| 

* يلاحظ أن هناك تبايناً في تحديد تاريخ انطلاقة فتح. فقد حدد «أبو جهاد» الانطلاقة عام 1957 بينما وجد صلاح خلف ان عام 1959 بداية النواة التي انطلقت عام 1961، لماذا هذا الخلط برأيكم؟.
} الزعنون: لربما يعود ذلك إلى أن كل شخص يفكر بتاريخه هو ويعتبره البداية.
أذكر أنه في طريـــقي إلى الكــــويت، في حزيران 1960، نزلت ترانزيت في مطار بيروت والتقـــيت أبا جهاد الذي طلب مني نقل عشرين كيلو من الكتب، فقمـــت بحملها من مطار بيروت إلى الكويت، وبعد أن استقريت فـــي العمـــل مدعياً عاماً هناك، جاء إلي خليل الوزير وطلب مني المـــساعدة في موضوع مجلة «فلسطيننا» التي يجري إعدادها، فكتـــبت أكثر من مرة فيها، ثم طلب مني اشتراكاً تحت اسم المجلـــة، ثم تبين أنه اشتراك تحت اسم حركة التحرير الوطني الفلـــسطيني (فتح).
ترددت، بداية، في دخول فتح، بقصد استكمال دراستي لنيل شهادة الدكتوراة بعد حصولي على الماجستير، وكان أبو جهاد يلح في إقناعي، وقد التقيت حينها بشخص تحت اسم فتحي القاضي، وتبين فيما بعد أنه عبد الله الدنان، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح آنذاك، واطلعت على «بيان حركتنا» و«هيكل البناء الثوري».
ثم جاء إلى قيادة الحركة نبيل حمدان، وهو عادل عبد الكريم، وكنت أراه أقوى شخصية في الحركة في مرحلة التأسيس، ووافقت على الانضمام للحركة التي لم أكن أعرف حتى تلك اللحظة أن ياسر عرفات عضو فيها.
ثم أرسلت الحركة إلى صلاح خلف أيضــاً عادل عبد الكريم تحت اسم «أبو يحيى»، فقد كانت السرية قــوية جداً في المرحلة الأولى ولعلها أهم أسبــاب نــجاح الحركــة فيما بــعد.
عقد اجتماع آنذاك للخلية الأولـــى لفتح لإصدار مجلة لنشر أفكار الحركة، وجرى الاتفاق على إصـــدارها من لبنان باعتبارها المركز الإعلامي الأول عربياً. وقـــد تم، في ذلك الحين، التعرف على شاب لبناني اسمه توفيق حــوري، ذي ميول إسلامية، فطرحت عليه الإشكالية ووعد بالمســـاعدة، حيــث استطاع إيجاد مجلة مهملة اسمها «نداء الحياة» فاشــترى امتيازها ووضع في الصـــفحة الأولى «فلسطيننا» وكــان توفيق حوري يــشرف عليها في لبنان، وخليل الوزير في الكويت.
* شهدت هذه الفترة اندماج مجموعات كثيرة بالحركة، كيف كان يتم ذلك؟.
} الزعنون: لقد شكل كثيرون، آنذاك، منظمات سرية دون علمهم بمن سبقهم في ذلك، حيث كانت فتح أكبرها وأدقها من حيث السرية. وقد جرت حوارات بين الحركة وغيرها من التنظيمات، طلبت فتح خلالها الاتفاق على دمج هذه التنظيمات مع أول تنظيم يطلق الرصاصة داخل الأراضي الفلسطينية، وفعلاً، اندمجت كثير من المنظمات الصغيرة، وتلك غير التابعة للأحزاب، في حركة فتح.
