| 

لا يمكن استشراف مستقبل «فتح»،»أول الرصاص، أول الحجارة»، إلا إذا تذكّرنا: كيف بدأت، وأين تقف الآن؟ لأول مرة، تجد «فتح» أن قيادتها للشعب الفلسطيني أمام تحدٍ حقيقي، فمنذ أن تبوّأت قيادة الحركة الوطنية بعد حرب حزيران 1967 وحتى عام 2004 عندما اغتيل ياسر عرفات، مؤسسها وقائد المسيرة الفلسطينية وباني الكيان الوطني، ثم خسارتها في الانتخابات المحلية عام 2005، وانتخابات المجلس التشريعي عام 2006، التي دقت نتائجها المفاجئة جرس الإنذار المدوّي؛ أصبحت «حماس» منافسا قويا لهاعلى القيادة، ثم تأكد هذا الاتجاه في الاقتتال الفلسطيني ـ الفلسطيني عام 2007 الذي انتهى بانقلاب جزء من الشرعية (التي تمثلها «حماس»الحاصلة على أغلبية مقاعد المجلس التشريعي، والمترئسة حكومة الوحدة الوطنية) على الشرعية ممثلة بالرئيس الذي يترأس السلطة والمنظمة في آن واحد.
وما زاد الطين بلة وصول البرنامج السياسي لـ«فتح»، برنامج المفاوضات كطريق وحيد لحل الصراع، إلى طريق مسدود. هذا البرنامج الذي تبلور باتفاق أوسلو وانتهى بالموافقة على مبدأ تبادل الأراضي، وضم الكتل الاستيطانية، وتقسيم القدس الشرقية، وحل متفق عليه لقضية اللاجئين وفقًا لمعايير كلينتون.

«فتح» والانقسام السياسيّ
أقدمت «فتح» تحت وقع صدمة خسارة قطاع غزة على تكليف سلام فياض تأليف الحكومة على أساس أنها حكومة طوارئ، لن تستمر إلا شهراً واحداً لتجد أنها حكومة مستمرة بأشكال ومسميات مختلفة، ولكنها دلت على أن السلطة في الضفة الغربية لم تعد تحت سيطرة «فتح» منفردة، وإنما تشاركها فيها حكومة فياض التي خاضت، ولا تزال تخوض أوساط نافذة في»فتح»، خلافًا وتنافسا حادا معها حول من يقود الحكومة، وهل فياض موظف بدرجة رئيس حكومة، أم حليف وشريك، أم قائد منافس؟ وهذا الخلاف والتنافس استنزف جزءاً رئيسيا من طاقاتها المتبقية من الخصام مع «حماس» والصراع مع الاحتلال.
وبعد المطالبة بالاعتذار والتراجع عن «الانقلاب» وعودة السلطة الشرعية إلى غزة أولاً، اضطرت «فتح» أمام حقائق الواقع وتطوراته إلى الدخول في حوار مع «حماس» بعد توصلها إلى قناعة شاركتها فيها «حماس»: مضمونها أن أي فصيل ليس قادراً لوحده قيادة السفينة الفلسطينية، وأن التنافس بات يدور على المكاسب والمواقع التي يحصل عليها كل فصيل في الشراكة الجديدة التي يجب بناؤها، وإذا لم تبن فهذا سيقود إلى احتفاظ كل طرف بما لديه. «والشراكة» أخذت في هذه المرحلة شكل التعايش وإدارة الانقسام على أساس احتفاظ «حماس» بقطاع غزة، و«فتح» بالضفة الغربية والمنظمة لحين الاتفاق على شروط الشراكة في نظام سياسي واحد.

