعات مقاتلة من أرجاء البلاد بقيادة اللواء علي خلقي الشرايري (مشاور الأمن والانضباط في أول حكومة أردنية) في إربد، وأديب وهبة في السلط، المستعمرات الصهيونية في المطلة وتل حي والحراء وكفر جلعاد عام 1919. فيما خرج زعماء شمال الأردن في بلدة قميم عام 1920 إلى مناصرة فلسطين، وتجسد ذلك في قيادة الشيخ كايد المفلح العبيدات، من قرية كفر سوم المطلة على نهر اليرموك، لعدد من متطوعي أبناء الشمال لمهاجمة المستعمرات الصهيونية في سمخ قرب طبريا بنيسان، فاستشهد في أثناء الصدامات، ما عدّه المؤرخون المحدثون أول شهيد أردني على ثرى فلسطين.
وبموازاة ذلك، استقبل أبناء العشائر الأردنية المناضلين الفلسطينيين ووفروا لهم المأوى والسلاح داخل فلسطين. فيما اجتاز الحدود إلى فلسطين مئات من الأردنيين لنجدة الفلسطينيين في صدامهم ضد الاحتلال في ثورة البراق عام 1929.
شكلت الثورة الفلسطينية الكبرى (1936 – 1939) مفصلاً مهماً في تاريخ المشاركة النضالية الأردنية للمقاومة العربية الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني، وتمثلت هذه المشاركة في تنظيم المظاهرات والاحتجاجات التي عمّت أرجاء الأردن، تأييداً للإضراب العام في فلسطين، وجمع التبرعات، ونقل الأسلحة والذخائر والمؤن والمقاتلين من سوريا والعراق وشرق الأردن عبر الشمال الأردني إلى فلسطين، بتسهيلات قدمها قائد منطقة إربد صدقي قاسم، وصولاً إلى المشاركة المسلحة، عملاً بقرار اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني خلال لقاء أم العمد في حزيران 1936. بينما لعب القائد الأردني حسن محمد عادي، من بني صعب، دوراً فاعلاً ضد مقاومة المحتل في فلسطين، كما أسهمت اللجان الفرعية الأردنية، التي تشكلت عقب المؤتمر العربي الإسلامي الذي عقد في القدس عام 1931، ولا سيما لجنة إربد وأمين سرها أحمد التل، في جمع التبرعات لدعم كفاح الشعب العربي في فلسطين، والمشاركة في المؤتمرات الوطنية المؤيدة للنضال ضد الاحتلال الصهيوني، وتشكيل حراك وطني ضد استيلاء اليهود على الأراضي.
وعندما تجددت الثورة الفلسطينية عام 1937، شددت السلطات البريطانية في شرق الأردن إجراءاتها القمعية، التي لم تثنِ الشعب الأردني ومؤسساته الوطنية عن مواصلة مشاركة الشعب الفلسطيني كفاحه المسلح، عبر الانخراط في صفوف المقاومة الفلسطينية، والثورات وإعطاب خط أنابيب النفط وقطع أسلاك الهواتف وزرع الألغام في مسالك القوات البريطانية لتعقب المناضلين الأردنيين والسوريين والعراقيين ومنعهم من المشاركة في الثورة، كما شكل الأردن ملاذاً للمقاتلين لدى تصاعد الضغط العسكري البريطاني في فلسطين، فكانت الأراضي الأردنية المعابر الرئيسية للمقاتلين والأسلحة وأماكن اجتماعات الثوار.

