| 

بدأت فكرة تأسيس منظمة كفاحية فلسطينية تتوارد في رأس ياسر عرفات منذ سنة 1956، أي بعد العدوان الثلاثي على مصر. وقد شاركه في بلورة الأفكار الأولى خليل الوزير (أبو جهاد)، وفي ما بعد صلاح خلف (أبو إياد). والواضح أن مؤسسي حركة «فتح»، في معظمهم، هم من اللاجئين الذين وفدوا الى قطاع غزة بعد سنة 1948 أمثال محمد يوسف النجار (أبو يوسف) وسليم الزعنون (أبو الأديب) وخليل الوزير (أبو جهاد) ويحيى عاشور (حمدان) وفتحي البلعاوي وآخرين. ومعظم هؤلاء أيضاً بدأوا حياتهم السياسية في حركة الإخوان المسلمين لأنهم لم يجدوا أمامهم في غزة آنذاك إلا الإخوان والشيوعيين. وكان الشيوعيون يدعون الى التعايش مع إسرائيل، ووافقوا على قرار التقسيم في سنة 1947، فنفر منهم اللاجئون. ولهذا، على الأرجح، التحقت طلائعهم بجماعة الإخوان المسلمين. لكن هذه الطلائع التي التحقت بالإخوان المسلمين لأسباب وطنية سرعان ما خرجت من صفوفهم لأسباب وطنية، فقد اكتشفوا أن مشروع الإخوان المسلمين هو أسلمة المجتمع، ولا تحتل قضية فلسطين فيه إلا ركناً بسيطاً ومؤجّلاً.
أسس الإخوان المسلمون في غزة مجموعة شبه عسكرية لجذب الشبان الفلسطينيين إليهم هي «كتيبة الحق»، وكان من بين أعضائها خليل الوزير (أبو جهاد). لكن قيادة الإخوان المسلمين في القاهرة، لرغبتها في عدم تخريب علاقتها بمجلس قيادة الثورة الذي تسلم السلطة بعد ثورة 23 يوليو 1952 أوعزت الى أعضائها في غزة بوقف التسلل الى المستوطنات الإسرائيلية. فضاق خليل الوزير الذي كان التحق بالإخوان المسلمين سنة 1951، ذرعاً بهذا الموقف، وبادر الى تأسيس مجموعات مستقلة قليلة العدد شرعت في التدرب على السلاح في معسكرات بدائية أقيمت سراً في ضواحي مدينة العريش سنة 1952. وكان معه في هذه المجموعات حمد العايدي (أبو رمزي) وكمال عدوان ومحمد الافرنجي وعبد الله صيام ونصر عبد الجليل. ثم انضم إليهم لاحقاً سليمان الشرفا (أبو طارق) ومعاذ عابد (أبو سامي) وسعيد المسحال ومنهل شديد وسعيد المزين وغالب الوزير.
بدأت هذه المجموعات تنفيذ عمليات تسلل وإغارة على المواقع الإسرائيلية منذ أواخر العام 1954 مستخدمة اسم «كتيبة الحق»، ولم يكن للإخوان المسلمين أي شأن في نشاط هذه الكتيبة. وما كادت سنة 1955 تطل حتى كان معظم أعضاء هذه المجموعات انسحب من جماعة الإخوان المسلمين، وانسحب منها صلاح خلف (أبو إياد) ليؤسس مجموعة صغيرة باسم «جبهة الكفاح المسلم الثورية» التي انضمت الى «فتح» في سنة 1959.
اضطر خليل الوزير الى مغادرة قطاع غزة في أواسط سنة 1956 للالتحاق بجامعة القاهرة. وفي القاهرة توثقت علاقته بياسر عرفات الذي كان التقاه في غزة سابقاً. لكنه لم يتابع دراسته وسافر الى السعودية ليعمل في سلك التعليم. غير أنه لم يتمكن من البقاء أكثر من ثلاثة أشهر فيها فجاء الى الكويت ليلتقي ياسر عرفات مجدداً، ويبدآن في تأسيس حركة فتح.

الخلية الأولى
كانت الكويت منشأ الخلية الأولى لحركة «فتح»، وفيها تمكن ياسر عرفات من الحصول على دعم الأثرياء الفلسطينيين أمثال طلعت الغصين وهاني القدومي وعبد المحسن القطان وهاني أبو السعود. وضمت الخلية الأولى لحركة «فتح» كلاً من: ياسر عرفات وأبو جهاد وعادل عبد الكريم (مفتش مادة الرياضيات في مدارس الكويت) وتوفيق شديد ويوسف عميرة وعبد الله الدنان. وهؤلاء صاغوا «بيان الحركة» ووضعوا كراس «هيكل البناء الثوري» واتفقوا على اسم «فتح»، ثم بدأوا الاتصال برفاقهم القدامى في غزة وسورية، فانضم إليهم صلاح خلف وكمال عدوان في سنة 1959. ولم تكد سنة 1959 تنصرم حتى كان عدد أعضاء الحركة قد فاق الخمسمئة.