مراهنة «فتح» على التطورات الراهنة
«فتح» تراهن على استئناف المفاوضات وتوصلها إلى اتفاق، وعلى الشرعية العربية والدولية التي تحظى بها، وعلى وضع مطالب لاستئناف المفاوضات، والتوجه إلى الأمم المتحدة، والخطاب التاريخي الذي ألقاه فيها الرئيس «أبو مازن»، وتبني خيار المقاومة الشعبية، والتهديد بحل السلطة أو وقف العمل بالتزاماتها، أو باستقالة الرئيس؛ لتحسين موقفها، وعلى النموذج المنفتح نسبيا في الضفة الغربية مقابل نموذج السلطة المحافظ الذي أقامته «حماس» في قطاع غزة، وعلى أن «حماس» تنتقل رويدا رويدا إلى برنامج «فتح»والمنظمة متخلّيةً عن المقاومة المسلحة، أهم روافع تقدمها ودعمها. ويعزز من رهانها أن الربيع العربي يعزز سير «حماس» في هذا الاتجاه، على الأقل على المدى المباشر، كطريق لتأهيل «حماس» للمشاركة في النظام السياسي الفلسطيني، والاعتراف بها، عربيا ودوليا وإسرائيليا، كلاعب فلسطيني مهم، وقد تصبح قائدة للفلسطينيين بدلًا من «فتح». هذا التغيير في برنامج «حماس» ضروري حتى لا يشكل موقفها عبئا على طموحها وعلى الإسلام السياسي الصاعد لتسلم الحكم في العديد من الدول العربية.
أما «حماس»، فتراهن على تحوّل الربيع العربي إلى شتاء إسلامي، أي على صعود الإسلام السياسي في المنطقة، وما يمكن أن يقود إليه من تعزيز موقفها بمنحها فضاءً إستراتيجيًا كانت تفتقده، ومن حوار واعتراف أميركي وأوروبي بها أسوة بما حدث مع شقيقاتها: جماعة الإخوان المسلمين في مصر، و«النهضة» في تونس. وتراهن «حماس»على زيادة نفوذها بعد إتمام صفقة تبادل الأسرى، وعلى الحرية النسبية التي يحظى بها قطاع غزة بالرغم من استمرار احتلال جزء منه، والحصار بالمقارنة بالضفة الغربية المحتلة بشكل مباشر، وعلى فشل برنامج المفاوضات، وتصارع الأجنحة في «فتح»، وأيضا على التنافس فيما بينها وبين حكومة سلام فياض.

بعض السمات المُمَيّزِة لـ«فتح»
السمة الأولى: إدراك «فتح» مبكرا لأهمية إحياء الدور الخاص للشعب الفلسطيني في إنجاز قضيته الوطنية، وبلورة كيانه الوطني، والتركيز على أهمية الكفاح المسلح لتحقيق ذلك، بحيث وصلت إلى حد تقديسه.
السمة الثانية:إنها كانت وطنيةً واسعةً يمكن أن تضم الإسلامي والقومي واليساري من دون بيروقراطية مركزية طاغية، ما أعطاها حيوية وتعدديّة.
السمة الثالثة: قيادة ياسر عرفات لـ«فتح»،حيث استطاع المحافظة على القضية الفلسطينية بالرغم من الأمواج والعواصف العاتية، والتطورات التي حدثت في المنطقة والعالم، معتمدا على سياسة اللعب على التناقضات، والانتقال من تحالف إلى آخر، ومن سياسة إلى أخرى، ومحتفظا بالقدرة على اعتراف غالبية القوى بأنه زعيمهم من دون منافس، وأن المنظمة التي يقودها هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
السمة الرابعة: قدرة «فتح» على التكيّف مع المستجدات، حيث غيّرت برنامجها من برنامج التحرير الكامل، إلى الدولة الديموقراطية، إلى برنامج السلطة الوطنية على أي جزء يتم تحريره، إلى الدولة الفلسطينية. لقد تحولت هذه السمة إلى عيب خطير عندما انتهى البرنامج الفلسطيني إلى ما انتهى إليه بعد توقيع اتفاق أوسلو وحتى الآن، وتحوّل من برنامج كفاحي يعتمد على وحدة الشعب وقواه الحيّة، وعلى المقاومة بكافة أشكالها إلى المراهنة بشكل كامل على المفاوضات كأسلوب وحيد لحل الصراع.

