| 

في سنة 1954 التقيت هايل عبد الحميد وكان معه أنيس الخطيب. في تلك الفترة (1954 ـ 1955) كان كل فلسطيني يحاول أن يعمل شيئاً ما. أما مجموعتنا (مجموعة طلاب فلسطين) فقد عملت في سبيل تدريب الفلسطينيين على السلاح في الكليات العسكرية السورية، ونجحت في ذلك. وأذكر أننا كنا ثلاثة: أنا ومحمود المغربي ومحمد السهلي ذهبنا إلى الكليات العسكرية السورية.
في 13/9/1957، ذهبت إلى قطر، وبدأنا ببناء تنظيم جديد، كان يضم أبو يوسف النجار وأبو طارق الشرفا، وأنا. كنا النواة الأولى للتنظيم، ثم بعد ذلك، جاء سعيد المسحال وكمال عدوان، وعبد الفتاح حمود، ورفيق النتشة. لم نتخذ أي اسم لنا. لكن عرفنا أن هناك عشرات المنظمات في الكويت، فقررنا الاتصال بالكويت، وبدأت أنا وأبو يوسف النجار نذهب إلى الكويت كل يوم خميس بعد الظهر، والعودة السبت صباحاً، قبل بداية الدوام ومن دون أن يشعر بنا أحد. فكنا نذهب ونلتقي الشباب، ونمضي نهار الجمعة. قمنا بعدة زيارات بهذه الطريقة، ووجدنا في تنظيم فتح من يمكننا أن نتحدث معه، ونتفق، كما تبين لنا أن في التنظيم أصدقاء لي وأصدقاء لأبو يوسف النجار، من الشام وغزة.
كان من الشام عبد الله الدنان، الذي كان معنا في تنظيمنا السابق، وكذلك عادل عبد الكريم، الذي كان أيضاً معنا، ثم منير سويد، الذي كان شيوعياً وترك الحزب، كان الثلاثة قيادات في حركة فتح، وجميعهم أصدقاؤنا، وكذلك أصدقاء أبو يوسف، ثم هناك أبو جهاد، وأبو عمار، ثم الأخ أبو الأديب، وكان أيضاً أبو إياد، الذي كنت قد تعرفت عليه قبل ذلك بعام، ومن أول تعارفنا أصبحنا صديقين، فلما قيل لي إنه في تنظيم فتح، قلت، هذا التنظيم سنكون فيه، واتحدنا مباشرة ولم نحتج لنقوم بالقسم.
وبدأنا من هذه النقطة، نمشي خطوة، خطوة، ونحاول تجهيز أنفسنا، واستمر عملنا تقريباً من سنة 1960 إلى سنة 1964، ففي صيف هذا العام قلنا إن علينا أن نستعد للانطلاقة.
كنا نلتقي دائماً مع عادل عبد الكريم، وعبد الله الدنان، ومنير سويد، ويوسف عميرة. في لقاءاتنا الأولى، لم يكن أبو عمار موجوداً، وكان الأخ أبو جهاد خارج الكويت. وكنا نرى أبو الأديب الذي كان دائماً هو صلة الوصل، باعتبار أنه صديق أبو إياد وعادل عبد الكريم، وعبد الله الدنان، ولم نكن نطرح أننا بدأنا من جديد، فعبد الله كان معنا في فترة تنظيم دمشق الأولى، وكذلك عادل عبد الكريم، وكانت الأفكار التي أمامنا، مطابقة لأفكارنا في الشام. وقد تشكلت اللجنة المركزية. كان عدد الأخوة من تنظيم الكويت خمسة، ومن قطر اثنان، ومن دمشق محمود الخالدي، ومن غزة محمد الإفرنجي، ومن ليبيا محمود أبو الفخر. وهؤلاء هم الذين قرروا الانطلاقة بالإضافة إلى الأخ حسام الخطيب الذي ترك الحركة لاحقاً.
درسنا عملية الانطلاق رسمياً في 1/9/1964، ويومها اختلفنا مع بعضنا، كان أبو جهاد في الجزائر، فحضرنا الاجتماع تسعة أعضاء هم: محمود الخالدي، حسام الخطيب، محمود عباس، أبو يوسف النجار، عادل عبد الكريم، ياسر عرفات، محمود أبو الفخر، عبد الله الدنان، محمد الإفرنجي.
وبدأ الخلاف على التريث، وعدم التريث، فبعض الإخوان كان رأيهم عدم البدء قبل أن يكون لدينا كامل الاستعداد. والبعض الآخر كان رأيه أن نبدأ ونتابع. نطلق رصاصة أخرى ونتابع، لكن لا يمكن أن نبقى في الانتظار حتى نكمل الاستعداد، فهذا مستحيل، لأنه في النهاية، قد يكشف التنظيم، وقد نعتقل مرة واحدة. وأطلقوا على كل رأي صفة: رأي العقلاء، ورأي المجانين، وكنت أنا من المجانين، وكذلك أبو يوسف النجار، وأبو عمار، وفي التصويت كان صوتي هو الخامس وهو الذي رجح كفة البدء.
واتفقنا في 1/9، لكن فشلت محاولة الانطلاقة في هذا التاريخ، وكانت فرصة للعقلاء لإثبات رأيهم أن أبو عمار لا يصلح.
عدنا إلى الكويت، ووجدنا الخلافات على أشدها، ففكرنا في تحديد موعد آخر، فرفض أبو عمار الفكرة، مما اضطرنا أن نضع معه قيادة، أي أن يكون بإمرة قيادة، وكان منهم أبو يوسف النجار، وتوفيق حوري اللبناني، أما كمال عدوان فقد ذهب من أجل متابعة إعلان البيان. ثم اتفقنا على 1/1/1965، وقلنا لأبو عمار أن يقبل، وأن يذهب بإمرة القيادة التي اتفقنا عليها، وأسميناها (القيادة العسكرية).
طبعاً أبو عمار يرفض أن يذهب تحت إمرة أحد، قلنا جميعاً له: عليك أن تقبل، حتى نحصل على تأييد الآخرين، وهكذا أيدنا الآخرون، وأوصيناه أن (لا تفشلنا).
أعود لأقول إن الشعار شيء، والتطبيق شيء آخر، أن تحكي عن الكفاح المسلح، صح، وشيء عظيم، لكن أن تمارس الكفاح المسلح، فشيء آخر مختلف وممتلئ بالخطورة.
ومن حسن الحظ أن عملية البطوف (نفق عيلبون) حدثت في 1/1/1965، والتي استشهد على إثرها أحمد موسى، واعتقل محمود حجازي، وأثارت العملية انتشاراً في أخبار العالم، وانطلقت ثورة فتح من السرية إلى العلن.
 
أنظر: الرئيس محمود عباس «صفحات مشرقة من تاريخ الثورة الفلسطينية»، حوار أجراه يحيى يخلف، رام الله، 2009.