أسست هذه الخلية منبراً إعلامياً في لبنان باسم «فلسطيننا ـ نداء الحياة». وصدرت هذه المجلة في تشرين الأول/ أكتوبر 1959 باشراف كل من الحاج توفيق حوري والسيد هاني فاخوري. وظلت هذه المجلة توالي الصدور حتى سنة 1964. وكان أبو جهاد يشرف عليها، ويكتب مع ياسر عرفات معظم مقالاتها.
في سنة 1960 باتت «فتح» قوة حقيقية في الوسط الفلسطيني، فانضم إليها كل من عبد الفتاح حمود وماجد أبو شرار وأحمد قريع (أبو علاء) وفاروق القدومي (أبو اللطف) وخالد الحسن (أبو السعيد) وهايل عبد الحميد (أبو الهول) وهاني الحسن ومحمود عباس (أبو مازن) ثم زكريا عبد الرحيم في سنة 1963 وخالد اليشرطي.
وهكذا توزع أعضاء حركة فتح الأوائل على مختلف العواصم العربية. ففي الكويت كان ياسر عرفات وعبد الفتاح حمود ونمر صالح (أبو صالح) وخالد الحسن وعبد الله الدنان ويوسف عميرة وعادل عبد الكريم وكمال عدوان وزهير العلمي وتوفيق شديد وفارق القدومي (أبو اللطف)؛ وفي قطر كان محمود عباس ومحمد يوسف النجار ومحمود المغربي؛ وفي السعودية صلاح خلف ووليد أحمد نمر الحسين (أبو علي إياد) وممدوح صيدم ورفيق النتشة؛ وفي الجزائر خليل الوزير ثم منهل شديد؛ وفي غزة سليم الزعنون؛ وفي دمشق محمود الخالدي؛ وفي ليبيا محمود أبو الفخر.
منذ البداية، ظهر في حركة فتح تياران: الأول كان يرى ضرورة التروي والتهيئة المدروسة قبل البدء في العمليات العسكرية، وسُمِّيَ أصحاب هذا التيار بـ«العقلانيين»، وكان من بينهم خالد الحسن وعادل عبد الكريم وعبد الله الدنان. أما الثاني فكان يرى أن من الضروري شن الكفاح المسلح فوراً. ودُعِيَ أصحاب هذا التيار بـ«المجانين»، وكان منهم ياسر عرفات وخليل الوزير. وتغلب المجانين على العقلانيين، وأُقر إعلان بيان العمليات العسكرية باسم «قوات العاصفة».
كان الاتفاق قد جرى على إعلان انطلاقة الكفاح المسلح في أوائل أيلول/سبتمبر 1964 قبيل مؤتمر القمة العربية الثانية، لكن المجلس العسكري أرجأ ذلك، لأنهم كانوا مازالوا يحتاجون الى نحو 500 قطعة سلاح ونحو 50 ألف دينار كويتي لهذه الغاية، الأمر الذي لم يكن متوافراً في ذلك التاريخ. وكان ياسر عرفات جالساً مع أبو يوسف النجار على شاطئ مدينة الكويت يفكران في هذا العائق. وفجأة تطلع ياسر عرفات الى أبو يوسف النجار قائلاً له: عندما قابلت هواري بومدين وزير الدفاع الجزائري وطلبت منه المساعدة قال لي: إذهب واطلق رصاصة ثم عد إليّ. الآن ما رأيك أن تقوم أنتَ بعملية عسكرية، فإذا نجحت العملية تتبناها فتح. وإذا فشلت يكون الذين قاموا بها مجموعة من الشبان المتحمسين ليس أكثر، ونتابع نحن الاستعداد للانطلاقة. وجاء أبو جهاد من الجزائر، واجتمع المجلس العسكري، ووافق على الفكرة.
وهكذا بدأت المسيرة نحو لحظة انطلاقة الرصاصة الأولى التي انطلقت بالفعل في 1/1/1965.

