| 

ما تزال قصة الكتيبة الطلابية (أو السرية الطلابية) في حركة فتح تنعش ذاكرة جيل بكامله، وتستدعي حكايات شائقة عن مجموعة من المناضلين الرواد الذين قدموا أعمارهم في سبيل فلسطين، وضربوا أروع الأمثلة في البطولة والتجرد والالتزام. وحتى اليوم ما برحت أسماء عبد القادر جرادات (سعد) وعلي أبو طوق وجورج عسل (أبو خالد) وطوني النمس وأحمد القرى وجمال القرى وكثيرين من رفاقهم تلهب الخيال، وتضفي جمالاً أخّاذاً على سيرة النضال الفلسطيني، وعلى مسيرة الثورة الفلسطينية في مرحلتها اللبنانية، والتي أسهم فيها مناضلون متميزون من لبنان وسورية وفلسطين بالطبع.
لم يؤرخ أحد، حتى الآن، تجربة الكتيبة الطلابية، وما كتب عنها عبارة عن شذرات متناثرة هنا وهناك، أو فقرات ترددت في سياق الحديث عن هذا الشهيد أو ذاك. غير أن الدكتور شفيق الغبرا، وهو فلسطيني ذو جذور سورية (ويحمل الجنسية الكويتية في الوقت نفسه) تصدى للكتابة عن هذه التجربة البهية، فأصدر لهذه الغاية كتاباً وافياً بعنوان «حياة غير آمنة: جيل الأحلام والإخفاقات» (بيروت: دار الساقي، 2011).
وهذا الكتاب عبارة عن سيرة ذاتية مفصّلة تستعيد أبرز محطات حياته منذ ولادته في الكويت سنة 1953 لأسرة حيفاوية (أصلها من دمشق) هاجرت جراء النكبة إلى مصر، ثم هاجر والده الطبيب إلى الكويت وعاش فيها منذ ذلك الوقت، وأصبح كويتي الجنسية، لكنه ظل فلسطيني الهوى والانتماء.

***
في هذه السيرة تاريخ للأشخاص وللوقائع معاً. فالكاتب لا يكتفي برسم الخطوط العامة لتجربته، بل ينحاز إلى التفصيلات اليومية، ولاسيما منذ أن تفتح وعيه على النضال الفلسطيني بعد معركة الكرامة في سنة 1968، ومنذ أن تعرف إلى حركة فتح في الكويت ثم في بيروت قبل أن يسافر إلى الولايات المتحدة الأميركية لمتابعة دراسته، وهناك التقى هشام شرابي الذي عمّق لديه فهم قضية فلسطين، والتقى كمال بلاطة من القدس والمغرم بدراسة الفن، وفواز تركي وحاتم الحسيني وآخرين، وهؤلاء مهدوا الطريق أمامه للالتحاق بحركة فتح، وقادته رجلاه إلى لبنان الذي أصبح بعد أيلول 1970 الساحة الرئيسة للعمل الفدائي.

***
يروي شفيق الغبرا في سيرته هذه كيف التحق بحركة فتح، وهو القادم من جامعة جورجتاون في الولايات المتحدة الأميركية، وكيف خضع لدورة عسكرية في بلدة مصياف بسورية، وكيف ترك أميركا بصورة نهائية وجاء إلى لبنان ليلتحق مباشرة بالعمل العسكري وليس بالعمل الإعلامي أو الدبلوماسي أو السياسي. فقد تزامن وصوله إلى بيروت مع اغتيال معروف سعد في صيدا سنة 1975، ثم اندلعت الحرب الأهلية، ووجد الكاتب نفسه في معمعان المعارك فانخرط فيها. ثم يسرد قصة «السرية الطلابية» التي أُسست بُعيد أحداث أيار 1973، وتحول اسمها إلى «الكتيبة الطلابية» ثم إلى «كتيبة الجرمق»، والتي قاتل عناصرها في معركة الطبية في بيروت (كلية الطب التابعة للجامعة اليسوعية والواقعة في إحدى نقاط طريق الشام)، ودافعوا عن حي البرجاوي، وقاتلوا بشهامة في مرتفعات صنين وتلال العرقوب، وشاركوا في التصدي للإسرائيليين وجماعة سعد حداد في جبال البطم وتلة مسعود وتلة شلعبون... وغيرها من المواقع الملتهبة.

***
يعيد شفيق الغبرا إحياء كثير من أسماء الشهداء والمناضلين الذين خاضوا تجربة «الكتيبة الطلابية»، فيروي حكايات دافئة عن الشهداء حنا ميخائيل (أبو عمر) ومحمد بحيص (أبو حسن) وعبد القادر جرادات (سعد) وعلي أبو طوق ومروان كيالي وجورج عسل وسمير الشيخ وعصمت مراد وباسم سلطان التميمي (حمدي) ونعيم (عبد الحميد الوشاحي) وأمين العنداري (أبو وجيه) ونقولا عبود وجواد أبو الشعر ومحمد شبارو وجودت المصري (أبو الوفا) ودلال المغربي وغيرهم. ويعيد تذكيرنا بمناضلين كثيرين تناثروا أيدي سبأ بعد الخروج من لبنان في سنة 1982 أمثال أنيس نقاش وعادل عبد المهدي (الذي صار نائباً لرئيس الحكومة العراقية) وإدي زنانيري ومعين الطاهر ويزيد صايغ والسيد هاني فحص وحسن صالح وسعود المولى ونظير الأوبري (الحلبي الجذور) ومحمود العالول وسامي عبود. ونعمان العويني وهلال رسلان (من جبل العرب في سوريا) ومحجوب عمر (من مصر) وربحي وأدهم وهالة صايغ وسامية عيسى ومحمد صالح الحسيني (من إيران) والعشرات من الأسماء الحركية أو المختصرة، والتي كانت جميعها تتكوكب في إطار «السرية الطلابية».

***
غادر الكاتب لبنان في سنة 1981 إلى الكويت، لكن أطياف رفاقه ظلت تأتيه في أحلامه، وترافقه في صحوه. ومع أن هذه التجربة انتهت مع تحوّل «خط الشعب» اليساري إلى الإسلام السياسي، الأمر الذي أدى إلى خروج كثير من المسيحيين اللبنانيين والفلسطينيين على هذه الصيغة، إلا أن الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979 كانت من الأسباب المباشرة للقضاء عليها. وفي ذلك مفارقة غريبة، فالكتيبة الطلابية التي رأى معظم عناصرها أن الثورة الإيرانية هي النموذج الذي يمكن احتذاؤه، ومالوا إلى التفكير الإسلامي بعدما كانوا اعتنقوا الماوية في البداية وأفكارها في حرب الشعب وخط الجماهير والتناقضات... الخ، انقسموا إلى يساريين وإسلاميين جدد، وخرج كثيرون من صفوفها. ثم ان المجتمع اللبناني والفلسطيني من حولها انقسم بدوره غداة اندلاع الحرب العراقية ـ الإيرانية في سنة 1980، بين مؤيد للعراق ومؤيد لإيران. وعند هذا الحد راحت الكتيبة تعاني التشقق، ثم انتهت التجربة في حرب 1982 بعدما قدم عناصرها مثالاً رائعاً للصمود والثبات والشجاعة في معركة الشقيف. وها هو شفيق الغبرا يعيد الألق إلى أسماء ناصعة غيبتها الذاكرة تحت ركام الوقائع اللاحقة.
ص.أ.ف.