نكبة 1948
تنوعت أساليب الحراك الأردني في مشاركة الفلسطينيين نضالهم ضد الاحتلال في الفترة السابقة للنكبة، عبر فتح باب التطوع وتشكيل فرق مقاتلة ومهاجمة المستعمرات الصهيونية الواقعة شمال فلسطين، وجمع التبرعات لشراء الأسلحة ودعم كفاح الفلسطينيين، على غرار مهاجمة مقاتلين عرب بقيادة الشيخ حمد بن جازي، من زعماء قبائل الحويطات شرق الأردن، قافلة إسرائيلية في شمال فلسطين، فيما لعب الشيخ بن جازي دوراً مهماً في حرب 1948 وقدم نجله الأكبر نايل شهيداً في معركة باب الواد، وفتح منزله ومضارب عشيرته ملاذاً للمقاومة الفلسطينية. وقد تكرر ذلك مع قيام متطوعي الأردن المرابطين في منطقة باب الواد بتعطيل الطريق الرابط بين تل أبيب والقدس ودمروه ومنعوا مرور المساعدات إلى اليهود، ما سهل على القيادة العربية في القدس أعمالها في حصر وجودهم والحؤول دون سيطرتهم على القدس ومنع وصول الإمدادات والأطعمة إليهم. وشارك متطوعون أردنيون في القتال بغزة، فيما شكل الأخوان المسلمون سرية لإنجاد القدس ومناضليها في نيسان 1948، قادها عبد اللطيف أبو قورة وممدوح الصرايرة، تزامناً مع فتح مكاتب جديدة للتطوع في عمان وجمع التبرعات. وقد أسهمت جهود فردية في تأليف سرية متطوعين بقيادة بركات طراد التحقت بفوج اليرموك الثالث في جيش الانقاذ وتمركزت على جبل الزيتون لمقاتلة اليهود في مدينة القدس، عرفت باسم سرية منكو، نسبة إلى رجل الأعمال إبراهيم منكو الذي مولها من ماله الخاص. فيما فتح الأردن حدوده أمام المتطوعين من البلاد العربية.
وكان للجيش الأردني مساهمته بحكم وجوده في فلسطين في أثناء فترة الانتداب البريطاني، فاستشهد الملازم محمد الحنيطي الذي أدار دفة القتال في مدينة حيفا، والقائد راضي العبد الله الذي وصل يافا في أوائل آذار 1948 وظل يعمل في صفوف المناضلين حتى قبل انهيارها ببضعة أيام.
أسفرت الحرب عن الاحتلال الصهيوني لنحو 78% من إجمالي مساحة فلسطين، وضمّ الضفة الغربية لشرق الأردن تمهيداً لإعلان وحدة الضفتين عام 1950.
وقد شهدت الفترة الممتدة بين سنة 1948 والعدوان الصهيوني عام 1967 حراكاً شعبياً أردنياً واسعاً، تجسد في عقد المؤتمرات الوطنية المطالبة بنصرة القضية الفلسطينية ومواصلة النضال وجمع التبرعات، رداً على حرب 1948، واعتداءات الاحتلال التي لم تتوقف عند الحدود وداخل الضفة الغربية التي باتت واقعة تحت الإدارة الأردنية، مرتكباً المذابح، مثل مذبحة السموع في تشرين الثاني 1966 في منطقة الخليل، حينما تسللت قوات الاحتلال إليها ونسفت 125 منزلاً وبناية رغم المقاومة الباسلة التي أبداها سكان القرية ومعهم وحدات من الجيش الأردني، فاستشهد عدد منهم، مثل القائد محمد ضيف الله الهباهبة (من الشوبك)، أسوة بالشهيد الملازم الطيار موفق بدر السلطي الذي انطلق فور دوي صفارات الإنذار في قاعدة الحسين الجوية لصدّ العدوان الإسرائيلي ودحر طائراته في أول قتال جوي معه، ولكن طائرته أعطبت فقفز بمظلته على ارتفاع منخفض بما لم يتسن لها الانفتاح، فارتطم بالأرض واستشهد، إلى جانب 13 جندياً أردنياً.
تجددت مطالب المواجهة المباشرة للاحتلال مع حرب 1967، وتم تشكيل قوى قتالية وجمع التبرعات وإقامة معسكرات تدريبية في الأردن، فيما انخرط أردنيون، في صفوف حركة فتح وانضم عشرات من الشرق أردنيين إلى فصائل المقاومة الفلسطينية، أبرزهم نايف حواتمة الأمين العام للجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين.
كاتبة من الأردن