الانطلاقة الأولى
نفذت حركة فتح قبيل انطلاق العمليات العسكرية في 1/1/1965 سلسلة من عمليات الاستطلاع قادها من لبنان أحمد الأطرش (زياد) وشقيقه محمود الأطرش وجلال كعوش. ونتيجة لعمليات الاستطلاع جرى تحديد عدد من الأهداف. وأرسلت قوات العاصفة 82 رجلاً في 10 مجموعات مسلحة للإغارة عليها في وقت واحد. وكان في رأس العمليات المقرر تنفيذها في ليلة 31/12/1964 اثنتان: الأولى، تفجير محطة لضخ المياه في النطوف (بيت نطوفا) في شمال فلسطين، والثانية تدمير نفق عيلبون الذي ينقل مياه نهر الأردن الى إسرائيل. غير أن ارتفاع منسوب نهر الأردن في تلك الليلة الشتوية أرجأ العملية الى 8/1/1965، بينما لم تتمكن مجموعة بيت نطوفا من تنفيذ العملية، لأن الجيش اللبناني أوقف الفدائيين الأربعة الذين كانوا متجهين الى الأراضي الفلسطينية.
أذيع البيان الأول لقوات العاصفة في 1/1/1965 فشكَّل تدشيناً لعصر جديد سيعم المنطقة العربية بأسرها، هو عصر الكفاح المسلح الفلسطيني. ثم أذيع أول بيان سياسي للعاصفة في 28/1/1965 فحملت «العاصفة» معها للشعب الفلسطيني وعوداً طال انتظارها كثيراً. غير أن الشهور التي أعقبت انطلاقة العمل الفدائي لم تشهد الكثير من العمليات العسكرية، بل انصرف الجهد، في معظمه، الى ترسيخ حركة فتح في الأوساط الفلسطينية، وفي تأسيس القواعد السرية في الضفة الغربية، واقتصر الجهد العسكري على التسلل عبر الحدود في لبنان والأردن وسورية، وزرع العبوات البدائية والألغام، وكان ياسر عرفات في مقدمة دوريات التسلل هذه.
استمرت حال العمل العسكري طوال الفترة الممتدة بين مطلع العام 1965 وأيار/مايو 1967 على ما هي عليه من تسلل وإغارة وزرع ألغام وبناء القواعد السرية وترسيخ هيكلية تنظيم حركة فتح في البلدان العربية. لكن مع وقوع حرب الخامس من حزيران/ يونيو 1967 واحتلال إسرائيل غزة والضفة الغربية والقدس والجولان بدأت مرحلة جديدة من مراحل الصراع العربي ـ الصهيوني، وصار ما قبل هذا التاريخ تاريخاً، وما بعده تاريخاً آخر.
أوجد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة وضعاً جديداً تماماً، وخلق مشكلات لم تكن في الحسبان البتة، الأمر الذي أجبر حركة فتح على الانتقال الفوري من مرحلة التأسيس وبناء القواعد السرية الى مرحلة بناء قواعد الاسناد الثابتة ولا سيما في الأردن. وفور توقف الأعمال القتالية في حرب حزيران/ يونيو 1967 قاد ياسر عرفات فريقاً صغيراً قوامه عبد العزيز شاهين (أبو علي) وعبد الحميد القدسي، وتسللوا الى الضفة الغربية لإعادة تنظيم خلايا فتح في الداخل وشن عمليات عسكرية ضد الاحتلال. وفي 1/8/1967 أقام ياسر عرفات مقر قيادته في مدينة نابلس، وشرع مع محمود مِسْوَدَة ونمر صالح (أبو صالح) في تأسيس الخلايا العسكرية المقاتلة، وكُلِّف خليل الوزير تنظيم شبكة الإمداد وقواعد الاسناد السرية في الأردن. وجرى تنشيط معسكر الهامة القريب من دمشق. وفي 28/8/1967 بدأ شن العمليات العسكرية في ما اعتُبر الانطلاقة الثانية لحركة فتح. وتتالت الدورات التدريبية في الخارج، وبالتحديد في الصين. وعاد المتدربون في نهاية العام 1968 الى الأردن ليباشروا بناء قواعد الاسناد والتنظيم المحلي. وكان بينهم ممدوح صيدم وهاني الحسن وهايل عبد الحميد ويحيى عاشور وإسماعيل جبر ونصر يوسف وموسى عرفات وداود أبو الحكم والطيب عبد الرحيم. وفي هذه الأثناء كان ياسر عرفات ينشط في الضفة الغربية لتمتين بنية الخلايا السرية لحركة فتح، ويتنقل بسرية تامة من مكان الى آخر، وكادت القوات الإسرائيلية تعتقله أكثر من مرة.