تراجع «فتح»
بدأت «فتح» بالتراجع، عندما بالغت بحجم الأزمة التي وصلت إليها القضية الفلسطينية ومنظمة التحرير بعد احتلال العراق للكويت، وانهيار التضامن العربي والاتحاد السوفياتي ومنظومته الاشتراكية، وعندما تصورت أن الإدارة الأميركية، التي عاقبت الفلسطينيين على وقوف قيادتهم مع صدام حسين ضدها، ستفرض حلًا متوازنا للصراع العربي ـ الإسرائيلي. لقد كان ياسرعرفات يخشى تجاوز القيادة الفلسطينية كلاعب أساسي، فقفز إلى قطار التسوية الذي كان يعتقد أنه جارف. ووافق على المشاركة في مؤتمر مدريد للسلام تحت مظلة الوفد الأردني.
لقد سادت في تلك الفترة في أوساط «فتح»والمنظمة فكرة خاطئة مفادها أن انهيار سيطرة القطبين الأميركي والسوفياتي على العالم وسقوط الشيوعية سيقلل حاجة الولايات المتحدة الأميركية لإسرائيل، التي لعبت دورا هاما في الحرب الباردة في ذروة الصراع بين الشرق والغرب، وبين الرأسمالية والشيوعية، فلم يأخذوا بالحسبان العلاقة العضوية الإستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة، وفاجأهم تقسيم العالم بين شر وخير، بين من يحارب الإرهاب العالمي الإسلامي ومن يدعمه، وأهمية دور إسرائيل في هذه الحرب العالمية الجديدة.
تحت وطأة الخوف من إقلاع قطار التسوية من دون المنظمة، والأمل في الوصول إلى تسوية؛ غامرت المنظمة، مغامرتها الكبرى، بتوقيع اتفاق أوسلو دون التأكد من نتائجه، فكانت تُحَرِّكُها الخشية من نشوء قيادة بديلة فلسطينية، أو إحياء الخيار الأردني. لعل هذا يفسر ولا يبرر كيفية القبول باتفاق أوسلو بجميع أخطائه، ومع غموضه، فكل نقطة فيه بحاجة إلى اتفاق خاص بها، باستثناء نقطة الاعتراف بالمنظمة الورادة في الرسالة المتبادلة بين عرفات واسحق رابين، حيث كانت نموذجا على عدم التكافؤ حين قدمت فيها القيادة الفلسطينية اعترافا ذهبيا بحق إسرائيل في الوجود والعيش بأمن وسلام مقابل اعترافها بالمنظمة كممثل شرعي للشعب الفلسطيني من دون الاعتراف بالحقوق الفلسطينية، بما فيها إقامة دولة فلسطينية.
لقد تصوّرت «فتح» أن الدولة بعد أوسلو باتت على مرمى حجر، وأن ما لا تأخذه بالمفرّق في المرحلة الانتقالية ستأخذه بالجملة في الاتفاق النهائي، وأن السلطة جنين الدولة العتيدة، فرمت بكل ثقلها في السلطة، لدرجة ذوبان «فتح» تماما في السلطة، وأصبحت أسيرة الرُّتب والراتب والمكاسب المختلفة، وتضخّم دور السلطة وتقزّم دور المنظمة، لتفاجأ بأن اتفاق أوسلو بكل سوئه تراجعت عنه إسرائيل، وأن الدولة المنشودة باتت أبعد عن التحقيق عما كانت عليه سابقا، وأن المطلوب من السلطة أن تبقى حكما ذاتيا إداريا ضيقا للسكان، خصوصا بعد إعادة احتلال الضفة الغربية عام 2002، ونزع صلاحيات كثيرة من السلطة، لدرجة أنها ما عادت سلطة كما يقول الرئيس «أبو مازن» في الفترة الأخيرة، وممنوع عليها التحول إلى دولة فلسطينية حقيقية.
إن مستقبل «فتح»، بل مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية بجناحيها، الديني والعلماني، يتوقف على تقديم رؤية إستراتيجية جديدة متكاملة، تستخلص الدروس والعبر من التجارب السابقة، وتجيب عن تساؤل: هل سترضى ببقاء الانقسام، ولو بصورة التعايش معه وإدارته، وببقاء المنظمة مشلولة، والسلطة سلطة حكم ذاتي محدود؟ وأن أقصى ما يمكن أن تصل إليه «دويلة» ذات حدود مؤقتة على «بانتوستانات» مقطعة الأوصال، بالترافق مع تأجيل (أي تصفية) قضايا الوضع النهائي حتى إشعار آخر؟ أم ستملك الجرأة والقدرة والإرادة على بلورة خيارات وبدائل أخرى، وليس التهديد اللفظي بها فقط، أو السير فيها بشكل مجتزأ واستخدامها بشكل تكتيكي لإحياء خيار المفاوضات. خيارات قادرة على إفشال البدائل المفضلة بالنسبة لإسرائيل، وعلى شق الطريق لتحقيق أحد البدائل والخيارات المفضلة لدى الفلسطينيين.