فعلى سبيل المثال؛ اندمج الأخوة في قطر في فتح، التي كان مركزها الكويت، ومنهم يوسف النجار ومحمود عباس وأبو شاكر النتشة، وغيرهم، واعتبرناهم ممثلي حركة فتح في قطر، وكذلك الحال في السعودية، حيث انضم الشهيد عبد الفتاح حمود، الذي استشهد في عام 1968. وفي ليبيا، انضم تنظيم فلسطيني كان على رأسه كمال السراج ومحمود أبو الفخر، وفي لبنان استقطبت المهندس زهير العلمي، الذي كان يتحرك باسم «محمود حكيم»، وأصبح فيما بعد رئيس الصندوق القومي الفلسطيني. وفي ألمانيا جرى استقطاب التنظيم الموجود هناك وكان على رأسه هاني الحسن والشهيد هايل عبد الحميد والمرحوم أمين الهندي.
وقد ساعد على الالتقاء أن هؤلاء جميعاً إما كانوا في رابطة الطلاب الفلسطينيين في الخمسينيات، أو في اتحادات الطلبة الفلسطينيين حول العالم.
أما هاني الفاخوري فكان من أهم الأشخاص الذين جرى استقطابهم في لبنان، ليكوّن قيادة إقليمية في لبنان لحركة فتح، فلم يكن استقطابه الأساسي من أجل المجلة وإنما للحركة.
وحرصنا في مرحلة التأسيس السرية على النوع وليس الكم، بالنظر إلى من يفيد حركة فتح، أسوة بما حدث مع هاني القدومي في الكويت، الذي شغل منصب سكرتير أمير الكويت عبد الله السالم الصباح، بما أمكنه استخراج التأشيرات لنا بحكم موقعه.
فعلى سبيل المثال أرســل إلي عـــادل عبد الكـــريم وعبد الله الدنان لإقناعي بدخول الحركة، واستخدم نفس الأســـلوب مع صلاح خلف، وخالد الحسن الذي كان مسؤولاً في حزب التحرير الإسلامي، ولم يكن أحد يستطيع إقناع هذه الشخصية الفكرية الكبيرة غير أشخاص مثل عبد الكريم والدنان، وكذلك علي الحسن من زعماء الإخوان المسلمين، لا أحد يستطيع أن يقنعه إلا من يمتلك ثقافة عالية وإيماناً وقدرة على الإقناع.
لقد تم استقطاب الكفاءات المتميـــزة بنفس الأسلوب في سوريا، فأسهمت اللقاءات والحوارات حـــول الفكـــرة في إقناع محمود الخالدي والدكتور حسام الخطيب، الذي عـــاد إلى حزب البعث بعدما كان يوماً في مركزية فتــح مــع الخالدي.
وفي ليبيا جرى استقطاب الدكتور محمود أبو الفخر وكمال السراج «أبو نبيل»، وفي لبنان استقطبت رجل الأعمال المهندس زهير العلمي الذي كان معنا في رابطة الطلاب الفلسطينيين في القاهرة. كما تم استقطاب الشيخ محمد أبو سردانة وأبو ماهر «محمد غنيم» وآخرين في الأردن.
وأبرز من دخل اللجنة المركزية في تلك الفترة محمد يوسف النجار «أبو يوسف» ومحمود عباس، وكان معهما في لجنة الإقليم بقطر رفيق النتشة وسليمان الشرفا، بالإضافة إلى سعيد المسحال وكمال عدوان. كما تحمس للفكرة الحاج مطلق ومحمد علي الأعرج «أبو الرائد»، اللذان حضرا إلى الكويت أكثر من مرة واجتمعا مع قيادة الحركة، وفق اقتراح دمج التنظيمين القائمين في السعودية والكويت ضمن تنظيم واحد، وقد اعتبر الأخوة في السعودية فرعاً من الحركة أو إقليما. كما كان هناك أيضاً ماجد أبو شرار، وعبد العزيز السيد، وسليمان أبو كرش، وغيرهم.
÷ إذاً، يعود الاجتماع التأسيسي الأول للحركة إلى عام 1959، من ضمّ؟.