مع تصاعد العمليات القتالية راح العمل الفدائي يكتسب سمعة عالية جداً من الاحترام في صفوف المواطنين العرب، ولا سيما أن الجيوش العربية كانت قد مُرِّغت بالهزيمة. وظهر أن العمل الفدائي بات يتحول، بالتدريج، الى عمل منظم ذي فاعلية، وما عاد مجرد أعمال تسلل وتحرش وزرع ألغام. وهذا الأمر أقلق القيادة الصهيونية كثيراً، فتوهمت ان في إمكانها القضاء على الفدائيين بعملية عسكرية كبيرة ومنسقة. فقامت في 21/3/1968 بالهجوم الشامل على بلدة «الكرامة» في الأردن حيث كانت تنتشر قواعد الفدائيين.وجرت معركة كبيرة بجميع المقاييس قادها ياسر عرفات بنفسه، وأسفرت عن انسحاب الجيش الإسرائيلي الى مواقعه السابقة بعدما تكبد 28 قتيلاً و90 جريحاً، ودُمِّرت له 4 دبابات و5 عربات وطائرة واحدة. ومع أن خسائر الفدائيين والجيش الأردني كانت كبيرة، إلا أن النتائج السياسية لمعركة الكرامة فاقت أي توقع. فتدفق آلاف المتطوعين الفلسطينيين والعرب على قواعد حركة فتح في الأردن، وعلى مكاتبها في العواصم العربية. وقامت بعض المجموعات الفدائية الصغيرة بحل تشكيلاتها والانضمام الى فتح أمثال «جبهة التحرير الوطني الفلسطينية» (ج ت ف) التي كان شفيق الحوت ونقولا الدر وسميرة عزام وراجي صهيون وخالد اليشرطي من مؤسسيها؛ و«جبهة ثوار فلسطين».

من مقاومة إلى حركة تحرر
في كانون الأول/ديسمبر 1968 صدرت مجلة «التايم» الأميركية وعلى غلافها صورة ياسر عرفات، وقالت عنه إنه سيكون واحداً من أخطر الرجال في الشرق الأوسط، وربما في العالم. وهكذا خطت حركة فتح بقيادة ياسر عرفات خطوة جبارة نقلتها من حركة مقاومة الى حركة تحرر وطني، بل الى إحدى أبرز حركات التحرر الوطني في العالم الثالث. وفي هذا الميدان عرضت فتح في سنة 1968 أفكارها عن «الدولة الديموقراطية» في فلسطين التاريخية التي يعيش فيها العرب (مسلمون ومسيحيون) واليهود في مساواة تامة في إطار دولة ديموقراطية.
بدأت حركة فتح تنسج علاقاتها العربية والدولية منذ أوائل ستينيات القرن العشرين، فزار ياسر عرفات الجزائر والتقى الرئيس أحمد بن بلة، ثم قام خليل الوزير بجولة في الصين وفييتنام وكوريا، وتطورت علاقات الآباء المؤسسين مع أمراء الكويت والسعودية. ومع ذلك لم تسنح الفرصة لياسر عرفات للقاء الرئيس جمال عبد الناصر، بصفته قائداً لحركة فتح، إلا في تشرين الثاني 1967 عقب هزيمة حزيران بعد وساطات متعددة شارك فيها كمال جنبلاط ومحمد حسنين هيكل. فالقيادة المصرية قبل هزيمة حزيران اعتقدت أن فتح هي واجهة لجماعة الإخوان المسلمين، وهي أداة في يد القيادة السورية التي دأبت على معارضة جمال عبد الناصر على قاعدة الخلاف البعثي ـ الناصري الموروث منذ زمن الوحدة المصرية ـ السورية ومنذ زمن الانفصال معاً. ولم يتبدد هذا التصور إلا بعد حرب حزيران 1967 حينما اقترب جمال عبد الناصر أكثر من الثورة الفلسطينية، وما عاد يعتمد على تقارير أجهزته الاستخبارية وحدها، وعلى ما تنقله إليه حركة القوميين العرب.
حضر اللقاء الأول مع جمال عبد الناصر صلاح خلف وفاروق القدومي وهايل عبد الحميد وأبدت القيادة المصرية تحفظها عن سلوك بعض المنظمات الفدائية، وكانت تخشى أن تقوم فتح بتوريط مصر في معارك غير محسوبة. ومهما يكن الأمر، فقد خرج الجميع من اللقاء الأول وقد وضعوا أقدامهم على عتبة جديدة من العلاقات الوثيقة، وكُلِّف محمد حسنين هيكل بمتابعة هذه العلاقات، الأمر الذي كان يعني إبعاد مدير المخابرات العامة المصرية صلاح نصر عن هذا الشأن. ومن النتائج العملية لهذه العلاقات الجديدة ان الرئيس عبد الناصر اصطحب ياسر عرفات معه الى موسكو في زيارة سرية وبجواز سفر مصري باسم «محسن أمين». وكانت تلك الزيارة فاتحة العلاقات الفلسطينية ـ السوفياتية.

محمود المغربي من لاجئي سورية، وهو ليبي الأصل. وتولى في سنة 1969 أول حكومة ليبية بعد قيام حركة الفاتح من أيلول التي حملت العقيد معمر القذافي الى السلطة.