«فتح» بعد رحيل القائد
إن «فتح» في هبوط منذ توقيع اتفاق أوسلو. وأصبحت تدور في حلَقَةٍ مفرَّغةٍ، منذ اغتيال «أبو عمار» ما بين الرغبة في الحفاظ على ما تحقق واستئناف المفاوضات وتحسين شروطها، ولو من طريق إثبات الجدارة وبناء المؤسسات والتنسيق الأمني وتطبيق الالتزامات من جانب واحد، وبين الشعور بعدم جدوى هذا الطريق الذي جُرِّبَ منذ توقيع اتفاق أوسلو وحتى الآن، والعجز عن بلورة خيارات وبدائل أخرى على الرغم من أنها معروفة، ويتم التهديد بها، بل لقد جرّبت هذه الخيارات جزئيًا في العام الماضي، ولكن لتوظيفها لاستئناف المفاوضات، من خلال التوجه إلى الأمم المتحدة والانتظار على باب مجلس الأمن، والشروع في المصالحة من دون إنهاء الانقسام، والتهديد بالمقاومة الشعبية من دون وضع خطة شاملة لتطبيقها، ومقاطعة بضائع المستوطنات من دون متابعتها وشمولها للبضائع الإسرائيلية ذات البديل، والتراجع عن تأجيل تقرير غولدستون من دون أن يعني ذلك إحياءه فعلًا.
قد يريح «فتح» ويخفف عنها الضغوط إن «حماس» علّقت المقاومة المسلحة، ثم أوقفتها، وأعلنت تبنيها للمقاومة الشعبية، وأبدت استعدادا لتجديد التفويض لـ«أبو مازن» للتفاوض لمدة عام آخر، وتجديد التهدئة مع إسرائيل، وتوسيعها لتشمل الضفة والقطاع، وتفهّمت خطوة تأجيل تشكيل حكومة الوفاق الوطنيّ، وتأجيل تشكيل الإطار القياديّ المؤقّت وقبول لجنة المنظمة بدلًا عنه، وتأكيدها على أن الهدف إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967 من دون تقديم إستراتيجية لتحقيقه سوى انتظار الربيع العربي، واستكمال انتصار الإسلام السياسي الذي سيعد الجيوش الإسلامية وتدريبها إلى أن تنتهي المرحلة الانتقالية، وتشكيل جيش القدس وفلسطين للانقضاض على إسرائيل، ولكنّ هذا لا يحد من تراجع «فتح»، وإنما يدلّ على أنّ «حماس» لا تملك بديلاً ومرشحةً للتراجع، خصوصا إذا ظهر، بقوة، اتجاهٌ ثالثٌ وطنيّ ديموقراطيّ.

الحاجة إلى برنامج بديل
إن «فتح» والفلسطينيين جميعا بحاجة إلى برنامج بديل عن برنامج المفاوضات كأسلوب وحيد، والمقاومة المسلحة كأسلوب وحيد، وإلى قيادة منسجمة متماسكة تكافح الفساد والاستبداد، وتؤمن بالتعددية والتنوع والمنافسة والإبداع، وإلى وقف حالة تضخم السلطة وتقزّم المنظمة، ووقف ذوبان «فتح» في السلطة والأجهزة الأمنية، بحيث تحمّلت كل شرورها، ولا تتمتع «فتح» لوحدها بعد الانقسام بإنجازاتها ومكاسبها.
على «فتح» و«حماس»، والمستقلين، وغيرهم، أن يدركوا جيدا أن النزول عن الجبل لاقتسام الغنائم لم يحن بعد، فالمعركة لا تزال في بدايتها، فعام 2012 ليس عام الدولة، وعلى الأرجح أنه لن يشهد انتخابات لأسباب فلسطينية وإسرائيلية، وإذا جرت لن تكون لوحدها حلًا للمأزق العام الفلسطينيّ، وإذا خاضتها «فتح» في ظل تنفيذ «أبو مازن» عزمِه على عدم الترشح.
وكذلك من دون الاتفاق على مرشح بديل، ومن دون معالجة الفساد جذريا، وتصحيح السياسات الاقتصادية والاجتماعيّة، وضمان الحقوق والحرّيات، وذيول الصراع مع محمد دحلان، والاتفاق مع مروان البرغوثي الذي يطرح موقفا سياسيّا أكثر وضوحا وتماسكا، خصوصا بعد شعوره وغيره من قدامى الأسرى بالخذلان عقب إتمام صفقة تبادل الأسرى، وعدم نجاح المحاولات لإتمام صفقة تبادل أخرى تشمله؛ فإن «فتح» ستعاني خسارة كبيرة في الانتخابات المقبلة قد تكون أكبر من سابقاتها، والخسارة لن تكون من نصيب «فتح» لوحدها فقط، بل ستشاركها «حماس» في ذلك، ولتتذكّر «فتح» أنها تراجعت عن الانتخابات المحليّة مرات عدّة رغم مقاطعة «حماس» لها؛ خشيةً من الخسارة أو من التنافس بين أعضائها وكوادرها.
إن الواقع يؤشر إلى أن كلاً من «فتح» و«حماس»، إذا لم تستخلصا الدروس والعبر وتقومان بعملية تجديد وإصلاح وبلورة إستراتيجيّة جديدة أقل تشددا من إستراتيجية «حماس» وأشد من إستراتيجية «فتح»، ستدفعان ثمن الفشل في الحكم ومساري المفاوضات والمقاومة المسلّحة، ولمسؤوليتهما عن الانقسام وغياب مسار سياسي قادر على تحقيق الأهداف الوطنية، وممارسة انتهاكات جسيمة للحقوق والحريات في الضفة الغربية وقطاع غزة.


÷ مدير عام المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية، رام الله.