} الزعنون: نعم، فقد غادر عرفات مصر متوجهاً إلى الكويت، حيث عمل مهندساً، والتقى هناك خليل الوزير الذي كان مدرساً فيها، وقد اتفق الرجلان، مع يوسف عميرة، الذي كان من الإخوان المسلمين، على فكرة الكفاح المسلح، والتقى هؤلاء مع شابين من فلسطينيي سوريا وهما عادل عبد الكريم وعبد الله الدنان. وبعدها جرى استقطاب فاروق القدومي وسليم الزعنون وخالد الحسن، وكان هؤلاء هم أول لجنة مركزية لفتح، أي مؤسسي الحركة. بينما عقد أول اجتماع للجنة المركزية الموسعة، وكنت عضواً فيها، عام 1961.
لقد تم التجمع تدريجياً، فكان حتى 1/1/1965 في مرحلة التأسيس والتدريب والتنظيم السري، حيث كان يضم العضو عن طريق الإطلاع على «بيان حركتنا» و«هيكل البناء الثوري»، فوظيفتنا رصّ الحجارة والمداميك لجعل البنـــاء صالحاً ومتيناً.
لقد كنت في سنة 1963 عضواً في اللـــجنة السياسية التي كان يرأسها فاروق القدومي. وفـــي سنة 1964 كلفت بمهمة أمين سر لجنة التنظيم وكان في هذه اللجنة أبو إياد وعلي الحسن.
ثم بعد تفرغ أبو السعيد، خالد الحسن الذي كان معتمد إقليم الكويت، تسلمت بعده المهمة حتى سنة 1975 مع بقائي عضواً في اللجنة المركزية لحركة فتح. وفي نفس السنة كلفت بتمثيل الحركة في الخليج، بالإضافة إلى الكويت حيث النواة التي ضمت أكبر تنظيم في حركة فتح والأكثر امتثالاً للنظام الذي وضعته الحركة.
ضمت الكويت 14 لجنة منطقة، وكل منطقة احتوت على 130 عضواً، وكان هناك خلايا في المنطقة وجناح وبعد الخلية والجناح هناك شعبة ولجنة منطقة عبارة عن 7 أو 8 أشخاص يأتون بالانتخاب. وعندما دخلت إلى اللجنة المركزية كان فيها خمسة أعضاء: ياسر عرفات، أبو جهاد، عادل عبد الكريم، يوسف عميرة، وكان يعمل تاجراً، وعدّ أهم العناصر المستقطبة للمناضلين. وكان الإخوان المسلمون يصبون غضبهم على ثلاثة من أعضاء اللجنة المركزية هم يوسف عميرة، سليم الزعنون، وصلاح خلف، فقد اعتبروا أننا أخذنا معنا مئات من الأشخاص الذين كانوا في حركتهم.
كان عادل عبد الكريم وعبد الله الدنان مدرسين في الكويت، وعضوين في اللجنة المركزية، ثم دخلت أنا وخالد الحسن، ومن قطر أبو يوسف النجار ومحمود عباس، ومن الأردن أبو ماهر ومحمود فلاحة، ومن سوريا محمود الخالدي ولفترة غير طويلة الدكتور حسام الخطيب.
كان أبو عمار وأبو جهاد أول اثنين في اللجنة المركزية. وكان الانضمام في البداية فردياً، وكان الثالث يوسف عميرة، واتسعت الدائرة فدخل عبد الكريم، والدنان، فاروق القدومي، وهناك قول أن القدومي كان قبل الدنان وأبو إياد.
÷ شهدت الفترة السابقة على انطلاقتكم عام 1965 خلافات داخل الصف القيادي للحركة حول توقيت الكفاح المسلح، كيف تم احتواء ذلك؟.
} الزعنون: عقد اجتماع موسع للمجلس الثوري في صيف عام 1964 بدمشق حضره أعضاء اللجنة المركزية، وقد حدث خلاف كبير في ذلك الاجتماع، حيث كانت الأقلية وعلى رأسها ياسر عرفات وأبو جهاد ويوسف عميرة تتبنى انطلاقة الكفاح المسلح في 1/1/1965، وكان عادل عبد الكريم وعبد الله الدنان ومعهم باقي أعضاء اللجنة المركزية وأعضاء آخرون موجودون في الأردن، يقولون بعدم كفاية الاستعدادات، داعين عرفات لكبح جماح تحمسه.
