واجه ياسر عرفات والفلسطينيون ساعات عصيبة في 6/4/1992. فبينما كان عائداً في طائرته من السودان بعد تفقد القوات الفلسطينية فيه، اختفت الطائرة وانقطع الاتصال بملاحيها. وعاش الشعب الفلسطيني خمس عشرة ساعة متواصلة من الخوف والقلق والابتهال، وأيقن كثيرون أن ياسر عرفات قد قضى في طائرته بعد سقوطها في مكان مجهول. ولعل من نوادر الأحداث أن ينجو ركاب طائرة صغيرة بعد سقوطها، ومرة جديدة يبرهن ياسر عرفات أن الموت يخاف منه. ففي تلك الليلة التي انعدمت فيها الرؤية، وتاهت الطائرة في الصحراء الليبية جراء عاصفة رملية، لم يجد قائد الطائرة محمد درويش مخرجاً إلا الهبوط المائل في الصحراء، ثم صدْم الأرض بمقدمة الطائرة، لأن الهبوط العادي فوق رمال الصحراء سيؤدي إلى احتراق الطائرة، بينما الصدم سيجعلها تنشطر إلى ثلاثة أقسام، ويجنبها الاحتراق.
وأصدر قائد الطائرة أوامره بوضع ياسر عرفات في مؤخرة الطائرة وشد الأحزمة من حوله ووضع الحرامات عليه، ثم حمايته بأجساد مرافقيه الذين تكوّموا فوقه. وقام الطيار بما خطط له وكان يعرف أن الجالسين في مقدمة الطائرة سيموتون على الفور. وكان في المقدمة هو ومساعده غسان ياسين. وكان الطيار الروماني قد توفي بالسكتة القلبية جراء هول المشهد. وهكذا بدأ الطيار محمد درويش بالاقتراب التدريجي المائل من الأرض حتى اصطدم بها، فاستشهد مع مساعده غسان ياسين على الفور، وانشطرت الطائرة، بالفعل، إلى ثلاثة أقسام ولم تتعرض للاحتراق، وجرح معظم من كان في مؤخرة الطائرة بمن فيهم ياسر عرفات نفسه. وقد تحدث من كان معه على الطائرة آنذاك، أنه صرخ فور اصطدامها بالأرض قائلاً: "ها أنا آت إليك يا أخي أبو جهاد". وما إن صحا ياسر عرفات من هول الصدمة حتى تمالك روعه بسرعة، وأمر حراسه بسحب أقسام بنادقهم وحراسة الطائرة من ذئاب الصحراء التي تشتم رائحة الدم من مسافات بعيدة جداً. ثم راح يحصي الماء والغذاء الموجود على الطائرة ليوزعه على الحاضرين بمقادير معينة خوفاً من طول الإقامة في هذا المكان، وبادر إلى تضميد جراح المصابين. ومع أن العالم كله شغل باختفاء طائرة ياسر عرفات، ودارت الأقمار الصناعية لتفتش عنه وعنها، إلا أن بدوياً ليبياً هو الذي تمكن من أن يرشد قوة فلسطينية تحركت من معسكر "السارة" للتفتيش عن قائدها في عواصف الصحراء، ويدلها عليه بعدما أمضى مع رفاقه خمس عشرة ساعة في غبائر السديم.