وعادت اللجنة المركزية إلى الكويت تحمل بذور الاختلاف معها حول الموضوع، وكان عرفات يرى بأن من يريد التضحية بنفسه لا يحتاج إلى استئذان، وأن موضوع الكفاح المسلح لا يحسم بالأقلية والأكثرية، عدا عن يقينه بسلامة التوقيت وكفاية الإمكانيات، وحتى لو كان المال المتوفر قليلاً فسيرفد مؤمني العمل المسلح به عقب الانطلاقة.
ازداد الخلاف في الكويت واشتد داخل اللجنة المركزية، فتقرر إرسالي، بصفتي قاضياً، إلى الأردن لاستقصاء الأمر، حيث ستكون الانطلاقة من الأردن وغزة.
ذهبت إلى عمان في 23/12/1964 ثم توجهت للقدس حيث التقيت رمضان البنا، الرجل البـــارز في منظمة المؤتمر الإسلامي، وكان مشجعاً للانطلاقة، وفي نابلس قابلت سراً محامياً من عائلة السفاريني، إذ كـــان في وضع أمني مقلق، وكان أيضاً متحمساً. وقد نبه بعض من اجتمعت بهم للحاجة إلى 50 ألف دينار لدفع نفقات أسر من سيتم اعتقالهم بعد الانطلاقة، ولم تكن فتح تملك مثل هذا المبلغ المرتفع في ذلك الوقت.
وفي 28/ 12، التقيت محمد بيوسف النجار، ومن ثم ذهبنا معاً للقاء أبو عمار الذي كان متخفياً بملابس باكستاني، قادماً عن طريق مطار قلنديا حيث السياح يأتون عبره بكثرة، وعندما رآني وعرف بمشاطرتي رأيهم، خاطبني قائلاً: «الآن انضممت إلى فريق المجانين»، وقد جرى الاتفاق حينها على تنفيذ الانطلاقة تحت اسم العاصفة، فإذا نجحت تتم الاستمرارية والإعلان بأنها الجناح الضارب لحركة فتح، وإذا فشلت يتحملها عرفات ومن وقفوا معه، كما تقرر أن نكون نحن الثلاثة، ياسر عرفات، سليم الزعنون، أبو يوسف النجار، قيادة تقود عملية انطلاقة العاصفة.
اجتمعنا وقدنا المسيرة مـــع عرفـــات عشر دقائق فقط، وجرى توزيع العمل، حيث تقرر أن أتولـــى الجانب المالي، بالعودة إلى الكويت، حيث سيدفع كل عضو 50 ديناراً عند الانطلاقة، ومن لا يدفع يفصل. أما أبو يوسف فيأخذ البيان الذي كان معداً ويذهب إلى سوريا ولبنان، حيث أتفق مع رؤساء تحرير صحف لبنانية بنشر البيان عند صدوره. وبالفعل سافرت أنا إلى الكويت وتوجه النجار إلى سوريا ولبنان، وجرت الانطلاقة.
في اليوم الأول فشلت الخطة، لكن في اليوم الثاني كانت التفجيرات وعملية «عيلبون» الشهيرة، التي استشهد فيها أحمد موسى، أول شهيد لفتح. وقد انتشر الخبر وانقلبت المنطقة بالحدث. وتصاعدت الاتهامات المتعددة ومنها أن المنفذين مجموعة من الماركسيين المتسترين في الشرق الأوسط، ولكن لا يوجد لهم أسماء على قوائم الماركسيين الموجودة لدى مراكز الاستخبارات في المنطقة.
ولكن لجان نصرة فلسطين التي كنا قد أنشأناها في كل مكان بدأت عملها، ومنها لجنة نصرة فلسطين في الكويت التي ضمّت شخصيات من الكويتيين مثل عبد العزيز الشايع وعبد العزيز الصقر.